دراسة: إعلام الانقلاب يستغل 30 يونيو واستشهاد الرئيس مرسي لبث سردياته

- ‎فيتقارير

أصدر مركز "إنسان للإعلام" دراسة تحليلية مكثفة تسلط الضوء على الآليات والوظائف والرسائل المستهدفة في الفضاء العام، تحت عنوان "الخطاب الرسمي المصري في ذكرى وفاة مرسي وأحداث 2013: دراسة تحليليّة لمضامين الحملات الإعلامية"، وتكشف هذه الدراسة عن استراتيجيات دقيقة لإدارة الإدراك السياسي في المشهد المصري، مستعرضةً كيف تُوظف المناسبات المفصلية كذكرى أحداث 30 يونيو و3 يوليو، وذكرى استشهاد الرئيس د. محمد مرسي، لصياغة "سردية أحادية" تعزز الوضع القائم وتضع أطراً صارمة للمقبول والمرفوض في الفضاء العام.

وأبرزت الدراسة دور وسائل الإعلام الرسمية كأداة أساسية من أدوات السلطة لإعادة صياغة الواقع وتوجيه الوعي العام وتشكيل محددات الإدراك السياسي لدى الجماهير، بالنظر إلى توقيت صدورها ومتابعتها للمسارات الإعلامية الممتدة على مدار عقد كامل، وصولاً إلى المعالجات الصحفية والمرئية، حيث تسعى إلى تفكيك البنية اللغوية والمعجمية والأطر التفسيرية التي يعتمد عليها الخطاب الرسمي في تعاطيه مع المحطات التاريخية والمناسبات السياسية المفصلية.

 

تتخذ الدراسة من المنهج الوصفي التحليلي بشقيه الكمي والكيفي ركيزة لها، متكاملة مع مدخلي تحليل الخطاب وتحليل الأطر الإعلامية لتطبيق ذلك على عينة قصدية من التغطيات والحملات الصحفية والمرئية والدرامية، وتنطلق الإشكالية البحثية من تساؤل جوهري حول السمات والمفردات والآليات الاتصالية التي تعتمد عليها الحملات الإعلامية الرسمية في بناء رسائلها خلال ذكرى استشهاد الرئيس د. محمد مرسي وأحداث الانقلاب في 30 يونيو و3 يوليو لعام 2013، وهي مناسبات سنوية تتحول بفعل التوجيه التحريري المكثف إلى فضاء اتصالي لإعادة إنتاج السرديات السياسية الحاكمة وتثبيتها في الوعي الجمعي.

صناعة الشرعية وحوكمة الذاكرة السياسية

 

يكشف التقرير التحليلي للدراسة أن الخطاب الإعلامي الرسمي في هذه المناسبات يتجاوز بصورة كاملة الوظيفة الإخبارية التقليدية المقترنة بنقل المعلومات والوقائع المجردة، ليمارس دوراً استراتيجياً أعمق يتصل بإنتاج الشرعية السياسية للوضع القائم وإعادة صياغة أطر الخصوم.

وتتبلور أبرز الدلالات الرمزية لهذا الخطاب الرسمي  في تكريس شرعية ما يسمى بسردية الاستجابة الشعبية، حيث يركز الخطاب على ترسيخ مقولة أن تحركات 30 يونيو كانت تعبيراً جماهيرياً حاشداً لا بديل عنه، وأن تدخل القوات المسلحة في 3 يوليو جاء تلبية حتمية لتلك الإرادة، (يحسب الادعاء) مما يمنح النظام السياسي القائم شرعية ممتدة وينزع في المقابل أي صفة ثورية أو مشروعية قانونية عن التحركات والمواقف المضادة للمسار الرسمي.

 

وتتكامل هذه الدلالات مع استراتيجية أمننة الظاهرة السياسية وتحويل التنافس من مربعه المدني التعددي إلى مربع الصراع الأمني الوجودي، ويعمد الخطاب إلى ربط قوى المعارضة وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين بمصفوفة من المهددات الكبرى كالعنف والفوضى وتخريب الاستقرار والعمل السري المرتبط بالولاءات الخارجية العابرة للحدود، وهو ما يمنح مسوغاً موضوعياً أمام الرأي العام لسياسات الإقصاء والتضييق القانوني المستمرة.

كما يسعى الخطاب رسمياً إلى تحويل لحظة انتقال السلطة المتنازع عليها من حدث سياسي خاضع للجدل والقراءات المختلفة إلى ضرورة تاريخية وحتمية لإنقاذ كيان الدولة من السقوط والتقسيم، وهو ما يساهم في إدارة الذاكرة السياسية عبر ضبط ما يتم تذكره وكيف يقدم ومن يتحمل المسؤولية الجنائية والسياسية، وصولاً لتخليق رمز تأسيسي للنظام السياسي الحالي تصاغ على غراره القوانين والموجهات العامة للمجتمع.

رسائل الحملات الموجهة

ويستعمل الخطاب الرسمي اللجان الإلكترونية وشبكات اتصالية منظمة وخوارزميات موجهة تعمل بأسلوب منسق وممنهج ضمن حملات سيبرانية لصناعة اتجاهات رأي عام اصطناعية ومناهضة للدولة، تزامناً مع السعي الحثيث لإبراز مظاهر التفكك والافتقار للمركزية التنظيمية والخلافات الهيكلية بين قيادات المعارضة في الخارج. وتركز التغطيات على استراتيجية البديل الاتصالي، مستهدفة التأكيد على تحول نشاط الجماعة من أدوات العمل الميداني المقيد إلى الدعاية الرقمية والنشاط الافتراضي المدار عبر منصات هجينة تبث من خارج الحدود الجغرافية للدولة، مع ربط هذا النشاط بأطر التشكيك والعمالة لقوى إقليمية ودولية بهدف تضخيم ارتدادات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتقويض الجسور الاتصالية والائتمانية بين المواطن والدولة.

ويمكن حصر أبرز هذه الرسائل وآلياتها الاتصالية على النحو الآتي:

أطر التضليل وهندسة المحتوى الزائف: ركزت الحملات على تفكيك الأبعاد التاريخية للجماعة عبر إبراز شائعات ومعالجات خبرية مضللة تتعلق بمسارات علاقتها وتصادمها مع المؤسسة العسكرية وقوى المعارضة المدنية، فضلاً عن رصد توظيف لمضامين رقمية مفبركة بغرض صناعة حالة من الجدل والبلبلة لدى المتلقي.

نزع الصفة السياسية وتأطير الجماعة كـ “فاعل اتصالي مضلل“: عمد الخطاب إلى إزاحة الوصف السياسي الطبيعي عن الجماعة، وإعادة تقديمها في الفضاء العام بوصفها منصة أو شبكة دعائية تستهدف حصراً “تشويه الوجاهة الدولية والمحلية لمؤسسات الدولة المصرية”.

ترسيخ أطر الشرعية الرسمية وسرديات التحول: تكرر استدعاء الرواية الرسمية للأحداث عبر تثبيت التوصيف الثوري الحاسم لـ 30 يونيو بوصفها “ثورة شعبية”، وتأطير 3 يوليو في سياق “تصحيح المسار” الحتمي، لضمان الهيمنة على الوعي العام وحسم الجدل حول مشروعية النظام القائم.

خطاب “الأمننة” والتحريض على الفوضى: تم توجيه اتهامات متواترة للجماعة بكونها محفزاً رئيسياً لعدم الاستقرار، وسعيها الممنهج لـ “إرباك الرأي العام” عبر تضخيم ارتدادات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتقويض الجسور الاتصالية والائتمانية بين المواطن والدولة.

“حرب الوعي” واستهداف الفئات الشابة: صيغت معارك الفضاء الرقمي ضمن أدبيات الخطاب الرسمي بوصفها “معركة وعي وجودية”، مع التحذير المستمر من استغلال الجماعة لشبكات التواصل الاجتماعي والمنصات التفاعلية لاستقطاب الطاقات الشبابية وتوجيهها.

تأطير “اللجان الإلكترونية” والشعبوية الرقمية: شدد الخطاب على وجود شبكات اتصالية منظمة وخوارزميات موجهة تعمل بأسلوب منسق وممنهج ضمن ما وُصف بـ “الحملات السيبرانية الممنهجة” لصناعة اتجاهات رأي عام اصطناعية ومناهضة للدولة.

إبراز أطر التفكك والافتقار للمركزية التنظيمية: سعى الخطاب الإعلامي إلى التركيز على محاور الانقسام الداخلي والخلافات الهيكلية بين القيادات، مستهدفاً إبراز تراجع القدرة التنظيمية والعملياتية للجماعة مقارنة ببيئتها السابقة.

استراتيجية “البديل الاتصالي” والعمل من الخارج: ركزت المعالجات على فكرة تحول الجماعة من أدوات العمل الميداني والواقعي المقيد إلى “الدعاية والنشاط الاتصالي الافتراضي” المدار عبر منصات هجينة تبث من خارج الحدود الجغرافية للدولة المصرية، مركزة على أطر التشكيك والعمالة الخارجية لقوى إقليمية ودولية.
 

المواجهة المهنية والتربية الإعلامية النقدية

وتخلص دراسة مركز "إنسان" للإعلام إلى أن هذا التكثيف اللغوي والتنظيم البنيوي العالي للخطاب الرسمي يفرض حتمية بناء مقاربات مهنية وتربوية وبحثية مغايرة لإعادة التوازن إلى المجال العام ومواجهة أطر التضليل وهندسة المحتوى الزائف.

وتأتي في مقدمة التوصيات ضرورة العمل على الصعيد المهني والمؤسسي لدعم وتأسيس منابر ومؤسسات إعلامية مستقلة ترتكز في أدائها على معايير المهنية والتوازن والحياد المنهجي في تغطية الأحداث والأزمات السياسية، مع إرساء استراتيجيات اتصالية مضادة تعتمد على التوثيق المنهجي والموضوعي لتقديم روايات متوازنة تحمي التعددية وتدعم دقة المعلومات المتاحة للجمهور وتمنع انفراد الرؤية الأحادية بصياغة الوعي.

 

وعلى صعيد التربية والوعي الاتصالي، تشير الدراسة إلى الأهمية البالغة لتطوير مقاربات التربية الإعلامية والوعي النقدي لدى المتلقي، لاسيما في أوساط الفئات الشابة، بغية نشر وتكريس مفاهيم علمية دقيقة حول محددات الأمن القومي وآليات الاستقطاب الإعلامي ومكافحة الإرهاب بعيداً عن أطر التوظيف السياسي الحاد.

وتختتم الدراسة توصياتها بدعوة الجماعة الأكاديمية والمراكز البحثية إلى تشجيع إعداد الدراسات المقارنة بين الخطابات الإعلامية الرسمية ونظيرتها غير الرسمية للوقوف على مسافات التباين ورصد الإشكالات المهنية في بيئة الإعلام المحلي، إلى جانب إجراء بحوث مستقبلية تستهدف قياس اتجاهات الجمهور وتفاعله الرقمي والواقعي الفعلي مع هذه الأنماط من الخطابات الموجهة لتحديد مدى فاعليتها وقدرتها الحقيقية على التأثير في مستويات الإدراك السياسي للمواطنين.
http://https://insan-center.org/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b7%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d9%85%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b1%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d9%88%d9%81%d8%a7%d8%a9-%d9%85%d8%b1%d8%b3%d9%8a/