مقايضة المقاتلات العسكرية.. “ابن زايد” يفعّل امتيازات البحر الأحمر ويطلق مشروعات عقارية

- ‎فيتقارير

في مشهد تتداخل فيه السياسة بالأمن والاقتصاد، تكشف التطورات الأخيرة عن استراتيجية إماراتية تقوم على مقايضة الدعم العسكري المصري بامتيازات اقتصادية ضخمة. محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي ورئيس الدولة، يوظّف أدوات الاستثمار في الموانئ والعقارات كغطاء لتعزيز نفوذه الإقليمي، بينما القاهرة تجد نفسها أمام معادلة معقدة: الحصول على استثمارات مليارية مقابل التزامات عسكرية في ملفات حساسة مثل السودان وأمن الخليج.

 

موانئ البحر الأحمر: اتفاقية امتياز طويلة الأمد

في مارس 2024، وقّعت مجموعة موانئ أبوظبي اتفاقية امتياز لمدة 15 عاماً مع الهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر المصرية لإدارة وتطوير وتشغيل محطات السفن السياحية وخدمات العبّارات. هذه الاتفاقية منحت أبوظبي سيطرة مباشرة على ثلاثة موانئ رئيسية: شرم الشيخ، الغردقة، وسفاجا.

وفي مايو 2026، أعلنت المجموعة إطلاق خدمات السفن السياحية والعبّارات عبر هذه المحطات، بما في ذلك خط جديد يربط ميناء سفاجا بمدينة نيوم السعودية. هذا الخط يخدم حركة انتقال العاملين خلال موسم الحج، لكنه في الوقت نفسه يعزز ربط البحر الأحمر بشبكة أبوظبي العالمية في التجارة والخدمات اللوجستية.

وفي نوفمبر 2025، استحوذت المجموعة على حصة 19.3% من شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع باستثمار تجاوز 279 مليون دولار. كما تعمل على تطوير مشروع "كيزاد شرق بورسعيد" الصناعي واللوجستي قرب قناة السويس، إضافة إلى إنشاء محطة "نواتوم – سفاجا" متعددة الأغراض باستثمارات تصل إلى 200 مليون دولار. هذه الأرقام تكشف حجم النفوذ الاقتصادي الإماراتي المتنامي في الموانئ المصرية الحيوية.

 

تحالف عقاري بالمليارات

في مارس 2026، دخل تحالف إماراتي–مصري جديد سوق العقارات عبر شركة VIE Communities، معلناً عن مشروعات تتجاوز 150 مليار جنيه (نحو 3 مليارات دولار). المشروع الرئيسي "Vie Collective" يقام على مساحة 186 فداناً بالقاهرة الجديدة، باستثمارات تفوق 100 مليار جنيه، ويستهدف تحقيق مبيعات تتجاوز 200 مليار جنيه.

وأعلن في مايو 2026 عن المشروع الثاني "Vie Halo" الذي يضيف 50 مليار جنيه أخرى، ليصبح إجمالي استثمارات التحالف نحو 150 مليار جنيه، أي ما يعادل 3 مليارات دولار، في واحدة من أكبر الإطلاقات العقارية الجديدة خلال 2026. هذه الأرقام تعكس رهاناً إماراتياً على الطلب القوي في شرق القاهرة، خاصة مع انتقال السكان والشركات نحو العاصمة الإدارية والمناطق الجديدة.

ويضم التحالف شركاء إماراتيين مثل "داماس العقارية" إلى جانب شركاء مصريين، ويعكس استراتيجية أبوظبي لتوسيع نفوذها الاقتصادي في قطاعات تمس حياة ملايين المصريين.

فالاستثمارات الاقتصادية كغطاء، والدعم العسكري كأداة ضغط، مقايضة تمنح رئيس الإمارات نفوذاً واسعاً في البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه تتيح له فرض أجندته. وبالنسبة للسيسي، فالامتيازات الاقتصادية تمنحه متنفساً قصير الأجل، لكنها قد تضعه في موقع التبعية السياسية والعسكرية على المدى الطويل.

 

المقايضة العسكرية

في فبراير 2026، زار عبد الفتاح السيسي قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، حيث تنتشر مفرزة مقاتلات مصرية من نوع الرافال. هذه الزيارة جاءت بالتزامن مع تصاعد الحديث عن تحركات إماراتية لإعادة صياغة التوازنات في السودان عبر الضغط على الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للوصول إلى تسوية تخدم أجندة أبوظبي.

وتتمحور الاتهامات الموجهة لمحمد بن زايد حول استخدام ملف أمن الخليج والانتشار الجوي المصري كورقة ضغط على القاهرة، مقابل منحها امتيازات اقتصادية في الموانئ والعقارات. بمعنى آخر، الدعم العسكري المصري يُستثمر كأداة تفاوضية في ملفات إقليمية، بينما تُقدَّم الاستثمارات الإماراتية كتعويض أو مكافأة.

هذا في الوقت الذي يُمثل السودان ساحة مفتوحة لصراع النفوذ الإقليمي، فالإمارات تسعى إلى فرض ترتيبات سياسية جديدة تخدم مصالحها، مستخدمة أدواتها الاقتصادية والعسكرية معاً، ووجود القوات المصرية في الإمارات يعزز هذا المسار، إذ يمنح أبوظبي ورقة ضغط إضافية لإقناع القاهرة بالتماهي مع أجندتها في السودان.

هذا الربط بين الترتيبات الأمنية الخليجية والتحركات السياسية في السودان يكشف عن استراتيجية إماراتية أوسع: توظيف التحالفات العسكرية العربية كأدوات ابتزاز وضغط لإعادة تشكيل ملفات المنطقة وفق حساباتها الخاصة.

 

الاقتصاد كغطاء للسياسة

وفق مراقبين فإن الاستثمارات الإماراتية في الموانئ والعقارات ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل جزء من مقايضة أوسع. فهي تمنح القاهرة متنفساً مالياً في وقت تعاني فيه من أزمة عملة صعبة، لكنها في المقابل تربطها أكثر بمسار سياسي وعسكري يخدم أبوظبي.

هذا النمط يعكس تحولاً في أدوات النفوذ، فلم تعد الإمارات تكتفي بالاستثمارات الاقتصادية، بل باتت تستخدمها كغطاء لتوسيع نفوذها العسكري والسياسي. النتيجة هي تداخل غير مسبوق بين الاقتصاد والأمن والسياسة في العلاقة بين القاهرة وأبوظبي.

ويثير هذا المسار مخاوف عدة من أن تتحول الموانئ والمشروعات العقارية إلى أدوات نفوذ سياسي خارجي داخل مصر وأن يؤدي ربط الدعم العسكري بالامتيازات الاقتصادية إلى تقويض استقلالية القرار المصري.

كما حذّر محللون من أن يُستخدم الوجود العسكري المصري في الإمارات كأداة لإعادة تشكيل ملفات إقليمية مثل السودان وليبيا وغزة، بما يتجاوز مفهوم الأمن العربي المشترك.

وتدخل المنطقة مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تختلط التحالفات العسكرية بالمساومات الاقتصادية وصراعات النفوذ الإقليمي. وما يحدث اليوم لا يعكس فقط تعميق التعاون الأمني بين القاهرة وأبوظبي، بل يكشف أيضاً تصاعد استخدام الأدوات العسكرية والاقتصادية للضغط السياسي في ملفات حساسة بالمنطقة.