مقدمة
خلال كلمة ألقاها عبد الفتاح السيسي في حفل إفطار الأسرة المصرية الذي أقيم في دار القوات الجوية، تناول السيسي الوضع الاقتصادي في مصر محاولا توضيح أسباب الضغوط الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
جاء الخطاب في سياق ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة وازدياد النقاش العام حول السياسات الاقتصادية. وخلال الكلمة أشار السيسي إلى عدة نقاط رئيسية، أبرزها:
-
أن الأزمات العالمية، مثل جائحة COVID-19 والحرب الروسية الأوكرانية، هي السبب الأساسي للأزمة الاقتصادية.
-
أن الدولة لا تحقق أرباحًا من بيع الوقود.
-
أن فاتورة الطاقة تمثل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد.
-
أن الحكومة تضطر لاتخاذ قرارات اقتصادية صعبة للحفاظ على الاستقرار.
لكن مراجعة هذه التصريحات بالاستناد إلى بيانات وتقارير اقتصادية دولية تشير إلى أن الوضع الاقتصادي أكثر تعقيدًا مما ورد في الخطاب.
التفنيد والتحليل
إرجاع الأزمة بالكامل إلى الأزمات العالمية
نص من الخطاب:
قال السيسي إن السنوات الخمس الماضية شهدت ظروفًا صعبة بسبب جائحة كورونا والحرب الروسية-الأوكرانية والحرب في غزة، مؤكدًا أن مصر لم تكن طرفًا في هذه الأزمات.
التحقق:
ولكن البيانات الاقتصادية تظهر عكس هذا الكلام، حيث إن الاختلالات المالية بدأت قبل هذه الأزمات بسنوات.
فقد ارتفع الدين الخارجي لمصر من نحو 46 مليار دولار عام 2013 إلى أكثر من 168 مليار دولار بحلول عام 2023، وفق بيانات دولية. كما شهدت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي زيادة ملحوظة خلال العقد الأخير، وهو ما يعكس تصاعد الضغوط المالية تدريجيًا قبل اندلاع الأزمات العالمية الأخيرة.
https://www.focus-economics.com/country-indicator/egypt/external-debt/
التقييم:
مضلل جزئيًا
الأزمات العالمية ساهمت في تفاقم الضغوط الاقتصادية، لكنها لا تفسر وحدها الأزمة الحالية، إذ تشير المؤشرات إلى أن جزءًا من التحديات الاقتصادية يعود إلى عوامل داخلية وسياسات مالية تراكمت على مدى سنوات.
الدولة لا تحقق أي مكاسب من بيع الوقود.
نص التصريح:
قال السيسي إن الدولة تستورد البنزين والسولار والغاز ثم تبيعها بالسعر نفسه، مؤكدًا: “أنا بجيب بنزين وسولار وبوتاجاز… بجيب بجنيه وببيع بجنيه… ما فيش مكسب.”
التحقق:
تسعير الوقود في مصر لا يعتمد فقط على تكلفة الاستيراد أو الإنتاج، بل يتم وفق آلية مرتبطة بالأسعار العالمية للنفط وسعر صرف العملة. كما يشمل السعر المحلي ضرائب ورسومًا مختلفة تدخل ضمن هيكل التسعير.
ومنذ عام 2014 بدأت الحكومة تنفيذ برنامج تدريجي لخفض دعم الطاقة، ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي دعمه صندوق النقد الدولي. وهدف البرنامج إعادة هيكلة أسعار الوقود بحيث تقترب تدريجيًا من تكلفتها الفعلية.
2026# وبالتالي فإن السعر النهائي للوقود في السوق المحلية يتكون من عدة عناصر، من بينها تكلفة الاستيراد أو الإنتاج، والضرائب، ورسوم أخرى، وليس فقط سعر الشراء من الخارج.
الدليل:
أشار صندوق النقد الدولي إلى أن برنامج خفض دعم الطاقة في مصر ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي.
https://www.imf.org/en/Countries/EGY
التقييم:
مضلل جزئيًا
الأمر لا يقتصر على شراء الوقود وبيعه بالسعر نفسه، إذ يشمل تسعير الوقود عناصر مالية أخرى، مثل الضرائب والرسوم، إلى جانب تكلفة الاستيراد أو الإنتاج.
تكلفة الطاقة هي المشكلة الأساسية التي تواجه الاقتصاد.
نص التصريح:
قال السيسي إن مصر تحتاج إلى نحو 20 مليار دولار سنويًا لتوفير المنتجات البترولية.
التحقق:
تمثل تكلفة استيراد وتوفير الطاقة عبئًا ماليًا على الاقتصاد المصري، خصوصًا في ظل التقلبات الحادة في أسعار النفط عالميًا. غير أن التركيز المتكرر على هذا البند وحده في تفسير الضغوط على الموازنة العامة يبدو تبسيطًا مخلًا بالصورة الكاملة؛ إذ تكشف البيانات المالية أن هناك بنودًا أخرى في الموازنة تستنزف موارد أكبر وتمارس ضغطًا أشد على المالية العامة. ومن ثم، فإن اختزال أزمة الموازنة في تكلفة الطاقة وحدها يتجاهل جوانب هيكلية أعمق في بنية الإنفاق العام تستدعي قدرًا أكبر من النقد والمراجعة.
ففي السنوات الأخيرة أصبحت مدفوعات الفوائد وأقساط الديون من أكبر بنود الإنفاق الحكومي، إذ تستحوذ على نسبة كبيرة من الموازنة العامة مقارنة ببنود إنفاق أخرى. ويعكس ذلك حجم الالتزامات المالية المرتبطة بالدين العام وتأثيرها المباشر على الوضع المالي للدولة.
الدليل:
تشير تقارير اقتصادية صادرة عن مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد الدولي، إلى أن خدمة الديون تمثل أحد أكبر أعباء الإنفاق في الموازنة المصرية خلال السنوات الأخيرة.
https://www.focus-economics.com/country-indicator/egypt/external-debt/
التقييم:
مضلل جزئيًا
تكلفة الطاقة تمثل تحديًا اقتصاديًا مهمًا، لكنها ليست العامل الأكبر ضغطًا على الموازنة العامة، حيث تشكل خدمة الديون بندًا أكبر في الإنفاق الحكومي.
تجاهل دور المشروعات الضخمة في الأزمة
لم يتطرق الخطاب إلى تأثير المشروعات القومية الكبرى على الوضع الاقتصادي.
السياق:
لم يتضمن الحديث إشارة إلى عدد من المشروعات الكبرى التي نفذتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، مثل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب التوسع في إنشاء شبكات الطرق والمدن الجديدة.
التحقق:
تتطلب هذه المشروعات استثمارات مالية كبيرة ضمن استراتيجية تنموية تعتمد بدرجة ملحوظة على الإنفاق الحكومي في البنية التحتية والتوسع العمراني. ويرى بعض الخبراء الاقتصاديين أن هذا النموذج اعتمد بشكل واسع على تمويل حكومي مباشر أو غير مباشر خلال السنوات الماضية.
وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير اقتصادية إلى دعوات لتوسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد. فقد دعا صندوق النقد الدولي إلى تقليص الدور المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي، وزيادة مساحة مشاركة القطاع الخاص، باعتبار ذلك أحد العوامل التي يمكن أن تدعم النمو الاقتصادي وتحسن كفاءة الاستثمار.
الدليل:
أفادت تقارير لوكالة رويترز بأن صندوق النقد الدولي يرى أن زيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري تتطلب تقليص هيمنة الدولة على بعض الأنشطة الاقتصادية.
https://www.reuters.com/ar/business/4AVOAXDHJFI3FDGSV7GX7W3FZM-2025-07-16/
تقييم الأداء الاقتصادي منذ تولي عبد الفتاح السيسي الحكم
شهد الاقتصاد المصري انحدارًا ملحوظًا منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة عام 2014، حيث تزامن ذلك مع تنفيذ ما سُمّي ببرنامج إصلاح اقتصادي وإجراءات مالية ونقدية واسعة. ورغم تقديم هذه السياسات رسميًا باعتبارها خطوات لتحسين الأداء الاقتصادي، فإن نتائجها على أرض الواقع انعكست سلبًا على عدد من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، وأثارت تساؤلات متزايدة حول جدوى هذه السياسات وأثرها الحقيقي على الاستقرار الاقتصادي ومستويات المعيشة.
أبرز المؤشرات
الدين الخارجي
ارتفع الدين الخارجي لمصر بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير. فبعد أن بلغ نحو 46 مليار دولار عام 2013، تجاوز 168 مليار دولار بحلول عام 2023، وفق بيانات وتقارير اقتصادية دولية
التضخم
شهدت معدلات التضخم في مصر ارتفاعات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد قرارات تحرير سعر الصرف وارتفاع أسعار السلع والطاقة، وهو ما انعكس على مستويات الأسعار وتكلفة المعيشة
قيمة العملة
تراجعت قيمة الجنيه المصري عدة مرات منذ عام 2016، عقب قرارات تعويم العملة التي اتخذها البنك المركزي المصري، ما أدى إلى انخفاض قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية.
التحقق:
تشير تقارير اقتصادية إلى أن الاقتصاد المصري واجه ضغوطًا مالية متزايدة خلال السنوات الأخيرة، من بينها ارتفاع مستويات الدين واحتياجات التمويل. كما أشارت تقارير نقلتها وكالة رويترز إلى أن صندوق النقد الدولي يرى أن التقدم في تقليص دور الدولة في الاقتصاد وبرنامج بيع الأصول المملوكة للدولة جاء أبطأ من المتوقع، مع استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع الدين العام.
الدليل:
أفادت تقارير لوكالة رويترز بأن صندوق النقد الدولي أشار في مراجعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر إلى أن التقدم في تقليص دور الدولة في الاقتصاد وبرنامج بيع الأصول المملوكة للدولة كان أبطأ من المتوقع، مع استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل.
https://www.reuters.com/ar/business/JRMDPNVI3RJDZIRQZ5MEJDLOBQ-2026-02-26/
الخلاصة
تشير مراجعة تصريحات السيسي إلى أن الخطاب ركّز بشكل أساسي على تأثير الأزمات العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة في تفسير الأزمة الاقتصادية في مصر.
لكن البيانات الاقتصادية تظهر أن التحديات الاقتصادية الحالية ترتبط أيضًا بعوامل داخلية مثل ارتفاع الديون، وطبيعة الإنفاق الحكومي، وضعف نمو القطاع الخاص.
وبالتالي فإن تفسير الأزمة الاقتصادية من خلال العوامل الخارجية فقط لا يعكس الصورة الكاملة للوضع الاقتصادي في مصر.