منذ انقلابه فى 3 يوليو قبل 13 سنة ،تمادى السيسي في استخدام العنف المفرط مع معارضيه من الإسلاميين وشباب الثورة وقادة الرأي والفكر، حيث تم اعتقال أكثر من مائة ألف مصري لأنهم يُخالفون السيسي في التوجه السياسي، قتل آلافًا من المصريين في الميادين وأخفى قسريا الآلاف دون ان يعلم عنهم أحد شيئًا بل ربما لم يفتح تحقيقا قانونيا حقيقيا في كل هذه القضايا حتى الآن، ربما لان الضحايا مصريون.
وعندما يكون ضحية التعذيب باحثا أجنبيا فلا بد ان يكون الوضع مختلفا فهناك أسرة تعرف حقوقها جيدا تطالب بتحقيق العدالة، ورفضت أن يُقتل ابنها كما لوكان مصريا حسب قول والدة ريجيني، فأخذت القضية مسارا مختلفا من التحقيق وصولا الي محاكمة المتهمين غيابيا في إيطاليا ومعهم نظام السيسي.
وشهدت محكمة الجنايات في روما تطورًا قضائيًا بارزًا بعد عشر سنوات من التحقيقات المعقدة والمستمرة؛ حيث طالبت النيابة العامة الإيطالية الثلاثاء 23 يونيوالماضى بتوقيع عقوبة السجن المؤبد بحق الضابط المصري مجدي شريف (الذي كان برتبة رائد في قطاع الأمن الوطني وقت وقوع الجريمة)، بصفته المنفذ الفعلي والمسؤول المباشر عن عمليات التعذيب والقتل العمد.
كما شملت مطالبات الادعاء العام السجن لمدة 17 عامًا و6 أشهر لثلاثة من كبار المسؤولين الأمنيين رفيعي المستوى، وهم: اللواء آسر كامل محمد إبراهيم، العقيد حسام حلمي، واللواء طارق صابر، وذلك بتهمة "الخطف في ظرف مشدد"، وإساءة استخدام السلطة الوظيفية لإخضاع باحث أكاديمي أعزل.
وخلال جلسة استمرت لسبع ساعات متواصلة أمام محكمة ريبيبيا المحصنة، عرض نائب المدعي العام الإيطالي سيرجيو كولايوكو خلاصة العقود التحقيقية، واصفًا سلوك المتهمين بأنه يمثل "عنفًا باردًا ومنظمًا" صادرًا عن رجال دولة استغلوا مناصبهم المؤسسية لإنفاذ منهجية تدمير بدني كامل.
وأكد الادعاء أن ريجيني كان ضحية "تصور أمني خاطئ" من قِبل الأجهزة الاستخباراتية والأمنية المحلية التي اشتبهت في طبيعة أبحاثه الميدانية حول النقابات العمالية المستقلة، مشددًا بشكل قاطع على أن "جوليو لم يكن جاسوسًا ولا متآمرًا"، بل كان باحثًا يمارس عمله الأكاديمي.
التدليس المهني للطب الشرعي
وتكشف المقارنة بين تقارير الطب الشرعي الصادرة في القاهرة وتلك الصادرة عن الهيئات الطبية الإيطالية حجم التلاعب والتستر على الجريمة؛ حيث رصد التقرير الرسمي المصري كسرًا واحدًا فقط في الذراع اليمنى للباحث الراحل، بينما وثّقت الفحوصات الطبية المتقدمة والأشعة المقطعية التي أُجريت في إيطاليا وجود 20 كسرًا بجثة ريجيني، منها خمسة كسور في الأسنان وخمسة عشر كسرًا في عظام الجسم المختلفة.
في قاعة محكمة بروما، المشهد لم يكن مجرد مرافعة في قضية باحث أجنبي، بل كان "تشريحاً علنياً" لدموية نــظــام الســيــسي، حيث لم يكتف المدعي العام الإيطالي بتوجيه الاتهام، بل قدم للعالم وثيقة تفصيلية تشرح كيف تُدار أقبية التحقيق باحترافية، وكيف يتحول الأمن إلى "آلة لسحق البشر".
الحقيقة المفجعة هي أن ما تعرض له "ريجيني" لم يكن حادثاً استثنائياً، بل هو ممارسة ممنهجة ومدروسة. و الفارق الوحيد أن هذا الشاب كان يمتلك جواز سفر أجنبي أجبر العالم على تتبع نهايته، بينما طُويت أسماء آلاف المصريين في نفس هذه الأقبية السرية، وماتوا بنفس التعذيب البطيء، دون أن يجدوا من يطالب بحقهم؛ لأن نــظــام الســيــسي يعتبر إبادتهم مجرد إجراء روتيني.
قال الحقوقي المصري بهي الدين حسن إنه كان من المستحيل عقد هذه المحاكمة في القاهرة، فهي محاكمة للدولة المصرية ذاتها بقضائها وطبها الشرعي وأجهزة أمنها "الجستابو المصري"، حيث لا يُعتبر التعذيب جريمة إلا على الورق.
كذبة الطب الشرعي وتلفيق الأدلة
الطب الشرعي التابع لـنــظــام الســيــسي ادعى وجود "كسر واحد" فقط، لكن الأشعة الإيطالية فضحت الكــارثــة: 20 كسراً "5 بالأسنان و15 بالعظام" ناتجة عن تعذيب منهجي استمر 7 أيام متواصلة، تواطؤ مفضوح لطمس الجريمة، توازى مع تهرب النائب العام بمصر من التعاون ورفضه حتى تسليم ملابس الضحية وقت تعذيبه لأسرته.
المجرمون يحملون رتباً عليا
لم يطلب المدعي العام معاقبة "عساكر" أو أفراد أمن صغار، بل طلب المؤبد لـ "رائد"، و17 عاماً ونصف لثلاثة آخرين "لواء وعقيدين". الجريمة قرار سيادي من قلب نــظــام الســيــسي، الذي اختار بوعي حماية جلاديه والتغطية عليهم بدلاً من محاسبتهم، المتهمون وصفهم الإيطاليون بأنهم "رجال دولة"، والسؤال هنا: تُرى مَن يحميهم ومَن أمر القضاء المصري بالتستر عليهم؟
ليس مجرد عنف.. إنه كتالوج الإفناء
وصف المدعي الإيطالي ما حدث بأنه ليس مجرد اعتداء بالضرب، بل "عنف بارد ومنظم" لتحويل الإنسان إلى جسد مستباح مسلوب الإرادة والحقوق، هذا هو الكتالوج الحرفي الذي يُطبق في الظلام على المعتقلين المصريين، التهمة باختصار كما وصفتها أم ريجيني: "عذبوه وقتلوه كما لو كان مصرياً".
وريجيني لم يمت متأثراً بجراحه، بل قُتل بعمل "إرادي نهائي" بعد أسبوع من التقطيع البطيء والتفنن في الإيذاء، ليتم إلقاء جثته على جانب طريق صحراوي.
مسرحية الـ 5 مصريين والتضحية بسمعة الدولة
لم يكن أمام النــظــام سوى خيارين: تسليم الضباط "مما يُهدد باعترافهم على المسئولين الذين أصدروا تعليمات التعذيب" أو التضحية بسمعة الدولة، فاختار النــظــام الخيار الثاني عبر تأليف "مسرحية بلدي"، حيث قتل الأمن المصري 5 مواطنين أبرياء بدم بارد وادعى أنهم عصابة سرقت وقتلت ريجيني. مسرحية فضحها الإيطاليون علناً، لتؤكد أن المتهم الرئيسي في القفص هو نظام السيسي نفسه.
السؤال هو: متى يكون للمصري كرامة في وطنه؟ ومتى يُحاكم ويُعاقب في مصر المتهمون بتعذيب عشرات ألوف المصريين؟
نــظــام الســيــسي لم يُحاكم في إيطاليا على جريمة اختطاف واحدة، بل حُوكم على "عقلية" كاملة تدير البلاد بالرعب. وقضية ريجيني هي النافذة التي رأى منها العالم الجحيم الذي يبتلع آلاف المصريين المخفيين، الذين دفعوا حياتهم ثمناً وتم نسيانهم لأنهم للأسف بلا جواز سفر يحميهم من مقصلة هذا النــظــام.
ريجيني، البالغ من العمر 28 عامًا حينها وكان يدرس في جامعة كامبريدج البريطانية، اختفى أثناء قيامه بإجراء بحث عن النقابات المستقلة في مصر وهو موضوع شديد الحساسية في القاهرة. وأرسل آخر رسالة له في الساعة 19:41 من ذلك اليوم، وعُثر على جثته في 3 فبراير، على طريق القاهرة الإسكندرية، حاملة آثار تعذيب واضحة، بما في ذلك كسر في الرقبة، وفق التحقيقات الطبية في كل من إيطاليا ومصر.
ومنذ تلك اللحظة، لم تتوقف عائلة ريجيني عن المطالبة بالحقيقة والعدالة، وسط رحلة طويلة اتسمت بالصمت والعقبات ومحاولات التضليل، لكنها شهدت أيضًا دعمًا شعبيًا مستمرًا. وقد أصبح اللون الأصفر رمزًا لحملة المطالبة بالعدالة، وتحولت القضية إلى التزام جماعي لكشف ملابسات الواقعة.
وقالت العائلة، عبر محاميتهم أليساندرا باليريني، لوكالة الأنباء الإيطالية (ANSA): "اليوم يمر عشر سنوات على اختطاف جوليو في القاهرة ثم تعذيبه وقتله على يد موظفين في النظام المصري، نشكر جميع الأشخاص ووسائل الإعلام التي أضاءت طريقنا نحو الحقيقة والعدالة، وتابعت كل مرحلة من مراحل المحاكمة ومنعت أن تقع هذه القصة المأساوية لانتهاك حقوق الإنسان في طي النسيان".
ويستضيف مسقط رأس جوليو في فيوميشييلو "أوديني" اليوم فعالية مدنية تحت عنوان "جوليو يستمر في القيام بأشياء.."، تشمل مسرحيات وعروض وثائقية.
محاسبة غائبة
رغم مرور عشر سنوات، التحقيقات في مصر لم تؤدِّ بعد إلى توجيه اتهامات محددة أو محاكمات واضحة ضد أي جهة أمنية.
وقد أكدت السلطات المصرية تعاونها مع الجانب الإيطالي، لكنها رفضت المضي وفق الرواية الإيطالية وتسليم المتهمين الأربعة المدرجين على لائحة اتهامات المحاكمة في روما. وفي 2020، أعلنت النيابتان العامتان المصرية والإيطالية عن "الغلق المؤقت" للتحقيقات في مصر، وسط شبهات تورط عناصر أمنية. في المقابل، واصلت المحاكم الإيطالية محاكمة أربعة مسئولين مصريين بتهم الاختطاف والتعذيب والقتل، لكن المحاكمة تُجرى غيابياً بسبب عدم تعاون مصر.
والمتهمون الأربعة هم اللواء طارق صابر، العقيد آسر كامل محمد إبراهيم، الرائد مجدي إبراهيم عبد العال شريف، والنقيب حسام حلمي، وقد وُجهت لهم تهم ارتكاب جريمة الاختطاف والتعذيب والقتل، والتسبب بأذى جسيم والتواطؤ في القتل العمد.
وعام 2024، قدم شاهد كان معتقلاً في أحد سجون جهاز الأمن المصري شهادة أمام محكمة الجنايات في روما، كشف فيها عن احتجاز وتعذيب ريجيني خلال الأيام الأخيرة قبل وفاته في يناير 2016. وأوضح الشاهد أن ريجيني كان مقيد اليدين ومعصوب العينين، وتعرض لصدمات كهربائية وأساليب تعذيب قاسية تحت إشراف ضباط أمن وأطباء نفسيين، في زنازين ضيقة وباردة ورطبة، مع عزلة تامة ونقص في الطعام.
وأشار إلى أن المعتقلين الآخرين كانوا يعانون من ظروف مماثلة، بينما تعرض هو نفسه للاعتقال التعسفي قبل الإفراج عنه لاحقًا.
وفي الجلسة، أدلت شقيقة ريجيني، إيرين، بشهادتها مستذكرة شغفه بالبحث الميداني والثقافات المختلفة، ووصفته بأنه شاب عادي وملهم، كالأخ الأكبر الذي يقدم النصائح ويشجع الآخرين على التعلم والاستكشاف.
جدير بالذكر أن بلدية بينتينا قد دشنت قاعة دراسة باسم جوليو ريجيني، تخليدًا لذكراه. وتهدف المبادرة إلى إحياء الذكرى وإظهار التضامن مع عائلته. كما أكدت البلدية أن هذا الحدث يمثل التزامًا مدنيًا للحفاظ على القضية حية ومنع نسيانها.