من “عملة قوية” إلى “فكة” مختفية .. معركة إغراق “الجنيه المصرى ” تُعمّق الانهيار الاقتصادي بقيادة السيسى ؟

- ‎فيتقارير

لم تعد أزمة اختفاء الفئات النقدية الصغيرة، المعروفة في مصر بـ"الفكة"، مجرد مشكلة عابرة بين بائع ومشترٍ أو سائق وراكب، بل تحولت إلى دليل صارخ على الانهيار المتسارع في قيمة الجنيه المصري خلال سنوات حكم المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي، الذي شهدت البلاد في عهده تراجعًا غير مسبوق في القوة الشرائية للعملة.

 

فعلى مدار السنوات التي أعقبت الانقلاب، انحدر الجنيه من مستويات أقل من 7 جنيهات مقابل الدولار إلى ما يقارب 54 جنيهًا، في واحدة من أعنف موجات تآكل العملة في تاريخ مصر الحديث، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية، حيث لم تعد الفئات الصغيرة ذات أي قيمة تُذكر، بل إن الجنيه نفسه بات أقرب إلى "فكة" في التعاملات اليومية.

 

أزمة يومية تكشف حجم التدهور

 

يروي سائقون وعاملون في النقل الجماعي كيف تحولت "الفكة" إلى مصدر خلافات يومية بين المواطنين، مع صعوبة توفير باقي الأجرة، خاصة في ظل تسعير الخدمات بأرقام غير متناسبة مع الفئات النقدية المتاحة، ولم تعد المشكلة مقتصرة على وسائل النقل، بل امتدت إلى المتاجر والأسواق، حيث أصبح التعامل بالفئات الصغيرة شبه مستحيل.

 

ومع ارتفاع أسعار الخدمات والسلع إلى مستويات قياسية، لم يعد الخلاف على "الباقي" مجرد تفصيلة، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لانهيار قيمة العملة وتآكل دخول المواطنين.

 

أرقام ضخمة.. وأزمة هيكلية

 

ورغم إعلان الحكومة ضخ نحو 18 مليار جنيه سنويًا من العملات الصغيرة، فإن الأزمة مستمرة، ما يكشف أن المشكلة ليست في نقص المعروض النقدي، بل في انهيار قيمته، فبحسب بيانات البنك المركزي، تجاوزت السيولة المحلية 14.29 تريليون جنيه، منها نحو 1.49 تريليون جنيه نقد متداول خارج البنوك، ومع ذلك تختفي "الفكة" من الأسواق.

 

هذا التناقض يعكس خللًا هيكليًا عميقًا، حيث تتكدس الأموال في البنوك بينما تفقد قيمتها الحقيقية في الشارع، نتيجة التضخم الجامح والسياسات النقدية التي أدت إلى تآكل أكثر من 90% من القوة الشرائية للجنيه منذ تعويم 2016.

 

من "عملة قوية" إلى مجرد "فكة"

 

التحولات التي يشهدها الجنيه اليوم تعيد إلى الأذهان الفارق التاريخي الكبير، حيث كان الجنيه المصري في فترات سابقة يتمتع بقيمة مرتفعة، بل كان يوازي في أوقات ما قيمة ذهبية معتبرة، قبل أن تتدهور العملة تدريجيًا مع سيطرة الحكم العسكري على مفاصل الاقتصاد منذ خمسينيات القرن الماضي.

 

أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة بالكامل؛ فالفئات التي كانت تُستخدم يوميًا مثل ربع الجنيه ونصفه اختفت عمليًا من التداول، بينما تراجع دور الجنيه نفسه ليصبح غير كافٍ لإتمام أبسط المعاملات، في مؤشر واضح على عمق الأزمة.

 

"الفكة" عرض لأزمة أكبر

 

يرى اقتصاديون أن اختفاء "الفكة" ليس سوى عرض لأزمة أعمق، تتمثل في انهيار قيمة العملة وارتفاع الأسعار بشكل متسارع، ما يدفع السوق إلى التعامل بفئات أكبر، ويخلق فجوة بين هيكل النقود واحتياجات المواطنين.

 

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، تتجه الحكومة لطرح فئات معدنية أكبر مثل 2 جنيه، مع تقليل الاعتماد على الفئات الصغيرة، وهو ما يعكس اعترافًا ضمنيًا بانتهاء صلاحية هذه الفئات في ظل الواقع الاقتصادي الحالي.

 

مفارقة لافتة في سوق العملات

 

في المقابل، تكشف أسواق العملات القديمة عن مفارقة حادة، إذ تُباع بعض العملات التاريخية بعشرات الآلاف من الجنيهات، في وقت تفقد فيه العملات الحالية قيمتها بسرعة، وهو ما يعكس فقدان الثقة في العملة المتداولة، مقابل ارتفاع قيمة الأصول النادرة والتاريخية.

 

وبينما تحاول الحكومة معالجة الأزمة عبر حلول فنية مثل زيادة سك العملات، تبقى الحقيقة الأبرز أن "الفكة" لم تختفِ من تلقاء نفسها، بل اختفت لأن الجنيه ذاته فقد قيمته، وأصبح هو الآخر "فكة" في اقتصاد يئن تحت وطأة التضخم وسوء الإدارة.