قال متحدث وزارة الزراعة خالد جاد في تصريحات متلفزة إن قرار رفع أسعار توريد القمح أسهم في التوسع في زراعته خلال الموسم الحالي، حيث وصلت المساحة المنزرعة بالقمح هذا العام، إلى نحو 3.7 مليون فدان، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ زراعة القمح في مصر، فيما ارتفع سعر توريد أردب القمح إلى نحو 2350 جنيهًا
واعتبر مراقبون أن زيادة سعر توريد القمح 7% في ظل تضخم يزيد على 10% له أهميته الاقتصادية والاستراتيجية، يخرج إلى تصويره على أنه من أشكال الحماية الاجتماعية!
وضخم مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحفي من الرقم فقال إن حزمة الحماية الاجتماعية تتضمن دعم الفلاحين عبر إتاحة 4 مليارات جنيه لصالح فروق سعر توريد القمح للأردب، مشيرا إلى أن موسم الحصاد يبدأ في شهر أبريل.
تثير المقارنة بين أرباح القمح المستورد وسعر توريد القمح المحلي هذا العام حالة واضحة من التباين، بعدما كشفت تقديرات اقتصادية أن مشروع "مستقبل مصر" يحقق ما يقارب 50 دولارًا ربحًا في طن القمح المستورد، في الوقت الذي حددت فيه الحكومة سعر توريد الأردب المحلي عند 2350 جنيهًا فقط.
وهذا الفارق يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول أولويات السياسة الزراعية والتجارية، ومدى قدرة سعر التوريد الحالي على تشجيع المزارعين على التوسع في زراعة القمح، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي من بذور وأسمدة وري ونقل.
وبينما تعتمد الدولة على الاستيراد لتأمين جزء كبير من احتياجاتها الاستراتيجية، يرى مراقبون أن استمرار هذا التفاوت قد يضعف الحافز لدى المنتج المحلي، ويجعل مصر أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل فاتورة الاستيراد.
150 مليون دولار سنويا
ويتحكم جهاز مستقبل مصر في رغيف العيش بعمولات 150 مليون دولار سنويا فرق سعر توريد القمح لوزارة التموين بخلاف السعر الذي تدفعه الوزارة في القمح المستورد.
وكشف تقرير نشرته منصة "صحيح مصر" عن تحقيق جهاز “مستقبل مصر” التابع للقوات الجوية أرباحًا تتجاوز 50 دولارًا في الطن الواحد من القمح، نتيجة فارق السعر بين الاستيراد وإعادة البيع إلى الهيئة العامة للسلع التموينية.
وبحسب ما أورده التقرير، فإن الجهاز يستورد القمح بسعر يبلغ نحو 164 دولارًا للطن، في حين يقوم ببيعه إلى الهيئة العامة للسلع التموينية بسعر يتراوح ما بين 225 و275 دولارًا للطن، ما يعني وجود هامش ربح يتخطى 50 دولارًا للطن، وقد يصل في بعض التعاقدات إلى أكثر من 100 دولار للطن الواحد.
ويأتي ذلك في وقت تعتمد فيه مصر بشكل كبير على استيراد القمح لتلبية احتياجاتها المحلية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا وتأثيرات الأزمات الدولية على سلاسل الإمداد. وتعد هيئة السلع التموينية الجهة الحكومية المسئولة عن تأمين احتياجات البلاد من السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح المستخدم في إنتاج الخبز المدعّم.
ووفق التقرير، يثير هذا الفارق السعري تساؤلات بشأن آليات التسعير ودور الجهات السيادية في عمليات الاستيراد وإعادة البيع، خاصة مع تحمّل الموازنة العامة للدولة تكلفة دعم الخبز، ما يعني أن أي زيادة في سعر التوريد تنعكس في النهاية على الأعباء المالية للدولة.
ولم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من الجهات المعنية لتوضيح تفاصيل التعاقدات أو طبيعة المصروفات الإضافية – إن وجدت – التي قد تبرر فارق السعر بين الاستيراد وإعادة البيع.
وتتزامن هذه المعلومات مع نقاشات متصاعدة حول ملف استيراد السلع الاستراتيجية، وضرورة تعزيز الشفافية والرقابة على عمليات الشراء والتوريد، بما يضمن حماية المال العام وتقليل كلفة الدعم في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
مطالبات المزارعين
يطالب الفلاحون هذا العام برفع سعر توريد أردب القمح إلى ما بين ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه، إلى أربعة آلاف جنيه مؤكدين أن السعر الحكومي الحالي البالغ 2350 جنيهًا لا يغطي تكاليف الإنتاج التي ارتفعت بسبب زيادة أسعار الأسمدة والعمالة والوقود ومستلزمات الزراعة.
ويرى المزارعون أن السعر العادل يجب أن يعكس التكلفة الحقيقية ويحقق هامش ربح يشجعهم على التوسع في زراعة القمح، خاصة في ظل دعوات الدولة لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. ولهذا جاءت مطالبهم بسعر أعلى باعتباره الحد الأدنى الذي يضمن استمرارهم في زراعة المحصول الاستراتيجي الأهم في مصر.
دعاية فضفاضة
وأعلنت وزارة الزراعة أن مساحة القمح المزروعة هذا الموسم بلغت نحو 3.763 مليون فدان، متجاوزة المستهدف الرسمي البالغ 3.5 مليون فدان، وبزيادة تقارب 600 ألف فدان عن الموسم الماضي. ويُقدَّم هذا الرقم في الخطاب الرسمي باعتباره إنجازًا كبيرًا في معركة الأمن الغذائي، مصحوبًا بحديث حكومي عن رفع سعر التوريد وتحسين التقاوي وتشجيع الفلاحين.
ولكن خلف هذا الاحتفاء تقف حقيقة ثابتة: مصر لا تزال تنتج نصف ما تستهلكه فقط من القمح، وتعتمد على استيراد ملايين الأطنان سنويًا لإطعام أكثر من 69 مليون مواطن يعتمدون على رغيف مدعوم لا يملكون بديلا عنه.
وأشار مراقبون إلى أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك ما زالت واسعة، والسياسات الزراعية تعاني ارتباكًا مزمنًا، والاعتماد على الخارج لتوفير سلعة استراتيجية مثل القمح لا يزال هو القاعدة لا الاستثناء.
والأرقام البراقة تغطي نصف الحقيقة فقط؛ فزيادة المساحة إلى 3.763 مليون فدان وارتفاع مشتريات القمح المحلي لا يغيران من واقع أن مصر تستهلك نحو 20.5 مليون طن سنويًا، بينما لا ينتج الداخل سوى نصف هذا الرقم تقريبًا، ويُستكمل الباقي عبر الاستيراد، خصوصًا من روسيا وأوكرانيا. وحتى مع تراجع الواردات في 2024 إلى نحو 4.9 مليون طن، تبقى مصر دولة تعيش على حبل الاستيراد، وأي اضطراب في الأسواق العالمية أو في شحنات البحر الأسود يمكن أن يهدد برنامج الخبز المدعوم بأكمله.
وتحذر دراسات حديثة من أن الطلب المحلي على القمح ينمو أسرع من الإنتاج، وأن الفجوة ستتسع خلال السنوات المقبلة ما لم تحدث تغييرات جذرية في السياسات الزراعية، فالدولة تتعامل مع العجز كأمر واقع، وتعتمد على استمرار القدرة على الاستيراد، رغم أزمة العملة الصعبة والديون المتراكمة. وبينما يتحدث الخطاب الرسمي عن تأمين الأمن الغذائي، فإن الممارسة الفعلية تجعل رغيف الخبز رهينة لأسعار القمح العالمية وتقلبات السوق والحروب والصراعات بين كبار الموردين. أي اضطراب سياسي أو مالي هناك يتحول فورًا إلى تهديد مباشر لغذاء ملايين المصريين هنا.