أفادت تقارير محلية وشهادات من أهالي قريتي "المقاطعة" و"الخرافين" التابعتين لمركز الشيخ زويد، بالإضافة إلى تجمعات سكانية في رفح، بأنهم واجهوا خلال شهر يونيو الجاري تدابير ميدانية تطالبهم بإخلاء مساكنهم المؤقتة ومزارعهم، ووفقاً لنداءات استغاثة نشرها الأهالي عبر منصات التواصل الاجتماعي، فإن هذه الأسر كانت قد بدأت بالفعل في العودة إلى أراضيها خلال السنوات الثلاث الماضية بعد استقرار الأوضاع الأمنية وتراجع حدة العمليات العسكرية ضد التنظيمات المسلحة.
وأشار المواطنون في استغاثاتهم إلى أنهم بذلوا جهوداً ذاتية كبيرة لإعادة إعمار قراهم، وزراعة مساحات واسعة من الأراضي بأشجار الزيتون والخوخ والرمان، واعتمادهم على ألواح الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار الزراعية، وأعرب الأهالي عن مخاوفهم البالغة من العودة إلى "مربع الصفر" والنزوح مجدداً في العراء بعد أن استبشروا خيراً بعودة الحياة المدنية إلى طبيعتها.
موجة تهجير ثالثة
وأصدرت مجموعة من المنظمات الحقوقية المستقلة بياناً مشتركاً أعربت فيه عن قلقها البالغ إزاء ما وصفته بالضغوط المتصاعدة والأوامر الشفهية الصادرة للسكان بإخلاء المنطقة وإزالة العشش وتفكيك معدات الطاقة الشمسية دون وجود إعلان رسمي يوضح الأسباب أو يحدد مصير التعويضات والبدائل السكنية.
وحذرت المنظمات من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تقويض مسار العودة الطوعية والآمنة للمواطنين وتكريس حالة عدم الاستقرار، وطالبت هذه الجهات السلطات المصرية بضرورة الالتزام بالمادة (63) من الدستور المصري التي تحظر التهجير القسري التعسفي بجميع صوره وأشكاله، وتفعيل آليات الحوار الشفاف مع ممثلي المجتمعات المحلية والقبلية قبل اتخاذ أي ترتيبات تمس مصير أراضيهم ومصادر رزقهم.
وكانت المنظمات الحقوقية الموقعة على البيان تشمل؛ مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان (CIHRS)، ومؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان (EFHR)، والمنبر المصري لحقوق الإنسان، ومركز النديم، وإيجيبت وايد لحقوق الإنسان، ومؤسسة دعم القانون والديمقراطية، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات
https://x.com/Sinaifhr/status/2069359793161031819
الرؤية الرسمية لترتيبات سيناء
على الجانب الآخر، تدعى المواقع المحلية أن كافة التحركات والخطط المنفذة في شمال سيناء تندرج تحت مظلة "إعادة الإعمار والتنمية الشاملة" وفرض سيادة القانون، وتوضح المصادر القريبة من دوائر صنع القرار أن التعديلات والقرارات التنظيمية في المناطق الحدودية تهدف إلى؛ منع أي ثغرات أمنية قد تستغلها الجماعات المتطرفة مجدداً، وضمان السيطرة الكاملة لإنفاذ القانون، وإقامة مناطق استثمارية، وزراعية، وصناعية مقننة ومخططة هندسياً بالشكل الذي يخدم الاقتصاد القومي، بالإضافة إلى تنظيم مشروعات الإسكان البديل وتطوير البنية التحتية والموانئ، ومع ادعاء أن بعض التيارات المعارضة تستغل البعد الإنساني والعاطفي لترويج معلومات غير دقيقة بهدف تشويه جهود الدولة في تنشيط مجالات الاستثمار العقاري وتوطين التنمية في سيناء.
10 سنوات من النزوح
تأتي هذه التطورات في سياق أزمة ممتدة منذ أكثر من عقد، شهدت خلالها مناطق واسعة من شمال سيناء موجات متعاقبة من التهجير والنزوح. فمنذ أواخر عام 2013 دُمر ما لا يقل عن 12350 مبنى معظمهم منازل، وجُرفت أو أُتلفت أو مُنع الوصول إلى ما لا يقل عن 14,300 فدانا من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان وفقدانهم مساكنهم ومصادر رزقهم، واستمرت أعمال الهدم وتجريف الأراضي بعد عام 2020 في رفح والشيخ زويد والعريش، في ممارسات اعتبرتها تقارير حقوقية قد تصل حد جرائم الحرب.
وخلال السنوات اللاحقة، ظلت قضية "حق العودة" إلى القرى والمناطق التي هُجّر منها السكان إحدى أبرز القضايا الحقوقية والإنسانية في شمال سيناء، ففي أغسطس 2023 نظم مئات من أهالي رفح والشيخ زويد اعتصامات وتجمعات سلمية تحت شعار "ودنا نعاود" للمطالبة بالسماح لهم بالعودة لأراضيهم ومنازلهم التي هُجّروا منها، بعد سنوات من النزوح وغياب البدائل المناسبة والتعويضات العادلة. وقد انتهت هذه الاحتجاجات بعد لقاءات وتعهدات من مسؤولين محليين وأمنيين بالنظر في مطالب الأهالي وإيجاد حلول لملف العودة.
إلا أن السلطات لاحقا قد تعقبت عدد من المشاركين في هذه التحركات السلمية، وأحالت العشرات منهم إلى المحاكمة العسكرية في القضية رقم 80 لسنة 2023 جنايات عسكرية الإسماعيلية، المعروفة إعلاميًا بقضية "حق العودة".
وفي ديسمبر 2024 شمل عفو رئاسي 54 من المحكوم عليهم في هذه القضية، بينما بقي آخرين رهن الاحتجاز، وقد سبق وأثارت هذه القضية انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وخبراء أمميين اعتبروا أن مطالب الأهالي بالعودة إلى أراضيهم تمثل حقًا مشروعًا لا ينبغي أن يكون محل ملاحقة جنائية.
وفي هذا الصدد تذكّر المنظمات الموقعة بأن المادة (63) من الدستور المصري تحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، وتعتبره جريمة لا تسقط بالتقادم. كما تكفل المادة (78) الحق في السكن الملائم والآمن بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية، وبالمثل، تؤكد المعايير الدولية ذات الصلة، بما في ذلك المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي، أن السلطات ملزمة بحماية السكان من التهجير التعسفي، واستكشاف جميع البدائل الممكنة قبل اللجوء إلى أي إجراءات تؤدي إلى النزوح، وضمان إطلاع المتضررين على أسباب هذه الإجراءات وآثارها المتوقعة، وعدم تعريضهم للتشرد أو فقدان سبل العيش، وتوفير التعويضات المناسبة والبدائل الملائمة والحلول الدائمة.
هذه المبادئ والالتزامات تكتسب أهمية خاصة في الحالة الراهنة، إذ إن غالبية الأسر المهددة بالإخلاء اليوم سبق وهُجّرت بسبب العمليات العسكرية والقيود الأمنية التي شهدتها شمال سيناء منذ عام 2014، قبل أن تعود خلال السنوات الأخيرة إلى أراضيها وتعيد إعمارها بمجرد تراجع حدة العمليات العسكرية وعودة بعض مظاهر الحياة المدنية، ومن ثم فإن أي إجراءات تؤدي إلى تهجير هذه الأسر مجددًا، دون مبررات قانونية معلنة وضرورية، ودون ضمانات كافية للحماية والتعويض والبدائل المناسبة، تثير مخاوف جدية حول انتهاك حقهم في العودة والاستقرار المكفول بموجب الدستور المصري والمعايير الدولية ذات الصلة، وتهدد بإبقائهم في حالة نزوح دائمة وحرمانهم من استعادة أراضيهم وممتلكاتهم.
كان عدد من المقررين الخواص والخبراء المستقلين بالأمم المتحدة قد أعربوا في خطابين للسلطات المصرية منشورين في أكتوبر2024 و يونيو 2026 عن مخاوف جدية إزاء الانتهاكات المرتبطة بالتهجير والنزوح في شمال سيناء. ودعوا السلطات المصرية إلى توضيح البدائل التي تم بحثها قبل اللجوء إلى التهجير، وضمان عدم تشريد المتضررين، وتوفير السكن البديل والتعويض المناسب، وتهيئة الظروف التي تسمح بالعودة الطوعية والآمنة والكريمة للنازحين إلى مناطقهم الأصلية. كما شددوا على ضرورة حماية ممتلكات السكان ومنع تكرار الانتهاكات المرتبطة بالنزوح الداخلي، واحترام حقوق المجتمعات المحلية المرتبطة بالأرض والزراعة وسبل العيش.
نداءات الأهالي
وعبر @NAfricaVoice ناشد أهالي قريتي الشيخ زويد ورفح، السيسي السماح لهم بالبقاء في منازلهم، مؤكدين أنهم عادوا إلى مناطقهم بعد سنوات من النزوح وأعادوا إعمارها وزراعة أراضيها، معبرين عن مخاوفهم من تكرار تجربة التهجير والتشرد من جديد.
وبحسب شهود عيان، يتعرض الأهالي لضغوط متصاعدة منذ مطلع يونيو الجاري، عبر حملات ميدانية متكررة لقوات عسكرية تابعة لمعسكر "الزهور"؛ أحد معسكرات الجيش الثاني الميداني بمدينة الشيخ زويد، فضلاً عن تهديدات بالاعتقال وأوامر شفهية بالإخلاء الفوري للمنطقة، وإزالة المساكن المؤقتة (العشش)، وتفكيك ألواح الطاقة الشمسية المستخدمة في تشغيل الآبار الزراعية، وتهديد بمعاقبة كل من يرفض التنفيذ أو المغادرة، كما أفادت شهادات بأن عشرات الأسر غادرت المنطقة بالفعل رغم غياب أي إعلان رسمي يوضح أسباب هذه الإجراءات أو يحدد مصير الأسر المتضررة منها.
https://x.com/egyptian_front/status/2069744324602913062
يشرح أحد سكان قرية المقاطعة كيف بدأت الإجراءات بصورة تدريجية بداية من شهر يونيو الحالي قائلا: "في الأول قالوا شيلوا العشش، بعدها شيلوا ألواح الطاقة الشمسية، بعدها أخلوا المنطقة كلها. كانوا بييجوا كل يوم تقريبا، ومعاهم معدات خفيفة يكسروا بيها العشش. ما سابوش عريشة واحدة في المنطقة إلا وكسروها، ولو الاسرة ساكنة في بيت بيطلبوا منهم ياخدوا كل اللي يقدروا يشيلوه معهم." ويضيف أخر: "كانوا يقفوا عند باب البيت ويقولوا طلع العفش وفك الأبواب والشبابيك، عايز تجيب عربية ولا نجيبلك عربية؟"
وقتل حساب (المقاطعة اليوم) على فيسبوك ".. نحن اهالي قرية المقاطعة التابعة لمركز الشيخ زويد شمال سيناء، بعد الانتهاء من الحرب علي الإرهاب عادت الأهالي الي قرية المقاطعة منذ حوالي ثلث سنوات وقاموا بزراعة الأرض كلها بأشجار الزيتون والخوخ والرمان وأصبحت جنة خضراء .. وفوجئنا هذه الأيام بإخراجنا من بيوتنا ومزارعنا وكل ما نملك بالقوة نرجو من سيادتكم النظر إلى الأهالي بعين الرحمة وتركنا في بيوتا ومزارعنا، حيث إن سكان القرية يزيد على 2000 أسرة باتوا في العراء ولا يعرفون أين يذهبون؟ ".
https://x.com/EgyptWide/status/2069799979816718756/photo/1
وبعدما عادوا مؤخرا لأراضيهم، يواجه أهالي الخرافين والمقاطعة ورفح والشيخ زويد شمال سيناء حملات عسكرية ميدانية متكررة منذ مطلع الشهر وأوامر شفهية بالإخلاء الفوري للمنازل وإزالة (العشش)وتفكيك ألواح الطاقة الشمسية،وسط تهديدات باعتقال من يرفض
https://x.com/CIHRS_Alerts/status/2069434456570527895
توقيت الإجراءات
يربط مراقبون سياسيون بين التطورات الميدانية في شمال سيناء وبين الحراك الدبلوماسي الإقليمي، لا سيما في ظل اللقاءات الدبلوماسية المستمرة بين القيادة المصرية والإدارة الأمريكية، والملفات المشتركة المعروضة للنقاش في القمم الدولية مثل قمة مجموعة السبع (G7)، حيث تشهد المنطقة ترتيبات أمنية وجيوسياسية معقدة ترتبط بملف قطاع غزة المتاخم للحدود المصرية، وإعادة صياغة التفاهمات الأمنية لضمان الاستقرار المستدام في المنطقة المحيطة بمعبر رفح ومحور فيلادلفيا.
وكان خبراء ومقررون خواص تابعون للأمم المتحدة قد وجهوا في فترات سابقة خطابات للسلطات المصرية للاستفسار عن البدائل المتاحة لعمليات الإخلاء، وضمان توفير السكن الملائم والتعويضات العادلة للمتضررين من النزوح الداخلي، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والمبادئ التوجيهية للنزوح الداخلي.