مع ارتفاع الأسعار وعجز الأسر عن الحصول على احتياجاتها…الحكومة تفشل في مواجهة عمالة الأطفال

- ‎فيتقارير

 

مع الارتفاع الجنوني في الأسعار وعجز الأسر عن الحصول على الاحتياجات الأساسية اليومية اضطر كثير من المصريين إلى دفع أطفالهم إلى سوق العمل من أجل الحصول على لقمة العيش .

هذا الواقع المرير أدى إلى تسرب ملايين الأطفال من المدارس لمساعدة أسرهم حتى تتمكن من الاستمرار على قيد الحياة في وقت تزعم فيه حكومة الانقلاب أنها تحقق انجازات وأن المصريين يجنون ثمار ما تسميه برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذ من خلاله إملاءات صندوق النقد والبنك الدولي والذي ضاعف من أعداد الذين يعيشون تحت خط الفقر .

وفي الوقت الذي تصدر فيه حكومة الانقلاب قوانين لمنع عمالة الأطفال، بل وتوقيع عقوبات على الأسر التي تدفع أبنائها إلى سوق العمل لا تهتم بمساعدة هؤلاء لتجاوز حالة الفقر التي يعيشون فيها  .  

 

ورشة حدادة

 

حول عمالة الأطفال يقول أحمد، ابن الثانية عشرة: إنه "لم يكن أمامه سوى النزول إلى العمل بعد وفاة والده، ليتحمل مسئولية والدته وشقيقاته ".

وأشار إلى أنه يعمل فى إحدى ورش الحدادة، حيث يمضى ساعات طويلة بين الحديد والشرر، مؤكدا أنه يحلم بأن يكمل تعليمه، لكن الواقع يفرض عليه أن يكون معيلًا لأسرته.

ويحمل على، الذى يبلغ من العمر 13 عامًا، صندوق مسح الأحذية ويجوب الشوارع.

يقول بصوت منخفض: "أرى زملائي يذهبون إلى المدرسة وأنا أركض بين السيارات، أحلم أن أتعلم لكن يجب أن أكسب المال لأساعد إخوتي الصغار" .

 

مخلفات القمامة

 

وفي سوق شعبي تقف سارة، ذات الأعوام العشرة، تبيع الخضروات بجوار والدتها، رغم براءتها، تبدو عيناها مرهقتين من طول الوقوف ومساومة الزبائن.

تقول: "أتمنى أن أذهب للمدرسة كل يوم، لكني أساعد أمي هنا، فوالدي مريض ولا يستطيع العمل ".

ويكشف كريم، 12 سنة عن، حكايته مع صديقه على، حيث يجوبان الشوارع يجمعان مخلفات القمامة من زجاجات بلاستيكية وكرتون.

 يقول كريم: "أحيانًا نتعرض لجروح من الزجاج المكسور، ونمرض من الروائح، لكن يجب أن نجمع ما نستطيع بيعه".

 

 

قانون الطفل

 

وقال خبير تشريعات الطفل محمود البدوي، المحامي بالنقض: إن "قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته بالقانون رقم 126 لسنة 2008، وُضع ضوابط صارمة تهدف لحماية الأطفال من الاستغلال في سوق العمل، مؤكدا أنه رغم وجود هذا الإطار القانوني، إلا أن التطبيق الإيجابي له لا يزال محدودًا".

وأكد «البدوي» في تصريحات صحفية أن المسئولية لا تقع فقط على عاتق أصحاب العمل، بل تمتد أيضًا لأولياء الأمور، لأن تشغيل الطفل يتم غالبًا باتفاق ضمني بين الطرفين بعيدًا عن رقابة القانون.

وأضاف: أنا لا أؤمن بفعالية القوانين وحدها في حماية الأطفال من سوق العمل، ما لم يكن هناك مسار توعوي متكامل يستهدف الأسر والمجتمع، لتعريفهم بمخاطر عمالة الأطفال على حقهم في التعليم والنمو السليم .

ولفت «البدوي»  إلى أنه رغم إطلاق حكومة الانقلاب خطط واستراتيجيات لمكافحة عمالة الأطفال، إلا أن هناك تحديات حقيقية تعيق تنفيذ هذه السياسات، منها وجود ثغرات قانونية يتم استغلالها لتشغيل الأطفال، بالإضافة إلى ضعف أداء بعض المؤسسات المعنية، مثل المجلس القومي للطفولة والأمومة".

 

وعي مجتمعي

 

وفيما يتعلق بالضوابط القانونية، أوضح أن قانون العمل في مواده من (57 إلى 61) شدد على حظر تشغيل الأطفال دون 15 عامًا، مع السماح بالتدريب بدءًا من سن 14 بشرط عدم تعارضه مع التعليم، كما حدد ساعات العمل للأطفال فوق 16 عامًا بـ 6 ساعات يوميًا، مع فترات راحة، ومنع العمل الليلى أو في العطلات الرسمية.

وشدد «البدوي» على أن الردع القانوني وحده لا يكفي في المواجهة ما لم يصاحبه وعي مجتمعي حقيقي بخطورة هذه الظاهرة على حاضر الأطفال ومستقبلهم .

 

معضلة نفسية

 

وأكدت خبيرة العلاقات الأسرية واستشاري الصحة النفسية الدكتورة منى حمدي، أن عمالة الأطفال ليست مجرد قضية اجتماعية أو قانونية، بل هي معضلة نفسية تطال بنية الطفل في أخطر مراحل تكوينه، محذرة من أن عمالة الأطفال تؤثر بشكل مباشر على نموهم النفسي والاجتماعي، حيث يضطر الطفل العامل لتحمل ضغوط تتجاوز عمره، ما يؤدي إلى اضطرابات خطيرة.

وقالت «منى حمدي» في تصريحات صحفية: إن "الطفولة تُعد مرحلة تأسيسية لتكوين الهوية النفسية والاجتماعية، وأي انحراف عن المسار الطبيعي للنمو في هذه المرحلة، كالتعرض المبكر لضغوط العمل، يهدد بتشويه هذه الهوية، مشيرة إلى أن الطفل العامل غالبًا ما يُحرم من التفاعل الآمن مع أقرانه، ومن الدعم العاطفي، مما يضعف مهاراته في التنظيم الانفعالي ويؤخر تكوين هويته الاجتماعية .

وحذرت من أن الأطفال العاملين قد يتعرضون لما يسمى «الإجهاد السام»، وهو توتر مستمر يغير بنية الدماغ ووظائفه، ما يؤدي إلى مشاكل في الذاكرة والانتباه واتخاذ القرار، فضلًا عن زيادة احتمالية الإصابة باضطرابات مثل القلق المزمن واضطراب ما بعد الصدمة.

 

تدخل مبكر

 

وأشارت «منى حمدي» إلى أن هناك عوامل نفسية واجتماعية تدفع بعض الأسر إلى تشغيل أطفالها، أبرزها ما يُعرف بـ "العجز المكتسب"، حيث تفقد الأسرة إيمانها بقدرتها على تحسين وضعها الاقتصادي دون إشراك الطفل في العمل، موضحة أن الفقر، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، وقلة الوعي التربوي، هي عوامل رئيسية تدفع الأسر للسماح لأطفالها بالعمل.

وأوضحت أنه في بعض الحالات، قد يعمل الطفل بدافع الاعتماد على الذات، خاصة في حال وفاة الأب أو غياب العائل، لكن هذا السلوك يعكس أحيانًا حالة من النضج الكاذب، حيث يظهر الطفل متحملًا للمسئولية، بينما يخفي داخله مشاعر مكبوتة من الألم والقلق .

وطالبت «منى حمدي» بتكثيف جهود التوعية المجتمعية بمخاطر عمالة الأطفال، من خلال برامج شاملة ومتعددة الأبعاد، تشمل التثقيف النفسي للأسر، وتعزيز مفاهيم الأمان والتنشئة السليمة، وبناء الثقة داخل المجتمع مشددة على ضرورة التدخل المبكر عبر المدارس والمراكز الصحية، لرصد الأطفال المعرضين للخطر وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم.

وقالت : "لا يمكن التصدي لظاهرة عمالة الأطفال عبر العقوبات فقط، بل يجب أن نركز على فهم العوامل النفسية والاجتماعية التي تدفع الأطفال للعمل، وتطوير منظومات دعم تمنحهم حقهم الطبيعي في عيش طفولتهم بعيدًا عن أعباء الكبار".