في مستوى غير مسبوق من الانتهاكات وواقعة صادمة تعكس تصاعداً خطيراً في استهداف ذوي المعتقلين، تحولت زيارة زوجة المعتقل عبد الله عباس إلى سجن وادي النطرون إلى فخ انتهى باحتجازها وإخفائها قسرياً، في خطوة اعتبرتها منظمات حقوقية “انتهاكاً فريداً من نوعه” يمس حرمة الزيارات ويضرب أبسط الضمانات القانونية عرض الحائط.
وبدأت القصة حين توجهت الزوجة في زيارة اعتيادية لزوجها، لكنها لم تعد إلى منزلها، ولم تصل إلى زوجها داخل السجن، قبل أن تتكشف معلومات لاحقاً عن احتجازها داخل أحد مقرات الأمن الوطني بمحافظة المنوفية دون سند قانوني أو اتهام معلن.
أول ردود الفعل جاءت من مواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كتبت روميساء فتحي تعليقاً غاضباً: “ده إيه ده بجد؟ مش كفاية اعتقال زوجها والمشقة النفسية والجسدية في الزيارة، لا كمان هنخطفها؟ ما إحنا شوية بلطجية… الظلم ظلمات يوم القيامة”. هذا التعليق لخص شعوراً عاماً بأن ما حدث تجاوز كل الخطوط الحمراء، وأن استهداف النساء داخل محيط السجون يمثل انحداراً غير مسبوق في التعامل الأمني.
وعبر هاشتاج #جحيم_السجون نشرت مؤسسة جِوار – Jewar من جهتها، بياناً شديد اللهجة وصفت فيه ما جرى بأنه “أبشع صور البلطجة الأمنية”، مؤكدة أن الزوجة اختُطفت أثناء الزيارة ثم أُخفيت قسرياً قبل أن يتبين احتجازها داخل مقرات أمن الدولة بالمنوفية. وأوضحت المؤسسة أن الحادثة فجّرت حالة من الغليان داخل سجن وادي النطرون، حيث انتفض المعتقلون وبدأوا في الطرق العنيف على الأبواب الحديدية احتجاجاً على “المساس الفج بحرمات النساء”، معتبرين أن استهداف زوجة معتقل جاء بهدف كسر إرادة الرجال عبر التنكيل بنسائهم.
وحذرت “جوار” من التمادي في هذه السياسة، مؤكدة أن “العدالة سيف لا يصدأ، وكل مسئول عن هذه الانتهاكات سيقف أمام المحاسبة مهما طال الزمن”.
ووثق "مركز الشهاب لحقوق الإنسان" الواقعة أيضاً، مؤكداً أن الزوجة اختفت لساعات طويلة قبل أن تتأكد المعلومات باحتجازها داخل مقر للأمن الوطني. واعتبر المركز أن ما حدث يمثل “احتجازاً تعسفياً يمس سلامة ذوي المعتقلين”، خاصة أن الزيارة الرسمية يفترض أن تكون محمية قانونياً.
وأشار إلى أن التطورات انعكست سريعاً داخل السجن، حيث عبّر المعتقلون عن غضبهم واحتجاجهم من داخل الزنازين، واعتبروا ما جرى “انتهاكاً لحرمة الزيارات واستهدافاً للأسر”.
وطالب المركز بالكشف الفوري عن مكان احتجاز السيدة وتمكينها من التواصل مع أسرتها ومحاميها، مؤكداً أن استمرار احتجازها يثير مخاوف جدية بشأن سلامتها.
ووصف حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats ما حدث بأنه “أحدث أساليب الخسة… الزيارة فخ لاختطاف زوجات المعتقلين”. وأشار إلى أن سجن وادي النطرون شهد حالة من التوتر والغليان عقب انتشار الخبر، حيث دخل المعتقلون في احتجاجات داخل الزنازين عبر الطرق على الأبواب الحديدية، تنديداً بما وصفوه بـ“المساس بحرمة النساء”. هذا التوصيف يعكس إدراكاً واسعاً بأن استهداف النساء داخل محيط السجون يمثل تجاوزاً غير مسبوق حتى بمعايير الانتهاكات المعتادة.
وأكدت "مؤسسة جوار" في بيان آخر أن ما حدث هو “تصفية حسابات عبر النساء”، مشيرة إلى أن الزوجة لم ترتكب أي مخالفة، وأن احتجازها جاء فقط لأنها زوجة معتقل سياسي. وأوضحت المؤسسة أن المعتقلين داخل السجن اعتبروا ما جرى “ابتزازاً عائلياً” يهدف إلى الضغط على المعتقلين أنفسهم، وهو ما دفعهم إلى الاحتجاج داخل الزنازين في مشهد نادر يعكس حجم الغضب.
الناشطة Ma Ri Yaa ماريا كتبت على فيسبوك تعليقاً لاقى انتشاراً واسعاً: “زيارة عادية… انتهت باختفاء كامل! اللي بدأ كخطوة بسيطة للاطمئنان على زوجها انتهى بواقعة صادمة فجرت الأوضاع بالكامل. لما الأمان نفسه يتحول لمخاطرة… كل حاجة بتتغير”.
هذه الحادثة لم تُقرأ باعتبارها واقعة فردية، بل كجزء من نمط متصاعد من الانتهاكات بحق عائلات المعتقلين، يمتد من التضييق على الزيارات إلى احتجاز الأقارب وتهديدهم. مركز الشهاب أكد أن ما حدث “نمط مقلق متكرر”، بينما اعتبرته جهات حقوقية أخرى “جرس إنذار جديد” حول طبيعة العلاقة بين السلطة الأمنية والمجتمع، ومدى احترام الحقوق الأساسية ليس للمعتقلين وحدهم بل لأسرهم أيضاً.
وتأتي هذه الواقعة في سياق أوسع يشهد توسعاً كبيراً في البنية العقابية داخل مصر، حيث تم بناء أكثر من 35 سجناً جديداً منذ عام 2011، بينها مجمعات ضخمة مثل مجمع وادي النطرون. كما توجد مئات أماكن الاحتجاز داخل أقسام الشرطة، ما يجعل الرقابة على هذه المنشآت أكثر صعوبة، ويزيد من احتمالات وقوع انتهاكات بحق المحتجزين وذويهم.
في ضوء هذه التطورات، تتصاعد المطالب الحقوقية بضرورة وقف استهداف النساء، واحترام حرمة الزيارات، وضمان عدم استخدام ذوي المعتقلين كوسيلة ضغط أو ابتزاز. كما تطالب المنظمات بالكشف الفوري عن مصير الزوجة المحتجزة، وتمكينها من حقوقها القانونية، وفتح تحقيق مستقل في الواقعة، باعتبارها تمثل خرقاً واضحاً للحق في الأمان الشخصي وعدم التعرض للاحتجاز التعسفي.
تظل هذه الحادثة مثالاً صارخاً على هشاشة الضمانات القانونية داخل منظومة الاحتجاز، وعلى خطورة توظيف السلطة الأمنية لذوي المعتقلين كأداة للضغط. وهي تذكير بأن حماية الحقوق لا تتعلق بالمعتقلين وحدهم، بل بكل من يقترب من أبواب السجون، حتى لو كان مجرد زائر يحمل طعاماً أو دواءً أو رسالة حب لزوج غائب خلف القضبان.