ضغوط اقتصادية ونفسية… هل يصبح الانتحار الحل الوحيد للهروب من كوارث الحكومة ؟

- ‎فيتقارير

 

في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والنفسية انتشر الانتحار بشكل غير مسبوق في زمن الانقلاب، ويرتبط الانتحار بعوامل اقتصادية واجتماعية أهمها الفقر وعدم القدرة على حصول المواطن على حقوقه، إلى جانب أسباب نفسية وعاطفية مثل الاكتئاب والصدمات النفسية وتعاطي المخدرات، والضغوط الدراسية.

هذا الفعل يأتي من تراكم ضغوط نفسية واضطرابات قد تضعف قدرة الإنسان على التفكير بشكل صحيح، فتغير رؤيته للحياة حتى لا يرى إلا طريقًا واحدًا يظن أنه المخرج للراحة والهروب تاركًا الألم والحسرة في قلوب المحيطين به، ومخلفا صدمة مجتمعية للجميع.

في هذا السياق جاء مشهد ماهر ذلك الرجل المسن الذى شنق نفسه على أسوار مستشفى بإحدى قرى محافظة دمياط، بعد أن فشل فى الحصول على معاش وعلاج إذ كان يعاني من عجز في قدمه وضعف في البصر مما أقعده عن العمل كسائق، وما كاد المجتمع ينسى هذه الواقعة حتى تكرر نفس المشهد المأساوي مرة أخرى في منطقة المظلات بالقاهرة، حيث انتحر شاب على أحد الكباري، قبلها بأيام كانت واقعة سيدة غيط العنب التي قررت الانتحار هي وأبناؤها الستة بعد أن ضاقت بهم سبل العيش، هذه الوقائع جعلت الجميع يتساءل عن سر زيادة حالات الانتحار بهذا الشكل في زمن الانقلاب؟

 

استغاثة صامتة

 

حول هذه الظاهرة قال الدكتور شريف الراعي رئيس قسم الإرشاد النفسي بقطاع المدن الجامعية جامعة عين شمس: إن "الأفكار الانتحارية ليست «وصمة عار» كما يعتقد البعض، بل تمثل في حقيقتها صرخة استغاثة صامتة من عقل لم يعد قادرًا على تحمّل الألم النفسي المتراكم ".

وأكد الراعي في تصريحات صحفية أن الأشخاص الذين تراودهم هذه الأفكار لا يكون هدفهم الحقيقي هو «الموت» بحد ذاته، وإنما البحث عن نهاية للوجع الداخلي والأزمات التي أصبحت تفوق قدرتهم على الاحتمال، مشيرًا إلى أن خلف كل فكرة لإنهاء الحياة حكاية ألام صامتة تحتاج لمن يسمعها ويفهمها قبل أن يحكم عليها.

وأضاف : الوصول إلى هذه المرحلة النفسية المعقدة لا يرتبط بالاكتئاب فقط، رغم كونه أحد أبرز العوامل، بل يتداخل مع شبكة واسعة من الأسباب النفسية والاجتماعية والبيولوجية، من بينها اضطرابات نفسية مثل اضطراب الشخصية الحدية أو الاضطراب ثنائي القطب أو الفصام، فضلًا عن التعرض لصدمات حياتية قاسية، كفقدان شخص عزيز بشكل مفاجئ، أو المرور بأزمات مالية حادة، أو التعرض لانتهاكات جسدية أو نفسية، إلى جانب المعاناة من أمراض عضوية مزمنة تؤثر على جودة الحياة، وكذلك الشعور بالعزلة وغياب الدعم الاجتماعي.

 

غرفة تحترق

 

وأشار الراعي إلى أن الرغبة في إنهاء الحياة تُفسَّر في علم النفس بمفهوم «انسداد الأفق»، حيث يفقد الشخص في تلك اللحظة القدرة على رؤية أي بدائل أو حلول ممكنة، ويشعر وكأنه محاصر داخل دائرة مغلقة من الألم، موضحًا أن الغالبية العظمى ممن تراودهم هذه الأفكار يعيشون صراعًا داخليًا مؤلمًا بين جزء يريد الهروب من المعاناة، وجزء آخر لا يزال متمسكًا بالحياة، لكنه يحتاج فقط لمن يمد له يد العون ويخفف عنه وطأة هذا الحمل الثقيل .

وأوضح أن الذي يلجأ إلى الانتحار يشبه شخصًا عالقًا داخل غرفة تحترق، حيث لا يكون القفز من النافذة حبًا في السقوط، بل محاولة يائسة للهروب من النيران التي تلتهمه، وهو ما يعكس حجم الألم الذي قد يدفع البعض لاتخاذ قرارات مأساوية في لحظات ضعف شديدة.

 

ليست قدرًا محتومًا

 

وشدد الراعي على أن التعامل مع هذه الحالات لا يقتصر على أسلوب واحد، بل يعتمد على مبدأ التكامل بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي، موضحًا أن الأدوية تلعب دورًا مهمًا في إعادة التوازن للكيمياء الحيوية في المخ، خاصة في حالات الاكتئاب الحاد، مما يساعد الشخص على استعادة قدرته على التفكير والتفاعل، بينما تسهم الجلسات النفسية، مثل العلاج المعرفي السلوكي، في تعديل أنماط التفكير السلبية، وتعليم مهارات التعامل مع الضغوط والأزمات بشكل أكثر صحة.

وأكد أن طلب المساعدة النفسية لا يُعد ضعفًا كما يعتقد البعض، بل هو خطوة شجاعة نحو التعافي، موضحا أن الأفكار الانتحارية ليست قدرًا محتومًا، بل عرض لحالة يمكن علاجها والتغلب عليها إذا توفرت الرعاية والدعم المناسبان.

 

رؤية متوازنة

 

وأكد الدكتور أحمد متولي سعد، الأستاذ بكلية التربية جامعة الأزهر، أن التعامل مع هذه الظاهرة لم يعد كافيًا فيه الوعظ المجرد، بل يتطلب رؤية متوازنة تجمع بين الفهم النفسي العميق والتأصيل الديني الرشيد، رؤية تنصف الإنسان وتفتح له أبواب الأمل بدلًا من أن تغلقها.

وشدد سعد في تصريحات صحفية على أن الأزمات النفسية لا تواجه باللوم أو الإدانة، بل تحتاج إلى دعم روحي وإنساني متكامل، يعزز الأمل ويشجع على طلب المساعدة، مطالبًا بضرورة تكامل الخطاب الديني مع العلاج النفسي، بما يُسهم في إعادة التوازن للإنسان ومساعدته على التعافي.

وقال: إن "ما يمر به الإنسان من مشاعر يأس أو فقدان للأمل لا يمكن اختزاله في كونه ضعفًا، بل قد يُفهم في إطار أوسع بوصفه نوعًا من الابتلاء، لافتًا إلى أن التصور الإسلامي ينظر إلى الأزمات النفسية، بما فيها الحزن الشديد، باعتبارها جزءًا من طبيعة الحياة، يقول تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…".

وأضاف سعد أن المنهج الإسلامي في التعامل مع هذه المشاعر يقوم على التوازن بين الإيمان والعمل؛ فالإيمان يعزز حسن الظن بالله، بينما يفرض العمل الأخذ بالأسباب، ومن بينها اللجوء إلى المختصين في الصحة النفسية .