منذ صعود آبي أحمد إلى السلطة، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في دعم حكومته سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وقد ظهر هذا الدعم بوضوح خلال حرب تيجراي، حين ساهمت المسيّرات الإماراتية في تغيير موازين القوى لصالح الجيش الإثيوبي، لذلك، فإن زيارة آبي أحمد في ذروة التهديد الإيراني تحمل دلالة واضحة، إثيوبيا لا تتعامل مع الإمارات كشريك اقتصادي فقط، بل كحليف استراتيجي يوفر لها التكنولوجيا العسكرية، والدعم المالي، والغطاء السياسي في ملفات حساسة مثل سد النهضة.
واعتُبرت رسالة الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله عبر حسابه @Abdulkhaleq_UAE: “مليون أهلا وسهلا برئيس إثيوبيا آبي أحمد الذي قرر أن يكون أول رئيس بالعالم يزور الإمارات منذ العدوان الإيراني الغاشم، هذا الوفاء والتضامن الإثيوبي في الشدة لن ننساه أبدا.”.
https://x.com/Abdulkhaleq_UAE/status/2032140577731739892
تعكس بمفرداتها رغبة إماراتية في إظهار أن علاقاتها الإقليمية متماسكة رغم التهديدات، وأن إثيوبيا—رغم بعدها الجغرافي—تقف معها في لحظة اختبار أمني.
سد النهضة في خلفية المشهد
وعلى الجانب المصري، لم تُقرأ الزيارة باعتبارها خطوة بروتوكولية، بل كتحرك سياسي حساس يرتبط مباشرة بملف سد النهضة، الكاتب ماجد العزيزي @majed_alozizi عبّر عن هذا الشعور بقوله: “أفهم جيدًا ماذا يعني النيل للمصريين، زيارة آبي أحمد للإمارات قد تكون بروتوكولًا سياسيًا عاديًا، لكن بالنسبة للمصريين فالرجل مرتبط بأكبر تهديد لمصدر حياتهم، الماء حياة.”
https://x.com/majed_alozizi/status/2032146295184318701
هذا الموقف يعكس إدراكًا مصريًا بأن أي تقارب بين الإمارات وإثيوبيا قد يُقرأ كإعادة تموضع إقليمي في ملف المياه، وهو ما يثير حساسية شديدة لدى الرأي العام المصري.
ولم يكن ملف سد النهضة بعيدًا عن دلالات الزيارة، فالعلاقة بين الإمارات وإثيوبيا لعبت دورًا مهمًا في تعزيز موقف أديس أبابا في مفاوضات السد، بينما شعرت القاهرة في كثير من الأحيان أن أبوظبي تميل إلى دعم إثيوبيا اقتصاديًا وسياسيًا.
ومع تصاعد التوتر الإقليمي، نشطت اللجان الإلكترونية الإماراتية في استغلال الزيارة لمكايدة مصر، عبر تصوير آبي أحمد كزعيم يحظى بدعم الخليج بينما “تُترك مصر وحدها”، هذا الخطاب الإلكتروني ليس جديدًا، لكنه ازداد حدة بعد الضربات الإيرانية، في محاولة لإظهار أن التحالفات الإقليمية تتحرك بعيدًا عن القاهرة.
عدد من الحسابات العربية ربط الزيارة بتحالفات أوسع تستهدف مصر، كتب حساب اللورد @BnLord “القاسم المشترك بين إثيوبيا والإمارات هي إسرائيل.”
وكتب آخر @amasz_z: “لا يخفى على العالم العلاقة الحميمة بين إثيوبيا وإسرائيل، وكذلك القواعد الإسرائيلية في إثيوبيا، وعموما تعتبر إثيوبيا والإمارات بيضتين في سلة واحدة.”
هذه التعليقات تعكس انتشار سردية ترى أن سد النهضة جزء من مشروع إقليمي أوسع لإضعاف مصر والسودان.
أين “مسافة السكة”؟ غياب التضامن العربي في لحظة اختبار
الزيارة أثارت أيضًا نقاشًا واسعًا حول مفهوم “مسافة السكة” الذي روّجت له القاهرة لسنوات باعتباره تعبيرًا عن استعداد مصر للدفاع عن أشقائها العرب، لكن في لحظة تعرض الإمارات لهجمات مباشرة، لم يظهر أي تحرك مصري لافت، لا سياسيًا ولا عسكريًا.
وفي مصر، لم يخلُ التفاعل من السخرية، كتب حساب @qnwny41: “هو بتاع مسافة السكة وصل ولا لسه.”
وهو تعليق يعكس شعورًا بأن مصر—التي رفعت شعار “مسافة السكة” للدفاع عن الأشقاء—لم تظهر في لحظة تعرض الإمارات لهجوم، بينما ظهر آبي أحمد، الخصم في ملف المياه، في قلب أبو ظبي.
في المقابل، ظهرت أصوات مصرية تدعو إلى عدم تسييس الزيارة، وكتب هاني الشرشابي @VwueyMQI4seY5Un: “مش معنى أن في مشكلة بين مصر وإثيوبيا أن كل الدول الشقيقة تعاديها، كل دولة لها مصالح، علاقتنا مع الإمارات أقوى من أي دولة ثانية.”
هذا الخطاب يعكس رغبة في فصل العلاقات الثنائية عن الصراعات الإقليمية،
فيما عدد من الحسابات الخليجية عبّر عن قلق من “طبخة سياسية” تُحاك في أبو ظبي. كتب علي المحيميد @ALIALMOHAIMID: “الله العالم وش من طبخة جديدة تحاك في أبوظبي وضد من؟ اللي بيعرف عبقري.”
بينما كتب آخرون أن الزيارة “استلام ثمن التآمر على العرب”، أو أنها “تحالف ضد مصر”، أو أنها “زيارة لطلب المال بعد انقطاع التمويل”.
وفي المقابل، ظهر آبي أحمد في أبو ظبي في توقيت حساس، ما دفع البعض إلى التساؤل عن جدوى الشعارات التي ترفعها القاهرة مقارنة بالتحركات الفعلية على الأرض، هذا الغياب المصري عن المشهد فتح الباب أمام انتقادات داخلية حول تراجع الدور الإقليمي لمصر، مقابل صعود أدوار جديدة لدول مثل إثيوبيا وتركيا.
ولذلك، احتفت الحسابات الإثيوبية بالزيارة باعتبارها دليلًا على مكانة آبي أحمد الإقليمية، أحد الحسابات @PoliticalCit وصفه بأنه “زعيم البحر الأحمر الذي سيخلق السلام والأمن في القرن الأفريقي”، هذا الخطاب يعكس رغبة إثيوبية في تقديم الزيارة كاعتراف دولي بدور أديس أبابا الإقليمي، خصوصًا في ظل التوترات الداخلية التي يواجهها آبي أحمد.
زيارة في لحظة نيران… لماذا اختار آبي أحمد أبوظبي الآن؟
جاءت زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الإمارات في توقيت بالغ الحساسية، إذ تزامنت مع الضربات الإيرانية التي استهدفت أبو ظبي ودبي، ومع حالة استنفار أمني غير مسبوقة في الخليج، ورغم المخاطر، كان آبي أحمد أول زعيم أجنبي يصل إلى الإمارات بعد الهجمات، في خطوة اعتبرتها وسائل إعلام القرن الأفريقي “رسالة سياسية محسوبة” تؤكد عمق التحالف بين أديس أبابا وأبو ظبي.
فالزيارة لم تكن بروتوكولية، بل جاءت في لحظة اختبار حقيقي لقدرة الإمارات على الصمود، وفي لحظة تحتاج فيها أبوظبي إلى إظهار أن حلفاءها يقفون معها حتى في أوقات الخطر.
في الخليج، لم يخلُ المشهد من السخرية والقراءات السياسية الساخرة. كتب خالد بن صقر @Abosagr: “بين أصدقاء الإمارات، من هو الأوفى: آبي أحمد أم بنيامين نتنياهو؟”
https://x.com/Abosagr/status/2032210771011092504
هذا التعليق يعكس إدراكًا بأن الإمارات تتحرك ضمن شبكة تحالفات معقدة تشمل "إسرائيل" وإثيوبيا، وأن الزيارة قد تكون جزءًا من إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي.
دور محتمل في دعم قوات الدعم السريع
من زاوية أخرى، تحمل الزيارة دلالات تتعلق بالحرب في السودان، فالإمارات متهمة من قبل تقارير دولية بدعم قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، بينما تُتهم إثيوبيا بأنها أصبحت ممرًا لوجستيًا لهذا الدعم، سواء عبر حدودها الغربية أو عبر شبكات تهريب السلاح.
ومن السودان، جاءت التعليقات محمّلة بالاتهامات، كتب حساب @xStranger217 أن الجيش السوداني “رصد مسيرات تنطلق من داخل الأراضي الإثيوبية وتقصف مناطق سيطرة الجيش السوداني”، معتبرًا أن الزيارة جزء من “تحالف يهدد السودان”، بينما كتب آخرون أن إثيوبيا أصبحت “ممرًا لوجستيًا” لدعم قوات الدعم السريع، وأن الزيارة قد تحمل تنسيقًا جديدًا بين أبوظبي وأديس أبابا في الملف السوداني.
وفي هذا السياق، فإن زيارة آبي أحمد قد تكون جزءًا من تنسيق أوسع يتعلق بإدارة الحرب السودانية، خصوصًا أن أديس أبابا تسعى إلى لعب دور إقليمي أكبر في القرن الأفريقي، بينما تبحث الإمارات عن طرق آمنة لاستمرار نفوذها في السودان رغم الضغوط الدولية.
رسائل الزيارة
وجود آبي أحمد في الإمارات بعد ساعات من الضربات الإيرانية يحمل رسالة مزدوجة، فمن جهة، هو إعلان تضامن سياسي مع أبوظبي في مواجهة طهران، ومن جهة أخرى هو رسالة إلى واشنطن بأن إثيوبيا—رغم خلافاتها مع الولايات المتحدة—لا تزال جزءًا من شبكة التحالفات التي تراهن عليها واشنطن في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، هذا التموضع قد يمنح آبي أحمد هامشًا أكبر في التعامل مع الضغوط الغربية المتعلقة بحقوق الإنسان أو الصراعات الداخلية.
على المستوى الداخلي، يسعى آبي أحمد إلى الظهور كزعيم إقليمي قادر على التحرك بثقة في لحظات الخطر، رغم التوترات العرقية والاقتصادية التي تعصف بإثيوبيا، فالزيارة تمنحه صورة “رجل الدولة” الذي يحظى بدعم قوى إقليمية كبرى، وتمنحه أيضًا فرصة لتعزيز شرعيته في الداخل عبر إظهار أن حكومته ليست معزولة، وأن علاقاتها الخارجية قوية رغم التحديات.
زيارة آبي أحمد للإمارات
في ذروة الضربات الإيرانية ليست حدثًا عابرًا، بل خطوة تحمل رسائل سياسية وعسكرية تمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي، ومن سد النهضة إلى الحرب في السودان، إنها زيارة تكشف عن شبكة تحالفات متشكلة في المنطقة، وعن تراجع أدوار تقليدية كانت مصر تتصدرها، وعن صعود لاعبين جدد يعرفون كيف يستغلون اللحظة الإقليمية لصالحهم.