يواجه آلاف الصيادين في بحيرة ناصر، تهديدًا مباشرًا لمصدر رزقهم، بسبب اشتراط جهاز "مستقبل مصر" الحصول على 40% من إنتاجهم السمكي مقابل تجديد رخص الصيد، رغم أن الجهاز لا يتحمل أي تكلفة تشغيلية.
واعتبر مراقبون أن ما يحدث بأنه إتاوة مقنّعة وليست تطويرًا حقيقيًا، ويضعه ضمن نمط توسّع الجهاز العسكري في السيطرة على الموارد الطبيعية كما حدث سابقًا في بحيرة البردويل.
وسلّط تقرير لموقع زاوية ثالثة، الضوء على أزمة متصاعدة في بحيرة ناصر، بعد أن امتنعت الجهات المختصة عن تجديد نحو 2800 رخصة صيد يستفيد منها آلاف الصيادين وأسرهم. الامتناع لم يكن إجراءً إداريًا عابرًا، بل وسيلة ضغط لإجبار الصيادين على توقيع بروتوكول جديد يفرضه جهاز مستقبل مصر، يحصل بموجبه على 40% من قيمة الإنتاج السمكي، إضافة إلى نسب أخرى للمسوقين، وفق شهادات الصيادين.
وتحدث صيادون أن هذه النسبة تمثل عبئًا اقتصاديًا خانقًا يهدد مصدر رزقهم التاريخي، خاصة أن الجهاز لا يشارك في أي تكلفة تشغيلية: لا وقود، لا صيانة، لا شباك، ولا أجور عمالة. كل التكلفة تقع على الصياد، بينما يحصل الجهاز على نصيب الأسد من الإنتاج.
الصيد بالمساومات
وبدأت الأزمة فور انتهاء فترة حظر الصيد السنوية، حين فوجئ الصيادون بأن تجديد الرخص مشروط بتوقيع البروتوكول الجديد.
الصيادون اعتبروا هذا الشرط إتاوة مفروضة بالقوة، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الإنتاج السمكي خلال السنوات الأخيرة.
وذكروا أن مهنة الصيد في البحيرة متوارثة قانونيًا منذ عقود، وأن تراخيصهم تخضع لقوانين التعاونيات منذ الستينيات، ما يجعل فرض بروتوكول جديد من جهة غير معنية مباشرة بإدارة المهنة أمرًا غير مفهوم.
وعلى الرغم من وعود جهاز مستقبل مصر بـ"تطوير البحيرة"، إلا أن الصيادين يؤكدون أن لا مصانع أُنشئت، ولا مفرخات، ولا بنية تحتية، ولا أي أثر ملموس لهذا التطوير المزعوم.
ظروف قاسية
ويعمل الصيادون بظل غياب الكهرباء، ضعف الاتصالات، انعدام الإسعاف، مخاطر العقارب والتماسيح، وفترات عمل طويلة في المياه، ومع ذلك، لا يتجاوز متوسط دخل الصياد اليومي 200–250 جنيهًا، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات أسرهم.
ويضع الصيادون في بحيرة ناصر ضمن نمط أوسع من توسع جهاز مستقبل مصر — التابع للقوات المسلحة — في السيطرة على الموارد الطبيعية تحت شعار "التطوير" و"الأمن الغذائي"، لكنه توسع لا يصاحبه أي شفافية أو رقابة، ولا ينعكس على المجتمعات المحلية.
بحيرة البردويل
وأعلن قبل أشهر قليلة الصيادون في بحيرة البردويل إضرابًا عامًا بعد منعهم من الصيد وفرض شروط جديدة، وخرجت بيانات من جمعيات الصيادين تتهم الجهاز بـ“خنقهم اقتصاديًا”
وفي بحيرة البردويل، التي تُعد من أنقى البحيرات المصرية وأغناها بالأسماك، لم يلمس الصيادون أي تطوير حقيقي منذ انتقال إدارتها إلى جهاز مستقبل مصر، رغم الدعاية الرسمية الضخمة عن “التنمية” و“رفع الإنتاج”، ما حدث فعليًا هو أن الجهاز تحوّل إلى جهة جباية تفرض نسبًا ورسومًا وشروطًا تشغيلية على الصيادين، دون أن يقدّم لهم بنية تحتية أو خدمات أو معدات أو دعم فني.
ووصف الصيادون؛ الجهاز بأنه “مجرد عداد” يقف على بوابة البحيرة ليحصّل الأموال، أو “محطة كارتة” تُجبرهم على الدفع مقابل حقهم التاريخي في الصيد، بينما بقيت مشكلات البحيرة كما هي: تراجع المخزون السمكي، غياب الخدمات، وتهميش الجمعيات التعاونية.
ويتكرر هذا النموذج اليوم في بحيرة ناصر بصورة تكاد تكون مطابقة، حيث يفرض الجهاز نسبة 40% من الإنتاج دون أن يتحمل أي تكلفة تشغيلية، ما يجعل دوره أقرب إلى الجباية منه إلى التطوير، ويحوّل البحيرات من موارد عامة إلى بيزنس مغلق لا يستفيد منه أصحاب المهنة الحقيقيون.
في بحيرة البردويل، حين انتقلت إدارتها للجهاز، تم تهميش دور الصيادين التاريخي، وتحولت البحيرة إلى بيزنس ربحي، بينما بقيت حياة الصيادين على حالها أو أسوأ ونفس الشيء بالنسبة لبحيرة ناصر التي تبلغ مساحتها 5250كم مربعا، وما يحدث في ناصر هو نسخة طبق الأصل من تجربة البردويل.
الإعلام الموجه يضخم إنجازات الجهاز، بينما لا أحد يقيّم الأداء الفعلي، ولا توجد جهة رقابية مستقلة تراجع السياسات أو آثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
الهيئة العامة للاستعلامات تصف الجهاز بأنه "أحد أكبر الكيانات التنموية في العالم"، لكنه — كما يشير التقرير — يعمل خارج الرقابة المدنية، ويتوسع في السيطرة على سلاسل الإمداد الغذائي، ما يجعل أي خطأ في السياسات تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي المصري.