تحل الذكرى الثانية والعشرون لاغتيال الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقائدها الروحي، الذي اغتيل في فجر 22 مارس 2004، عندما استهدفته مروحيات الأباتشي الإسرائيلية بثلاثة صواريخ بينما كان يغادر صلاة الفجر قرب مقر إقامته في حي الصبرة بغزة. رغم كونه مقعدًا على كرسي متحرك، إلا أن تأثيره وحضوره كانا عظيمين ويتجاوزان حدود الجسد، فقد أصبح رمزًا للمقاومة والثبات، ورجلًا يمثل أمة، وصوتًا بقي مستمرًا رغم محاولات الاحتلال لإسكات صوته.
لم يكن اغتياله مجرد عملية عسكرية، بل كان حدثًا أهتز له العالم العربي والإسلامي بأسره، وأعلن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات فترة حداد مدتها ثلاثة أيام بعد وفاته. ومع ذلك، لم يستطع الاحتلال القضاء على شعلة المقاومة التي أطلقها الشيخ، بل أسهم اغتياله في تعزيز فكرته وانتشار نهجه بشكل أكبر.
وبعد استشهاد الشيخ الياسين، لم تتراجع المقاومة، بل ازدادت في القوة والتنظيم. تحولت رؤيته إلى منهج يتبعه الأجيال الشابة، وأصبحت أقواله جزءاً من الذاكرة الوطنية الفلسطينية. كان يؤمن بأن على الشعب الفلسطيني استرداد زمام الأمور، وأن المقاومة هي السبيل نحو التحرير، وأن الاحتلال لا يفهم سوى لغة القوة.
إرثه لم يتوقف عند الجانب العسكري، بل شمل أيضا الجوانب الاجتماعية والدعوية والسياسية. فقد أنشأ مؤسسات اجتماعية وخيرية، وعزز التعليم، ورعى المحتاجين، وكان نموذجاً للقائد الذي يجمع بين الإيمان والفعل.
نبوءة هل تتحقق؟
من بين الأقوال المنسوبة للشيخ أحمد ياسين أنه صرح عام 1991 بأن "نهاية إسرائيل ستكون في عام 2027". ورغم أن هذه العبارة كانت تُحكى في إطار إيماني ورؤيوي، إلا أنها عادت للظهور مع تزايد المقاومة الفلسطينية، واهتزاز صورة إسرائيل على الصعيد الدولي، وازدياد الاعتراف بدولة فلسطين، بما في ذلك اعتراف دول أوروبية مثل النرويج وإسبانيا وأيرلندا في عام 2025.
وفي فجر ذلك اليوم، غادر الشيخ أحمد ياسين المسجد بعد أداء صلاة الفجر، وكان محاطًا بمجموعة من مرافقيه. وبعد مرور دقائق، ظهرت مروحيات الأباتشي في سماء المنطقة، ورمت ثلاثة صواريخ نحو الشيخ، مما أدى إلى استشهاده فورًا مع عدد من المصلين. كان المنظر صادمًا للعالم، إذ استهدفت إسرائيل رجلًا ضعيف البنية ويعاني من الشلل، لكنه كان قوي التأثير، في عملية اغتيال وحشية خططت لها الحكومة الإسرائيلية برئاسة أرئيل شارون في ذلك الوقت.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يُستهدف فيها، فقد نجا من محاولة اغتيال سابقة قبل خمسة أشهر عندما استهدفت الطائرات الإسرائيلية الشقة التي كان متواجدًا فيها، مما أدى إلى إصابته. لكن الاحتلال كان مصمماً على إنهاء حياة من رأوا فيه “تهديدًا معنويًا” يفوق أي تهديد عسكري.
من النكبة إلى المقاومة: سيرة حياة مليئة بالنضال
وُلد الشيخ أحمد ياسين في قرية الجورة القريبة من المجدل عام 1936، وقد توفي والده وهو في الخامسة من عمره. عايش ثورة 1936 ثم النكبة عام 1948 التي أدت به وعائلته إلى اللجوء إلى قطاع غزة. خلال شبابه، تعرض لحادث أسفر عن شلل دائم، ولكنه لم يسمح لهذه الإعاقة أن تعيق مسيرته. أكمل دراسته، وتولى مهنة التدريس والإمامة، وبرز كقائد مؤثر في تحريك الجماهير، خصوصًا بعد نكسة 1967.
كان الشيخ ياسين من الأوائل الذين بدأوا بدعم عائلات الشهداء والمعتقلين، وجمع التبرعات، وتنظيم الأنشطة الدعوية والاجتماعية. ومع تزايد الاحتلال، أخذ دوره في المقاومة يتبلور، حيث اعتقل عام 1983 بتهمة حيازة أسلحة والتحريض على الإطاحة بإسرائيل، وحُكم عليه بالسجن لمدة 13 عامًا، لكنه أفرج عنه في صفقة تبادل عام 1985.
تأسيس حركة حماس: بداية مرحلة جديدة
بعد مغادرته السجن، قام الشيخ أحمد ياسين مع عدد من رفاقه بتأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عام 1987، بالتزامن مع انطلاق الانتفاضة الأولى. في البداية، كانت الحركة تركز على المقاومة الشعبية والدعوة الإسلامية، لكنها سرعان ما أسست جناحها العسكري الذي بدأ ينفذ عمليات نوعية ضد الاحتلال، بما في ذلك اختطاف جنود إسرائيليين للمساومة من أجل إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين.
هذا الامر جعل الشيخ هدفًا مباشرًا للاحتلال، حيث اعتُقل مجددًا عام 1989، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد مع إضافة 15 عامًا بتهمة تأسيس تنظيم معادٍ والتحريض على قتل جنود الاحتلال. رغم الصعوبات القاسية في السجن، لم يقبل الشيخ بأي تنازل عن حريته مقابل الكشف عن أماكن دفن الجنود الإسرائيليين الذين اختطفتهم المقاومة.
وفي عام 1997، أُطلق سراحه في إطار صفقة تبادل برعاية أردنية عقب محاولة فاشلة لاغتيال خالد مشعل في عمان. عاد الشيخ إلى غزة بطلاً، وزادت شعبيته، وأصبح مرشداً روحياً للمقاومة.
ومنذ الستينيات، اتبعت إسرائيل استراتيجية الاغتيالات ضد قادة المقاومة، سواء داخل فلسطين أو خارجها. استهدفت خليل الوزير (أبو جهاد)، وفتحي الشقاقي، وأبو علي مصطفى، والرنتيسي وآخرين. ومع ذلك، كما أكد محللون إسرائيليون، لم تؤدِّ هذه الاستراتيجية إلى إضعاف المقاومة، بل عززت من قوتها. كان اغتيال الشيخ أحمد ياسين مثالاً دامغاً على ذلك، إذ لم يُسفر عن انهيار حماس، بل زاد من قوتها شعبياً وسياسياً وعسكرياً.
تأثير المقاومة
كان للانتفاضة الأولى التي شارك الشيخ في انطلاقتها تأثير كبير في تغيير مجرى القضية الفلسطينية. وبعد مرور عام على تأسيس حماس، أعلن ياسر عرفات عن قيام دولة فلسطين عام 1988، وتم الاعتراف بها من قبل عشرات الدول. مع مرور السنوات، ازداد الاعتراف الدولي، حتى بلغ 147 دولة في عام 2025.
كما شهدت الساحة العالمية حدثاً مهماً في مايو 2024 عند موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع قرار يمنح فلسطين حق العضوية الكاملة، بالإضافة إلى طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه بتهم تتعلق بجرائم حرب.
هذه التطورات تُعبر عن استمرار مسيرة طويلة من المقاومة التي كان الشيخ أحمد ياسين واحداً من أبرز رموزها.
بعد 22 عاماً على اغتياله، لا يزال الشيخ أحمد ياسين حاضراً في الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي. لم يتمكن الاحتلال من إسكات صوته، ولم تُؤثر الصواريخ في أثره. بقي رمزاً للصمود، ورجلاً تحدى الإعاقة والسجن والاغتيال، ليترك إرثًا خالداً في مسيرة التحرير.
إن ذكرى استشهاده ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي نقطة لتجديد العهد على استكمال الطريق الذي رسمه بدمه وكلماته، وهو طريق المقاومة والحرية والكرامة.
