في خطوة مفاجأة.. لماذا أعلنت بي بي البريطانية عن بيع حصصها في مصر ؟

- ‎فيتقارير

 

في خطوة مفاجئة أعلنت شركة "بي بي" عملاق النفط العالمي عن بيع حصصها في مصر، مما اثار العديد من التساؤلات حول هذه الخطوة وتوقيتها في وقت تحقق الشركة فيه نتائج جيدة وتحظي بنسبة عالية من الامتيازات والحصول علي مناطق امتياز جديدة، فهل الادرة الحكومية الفاشلة وغياب الشفافية كانت السبب الذي دفع الشركة العريقة الي اتخاذ هذا القرار؟

وقالت وكالة "رويترز" إن "بي.بي" المدرجة في بورصة لندن، تدرس بيع بعض أصول الغاز الطبيعي التابعة لها في مصر، وذلك في إطار إعادة هيكلة المجموعة من قبل رئيسة مجلس إدارتها الجديدة ميج أونيل، التي تسلمت منصبها في أبريل الماضي، خلفًا لموراي أوشينكلوس، وتسعى لخفض الديون والتركيز على مشاريع أكثر ربحية.

وضاعفت الشركة البريطانية أرباحها لتتجاوز 3.2 مليار دولار بالربع الأول من 2026، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية بالخليج، وكانت قد قررت إعادة ترتيب أعمالها، لتبدأ من مصر رغم ما تقدمه القاهرة من حوافز للشركات الأجنبية العاملة بقطاع الطاقة بزيادة حصص المشاركة، ورفع أسعار توريد الإنتاج لها، والسماح لها بالتصدير للخارج، ودفع المديونيات المتأخرة.

ويشير تاريخ عمل "بي.بي" في مصر عن استثمارات بأكثر من 35 مليار دولار على مدى 60 عاما، ما جعلها على قمة قائمة إنتاج الشركات الأجنبية العاملة في مصر بنحو 60 بالمئة من إنتاج البلاد من الغاز الطبيعي في مشاريع مشتركة بشرق دلتا النيل، و5 حقول غاز تديرها "بي.بي" في غرب دلتا النيل بالبحر المتوسط.
 

وتمتلك الشركة محفظة أعمال في مصر تتضمن المشاركة في 14 منطقة امتياز بالبحر المتوسط، 12 منها في مرحلة التنمية والإنتاج، وموقعين تحت الاستكشاف؛ أنتجت" 518 مليون قدم مكعبة يوميا" من الغاز الطبيعي في مصر العام الماضي، بانخفاض بنحو 40 بالمئة عن 2024 وبنحو 60 بالمئة عن 2023، ما يشير لتراجع إنتاجها من الحقول المصرية بالعامين الأخيرين.

لكنه وفي بارقة أمل نحو تحسن إنتاجها، فمن المفترض أن تضيف الشركة نحو 140 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا على خطوط الإنتاج، بداية من يوليو المقبل، باستثمارات إجمالية تُقدّر بنحو 160 مليون دولار، من مشروعين رئيسيين في مناطق امتياز الشركة بالمياه العميقة في شرق وغرب دلتا النيل بالبحر المتوسط.

 

لغز التوقيت وابعاد القرار

وفي حين تؤكد التقارير أن خطوة "بي.بي"، في مصر بهدف تعزيز تدفقاتها النقدية عبر التخارج من بعض الأصول وإعادة توجيه الاستثمارات نحو المشاريع الأعلى ربحية، وفي ظل إعادة ترتيب أصولها عالميا، مع ضغوط ارتفاع الديون وتقلب أسعار الطاقة، إلا أن التوقيت يظل مفاجأة غير متوقعة خاصة وأن القرار جاء بعد زيارة لافتة من إحدى قيادات الشركة لمصر وسط تصريحات تؤكد ضخ استثمارات جديدة بالسوق المصرية.

ويصاحب توجه "بي.بي"، عدة مفارقات تزيد من غموض قرار الشركة، أولها: أن مصر دفعت بالفعل في العام الأخير الكثير من مستحقات شركات النفط والغاز الأجنبية وبينها لـ"بي.بي"، ووعدت  بإنهاء مديونية الشركاء الأجانب في قطاع البترول نهاية حزيران المقبل بعد أن انخفضت من 6.1 مليار دولار في حزيران 2024 إلى 714 مليون دولار فقط بنهاية نيسان/أبريل 2026.

وتتمثل المفارقة الثانية في أن إعلان "رويترز"، الذي نقلته عن 4 مصادر، يأتي بعد 9 أيام من زيارة رئيسة الشركة الجديدة لمصر، واجتماعها بوزير البترول المصري وسط حديث عن استثمارات جديدة وتعاون أكبر وتوسعة أعمال، ما يزيد من  الغموض حول تغير توجهات الشركة البريطانية في مصر خلال وقت قصير.

وفي 6 مايو الحالي، اجتمع وزير البترول كريم بدوي، ونائب رئيس الشركة آن ديفيز، لبحث حفر آبار غاز جديدة والتقدم بالاتفاقيات الجديدة، وتعجيل تنمية الحقول المكتشفة، وتسريع الإنتاج، وتوفير الإمدادات للسوق المحلي، وسط تأكيد التزام الشركة بمواصلة ضخ الاستثمارات، مع الإشارة إلى بدء الحفار "فالاريس" ("DS-12") بحفر آبار جديدة الشهر الماضي

المفارقة الثالثة، تتضح بإعلان الشركة في أبريل الماضي، عن اكتشاف غاز ومكثفات قبالة سواحل مصر، مع تزايد حصتها من طروحات مصر لمناطق امتياز جديد بقطاع الطاقة للبحث والاستكشاف؛ حيث حصلت في وقت سابق من العام على امتيازين للتنقيب البحري في شمال شرق العلمين، وغرب الحماد بدلتا النيل قبالة ساحل المتوسط.

رابع المفارقات، كانت تصريحات نائب الرئيس التنفيذي بالشركة، ويليام لين، في مارس الماضي، إثر لقائه رئيس الوزراء مدبولي، بمعرض مصر الدولي للطاقة "إيجيبس 2026"، وتعهده بضخ استثمارات جديدة تُقدر بنحو 1.5 مليار دولار بالعام المالي (2026/2027)، لتمويل مشروعات تنمية الغاز وأعمال الاستكشاف وحفر آبار جديدة، مع فتح الباب لضخ تدفقات رأسمالية إضافية.

وكان رئيس الوزراء ، مدبولي، قد أعلن في 6 مايو الماضي، أن شركات نفط أجنبية تعهدت لحكومته بضخ 19 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، تتوزع بواقع 8 مليارات دولار لـ"إيني" الإيطالية، و5 مليارات لـ"بي بي" البريطانية، و4 مليارات لـ"أباتشي" الأمريكية، و2 مليار لـ"أركيوس" الإماراتية، ما يشير إلى تغير مفاجئ في سياسات الشركة البريطانية بحق مصر.

ويثير قرار "بي.بي"، بيع بعض أصولها في قطاع الغاز المصري، مخاوف من مفاقمة أزمة مصر في ملف الطاقة، أو يؤدي إلى تراجع ثقة كبرى الشركات العالمية في الاقتصاد المصري وملف الطاقة، خاصة وأن الشركة البريطانية العملاقة والمنتشرة في ربوع العالم لم تتخذ هذا القرار إلا بحق مصر، وبحق عملياتها في بحر الشمال البريطاني، في قرار أعلنت عنه مطلع الشهر الجاري.

وكان قد سبق ذلك التوجه من "بي.بي"، حضور سفينة الحفر العملاقة "فالاريس" (DS-12) للمياه المصرية، لحفر 100 بئر استكشافية، وبدء حفر 4 آبار لصالح "بي.بي"، ولشركة "أركيوسإنرجي"، الكيان المشترك بين "بي.بي" و"أدنوك" الإماراتية."

 

إنجازات مهمة واتفاقيات جديدة

وتشير أنباء إنجازات الشركة في مصر إلى تسارع في الأعمال وتحقيق نتائج جيدة وعقد اتفاقيات جديدة، ما يجعل القرار الذي أعلنت عنه "رويترز"، مستغربا.

وعقب اتفاق "الهيئة المصرية العامة للبترول" والشركة "المصرية القابضة للغازات الطبيعية" (إيجاس)، و"بي.بي"، في يوليو 2025، لتجديد امتياز التمساح لمدة 20 عاما، أعلنت "بي.بي" في 8 أبريل الماضي، اكتشاف حقل الغاز الجديد "دنيس غرب 1" بمنطقة امتياز التمساح شرق البحر المتوسط، وبجودة عالية.

وأسفرت أعمال "بي.بي" في النصف الأول من 2025، عن اكتشافين جديدين في مصر، نتيجة حفر بئري "فيوم-5"، و"الكينج-2"، غرب دلتا النيل.

وشهد معرض (إيجبس 2026)، توقيع شركة "جنوب الوادي المصرية" القابضة للبترول و"بي.بي"، اتفاقا للبحث والاستكشاف في القطاع (6) بالبحر الأحمر، ما يشير لتوسع أعمال الشركة وزيادة حصصها في الاستكشاف والتنقيب قبل خبر رويترز بنحو شهرين فقط، ما يشير إلى تحولات كبيرة محتملة من الشركة في السوق المصري.

وحصلت "بي.بي"، العام الحالي على امتيازين جديدين للاستكشاف البحري في شمال شرق العلمين البحرية (بنسبة 100 بالمئة لها"، وبمنطقة غرب الحماد البحرية (بنسبة 25 بالمئة، و75 بالمئة لشركة إيني الإيطالية."

ووقّعت "بي.بي"في أكتوبر 2025، عقد حفر 5 آبار جديدة و3 آبار اختيارية للغاز الطبيعي في مناطق عملها بالبحر المتوسط، بواسطة منصة الحفر العميق "DS-12" التابعة لشركة فالاريس، التي وصلت مصر بالفعل في أبريل الماضي.

 وأعلنت "بي.بي"، في سبتمبر 2025، بدء حفر بئر ثانية بمنطقة "الكينج" في مصر بتكلفة 150 مليون دولار بحلول الربع الأول من العام الجاري، و بدء الإنتاج بالربع الثاني من العام الجاري، وذلك بعد نجاحها في فبراير 2025، بحفر البئر الاستكشافية "الكينج 2"، فيما يتيح ربط الحقلين إضافة 400 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز

 

انسحاب رغم الحوافز المصرية

كما أن توجه "بي.بي"، يأتي وسط توجه مصري نحو تقديم العديد من الحوافز للشركات الأجنبية، وتقديم تسهيلات للشركات، ودفع المستحقات المتأخرة، لتسريع وتيرة الاستكشاف، وزيادة الانتاج، مع طرح مناطق استكشاف جديدة.

وزادت الحكومة المصرية في مارس الماضي، حصص الشركاء الأجانب باتفاقيات "اقتسام الإنتاج" بحقول الغاز الطبيعي الجديدة إلى 25 بالمئة بعد استرداد التكاليف، مقابل 15 بالمئة سابقا، كما زادت نسبة استرداد التكاليف إلى 40 بالمئة لتسريع وتيرة الاستثمارات.

وذلك مع تمديد فترة استرجاع تكاليف المشروعات لتصل إلى 7 سنوات بدلاً من 5 سنوات، بجانب تعديل اتفاقيات المشروعات التي لم تدخل حيز التنمية بعد، حيث رفعت حصة الشريك الأجنبي إلى 65 بالمئة من إنتاج الغاز بدلاً من 40 بالمئة.

واتفقت وزارة البترول في ديسمبر 2025،مع الشركات الأجنبية على حفر 26 بئراً استكشافية للتنقيب عن النفط والغاز بالربع الأول من 2026، بينها حفر 16 بئراً بالصحراء الغربية و 3 آبار بخليج السويس، و5 آبار بالبحر المتوسط.

ويخلو ملف التعامل الحكومي مع شركات إنتاج الغاز والبترول من الشفافية، وهو ما أكده الخبير الاقتصادي عبدالحافظ الصاوي، في حديث سابق  حيث قال إن "الحكومة حريصة على الضبابية فيما يتعلق بالبيانات، وخاصة ما يخص حصة الشريك الأجنبي في اكتشافات الغاز والبترول وحقولهما"، لافتا إلى أن "شركتين ضاربتين بجذورهما في التعامل مع مصر وهما (إيني) الإيطالية، و(بي بي) البريطانية، يحتكران كثيرا من الاكتشافات والعمل بمجال الطاقة في مصر".

 

أزمة ملف الطاقة

ويصل إنتاج مصر من البترول الخام 530 ألف برميل يوميا، وحوالي 4.2 مليار قدم مكعبة من الغاز يوميا، تغطي ما بين 65 إلى 70 بالمئة من احتياجات ثاني أكبر اقتصاد قاري والثالث عربيا، فيما تستهدف تقليل فجوة إنتاج واستهلاك بنحو 30 بالمئة بإنتاج نحو 6.6 مليار قدم مكعبة يوميا العام المقبل، وسط احتياجات يومية تصل 6.2 مليار قدم مكعب ترتفع إلى 7.2 مليار قدم مكعب، بالصيف.

وإزاء أوضاع جيوسياسية مضطربة في الخليج العربي نتيجة "الحرب الأمريكية-الإسرائيلية" على إيران، منذ 28 فبراير الماضي، ارتفعت أسعار الوقود عالميا حيث تعدى سعر برميل البترول 100 دولار من معدل 70 دولارا قبل الحرب، ما زاد الضغوط المالية على مصر.

وفرضت مصر قرارات تقشف واسعة بملف الطاقة بدأتها برفع أسعار الوقود بكافة أنواعه بين 14 و30 بالمئة منذ 10 مارس الماضي، ورفع أسعار ركوب القطارات ومترو الأنفاق بعدها بـ17 يوما، ثم رفع بعض شرائح استهلاك الكهرباء للقطاع الصناعي.

ويأتي توجه "بي.بي" في ظل ارتباط مصر باتفاقية لاستيراد 130 مليار متر مكعب غاز بقيمة 35 مليار دولار وحتى عام 2040، من دولة الاحتلال، ووسط مخاوف من سيطرة تل أبيب على ملف الطاقة والغاز بما يضر بالمصالح والأمن القومي المصري.

الأمر الذي ظهر في قرار متكرر للاحتلال الإسرائيلي بوقف إمدادات الغاز لمصر "البالغة حوالي 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا"خلال حرب غزة (2023-2025)، ولمدة 35 يوما أثناء حرب إيران، ما ضاعف فاتورة استيراد الغاز الطبيعي التي ارتفعت بنحو 1.1 مليار دولار شهرياً، لتصل إلى حوالي 1.65 مليار دولار شهرياً مقارنة بنحو 560 مليون دولار قبل توترات الخليج.