تحل الذكرى الثالثة عشرة لأحداث رمسيس في 16 أغسطس الحالي، وهي التي وقعت في أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس 2013، حين خرجت مسيرات حاشدة في القاهرة وعدد من المحافظات احتجاجًا على عملية الفض، وانتهت الأحداث بسقوط قتلى ومصابين، وحصار مسجد الفتح في منطقة رمسيس، قبل اقتحامه واعتقال عدد كبير من الموجودين داخله.
وتُعرف أحداث 16 أغسطس 2013 إعلاميًا باسم«جمعة الغضب»، فيما ارتبطت بمنطقة رمسيس ومسجد الفتح، أحد أبرز مساجد وسط القاهرة، الذي تحول خلال الساعات التالية إلى مركز لتجمع المتظاهرين والمصابين، قبل أن يصبح محاصرًا لأكثر من 30 ساعة، وفق شهادات ناجين أوردتها المادة الأصلية.
وبحسب الأرقام الواردة في شهادات وتقارير حقوقية استندت إليها المادة، بلغ عدد القتلى في أحداث رمسيس نحو 210 أشخاص، فيما أصيب قرابة 1500 آخرين، وهي أرقام تختلف بشأنها المصادر والروايات، بينما تؤكد شهادات المشاركين والناجين أن الأحداث كانت واحدة من أكثر حلقات العنف دموية في القاهرة بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة.
من رابعة والنهضة إلى رمسيس
بدأت الأحداث في أعقاب عملية فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013، والتي أسفرت عن أعداد كبيرة من القتلى والمصابين. وفي اليوم التالي، اتجهت الدعوات إلى تنظيم احتجاجات واسعة، فيما شهد يوم الجمعة 16 أغسطس خروج مسيرات من مناطق مختلفة بالقاهرة ومحافظات الوجه البحري باتجاه ميدان رمسيس، حيث كان مسجد الفتح نقطة تجمع رئيسية للمتظاهرين.
وتروي شهادات ناجين أن أعدادًا كبيرة توجهت إلى القاهرة منذ الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم، وسط انتشار أمني واسع ووجود كمائن على الطرق المؤدية إلى العاصمة.
وبحسب شهادة اثنين من الناجين، فقد أوقفتهما عدة كمائن أثناء توجههما من محافظة الشرقية إلى القاهرة، قبل أن يُسمح لهما باستكمال الطريق بعد تلقي تعليمات من جهات أمنية، وهو ما أثار لديهما، بحسب روايتهما، مخاوف من وجود ترتيبات أمنية أخرى في طريقهما.
داخل ميدان رمسيس.. بداية المواجهات
مع وصول المتظاهرين إلى محيط مسجد الفتح، بدأت أعداد المشاركين في التزايد، فيما تحدثت الشهادات عن ظهور الدكتور صلاح سلطان عبر مكبر الصوت، داعيًا المتظاهرين إلى الثبات.
وبحسب رواية الناجين، ظل المشهد هادئًا نسبيًا حتى انتهاء صلاة الجمعة، قبل أن تبدأ المواجهات باستخدام قنابل الغاز والقنابل الصوتية، بالتزامن مع إطلاق الرصاص.
وتحدث الشاهدان عن تحليق مكثف لطائرات مروحية فوق المنطقة، ووجود مدرعات على الكباري المحيطة بميدان رمسيس، إضافة إلى مواجهات بالحجارة في الشوارع القريبة.
وتشير الشهادة إلى أن المتظاهرين حاولوا الاحتماء من إطلاق النار والغاز، فيما قام بعض الشباب بالرد بإلقاء الحجارة، بينما حاول آخرون السيطرة على مداخل الكباري لمنع تقدم القوات الأمنية.
استخدام قناصة ومسلحين ملثمين
وتتضمن شهادات الناجين رواية عن وجود قناصة فوق مبانٍ ومواقع مرتفعة، إلى جانب مسلحين ملثمين ظهروا في الميدان خلال المواجهات.
وبحسب الشاهدين، دخل نحو عشرة مسلحين ملثمين إلى إحدى مناطق الميدان وأطلقوا أعيرة نارية في الهواء، ثم طالبوا المتظاهرين بالنزول من فوق الكباري، بزعم أنهم سيتولون مواجهة قوات الشرطة.
ويقول الشاهدان إن بعض المتظاهرين اعتبروا الأمر خدعة وحاولوا تحذير الآخرين، لكن آخرين استجابوا للطلب، لينتقل المسلحون إلى مواقع أعلى، قبل أن تتقدم المدرعات والقوات الأمنية إلى المنطقة.
وبحسب الرواية نفسها، تحولت المواجهات بعدها إلى إطلاق نار كثيف، ما دفع أعدادًا من المتظاهرين إلى الاحتماء داخل مسجد الفتح، بينما حاول آخرون الفرار عبر الشوارع الجانبية.
وتتضمن الشهادات اتهامات لعناصر مدنية مسلحة بالمشاركة في الاعتداء على المتظاهرين وتسليم بعضهم إلى قوات الأمن.
الغاز والرصاص.. وشهادات عن سقوط قتلى ومصابين
يصف الناجون الساعات التي شهدها ميدان رمسيس بأنها كانت شديدة العنف، في ظل استمرار إطلاق الغاز والرصاص وتحليق الطائرات ووجود المدرعات.
ويقول أحد الشاهدين إن أحد أبناء قريته، وكان مهندسًا، أصيب أثناء وجوده فوق أحد الكباري، قبل أن يتم نقله إلى مسجد قريب يضم نقطة إسعاف، لكنه فارق الحياة متأثرًا بإصابته.
وتقول الشهادات إن عددًا من المصابين لم يتمكنوا من الوصول إلى المستشفيات، بينما حاول آخرون تقديم الإسعافات الأولية داخل المساجد والمباني القريبة.
كما تضمنت روايات المشاركين اتهامات بمنع أو عرقلة وصول سيارات الإسعاف إلى بعض المناطق التي شهدت إطلاق النار، وهي رواية تحتاج، وفق المعايير الصحفية، إلى مطابقتها مع سجلات الإسعاف والمستشفيات والوثائق الرسمية الخاصة بتلك الأحداث.
شهادات عن اعتداءات قبل الوصول إلى الميدان
ولا تقتصر روايات الناجين على ما حدث داخل ميدان رمسيس، إذ تحدث أحد المشاركين عن تعرضه للاعتداء أثناء توجهه إلى مسجد الفتح.
وبحسب شهادته، كان برفقة مهندس وصحفي، وتركوا السيارة خارج القاهرة وساروا باتجاه رمسيس لتجنب الكمائن، قبل أن يواجهوا مجموعة من الأشخاص الذين اتهمهم الشاهد بأنهم من "البلطجية".
وقال إن المجموعة تعرضت للضرب والركل حتى فقدوا الوعي، قبل أن يتمكنوا لاحقًا من مواصلة طريقهم إلى مسجد الفتح. ومع وصولهم إلى الميدان، وجدوا أنفسهم وسط مواجهات عنيفة، بينما كانوا يحاولون معرفة مصير أقارب وأصدقاء شاركوا في المسيرة.
الهروب عبر المترو
تروي الشهادة نفسها أن المشاركين ظلوا في المنطقة حتى قرب المغرب، قبل أن يقرروا البحث عن طريق للخروج من الميدان. وبحسب الرواية، تمكن عدد منهم من التسلل عبر أحد الشوارع الجانبية وصولًا إلى محطة مترو غمرة، حيث وجدوا أعدادًا كبيرة من الأشخاص يحاولون مغادرة المنطقة.
وتصف الشهادة رحلة العودة داخل المترو بأنها كانت شديدة الصعوبة بسبب التكدس والحرارة وضيق التنفس وتوقف القطار لفترات، فيما قال الشاهد إن بعض الأشخاص فقدوا القدرة على الوقوف أو سقطوا من شدة الإجهاد.
ووصف نجاته من الأحداث بأنها كانت بمثابة «عمر جديد»، بحسب تعبيره.
مسجد الفتح.. أكثر من 30 ساعة تحت الحصار
كان مسجد الفتح في قلب الأحداث، بعدما لجأ إليه عدد كبير من المتظاهرين والمصابين، إلى جانب أطباء وصحفيين مصريين وأجانب.
وتقدر إحدى الناجيات عدد المحاصرين داخل المسجد بنحو 1000 شخص، بينهم مصابون وجثامين قتلى، إضافة إلى نحو 30 سيدة، وفق شهادتها.
وتقول إن الحصار استمر لأكثر من 30 ساعة، وسط مخاوف متواصلة من الاقتحام. وبحسب روايتها، تعرض المسجد لإطلاق نار من مواقع مرتفعة، قبل أن تقتحمه قوات الشرطة في اليوم التالي، ويتم توقيف الموجودين داخله.
وتتحدث الشهادة عن تعرض بعض المعتقلين، عقب خروجهم من المسجد، للضرب والإهانة، قبل نقلهم إلى أماكن الاحتجاز.
وتقول الناجية إن التجربة تركت آثارًا نفسية عميقة عليها، وإن ذكريات الحصار والاعتقال ما زالت حاضرة بعد مرور أكثر من عقد على الأحداث.
"أحداث مسجد الفتح".. من الميدان إلى قاعات المحاكم
لم تنتهِ أحداث رمسيس بانتهاء المواجهات، إذ جرى توقيف أعداد من المشاركين وإحالتهم إلى المحاكمة في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "أحداث مسجد الفتح". وقد صدرت لاحقًا أحكام متفاوتة بحق عدد من المتهمين، بينها أحكام بالسجن المؤبد، وأخرى بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا و10 أعوام وخمس سنوات.
ووجهت النيابة إلى المتهمين اتهامات شملت التجمهر والبلطجة والقتل والشروع في القتل وإحراز أسلحة ومفرقعات وقطع الطرق وتعطيل المواصلات، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بالمسجد.
وفي المقابل، تقول روايات المشاركين والناجين إن المتظاهرين كانوا في الأصل في تجمع احتجاجي، وإن استخدام القوة ضدهم كان سببًا رئيسيًا في سقوط القتلى والمصابين.
وتظل الوقائع المرتبطة بكل متهم خاضعة لما ورد في أوراق القضايا والأحكام القضائية، ولا يمكن تعميم روايات طرف واحد على جميع المتهمين أو المشاركين.
رمسيس ضمن سلسلة أحداث دامية
تضع المادة أحداث رمسيس ضمن سلسلة أوسع من المواجهات التي شهدتها مصر خلال أغسطس 2013. وبحسب رصد منسوب إلى مركز «الشهاب لحقوق الإنسان»، وقعت خلال الفترة نفسها عدة أحداث دامية في القاهرة والإسكندرية وعدد من المحافظات، من بينها وقائع في كوبري 15 مايو، ونفق العمرانية، ومسجد الاستقامة، وسموحة بالإسكندرية، وطنطا، وكفر الشيخ، ودمياط، وبورسعيد، والإسماعيلية، والسويس، والفيوم، والمنيا، وسوهاج، ومطروح، والعريش.
وتختلف أعداد الضحايا وتوصيف الوقائع بين المصادر الحقوقية والرسمية، الأمر الذي يجعل التوثيق المستقل لكل واقعة على حدة أمرًا ضروريًا عند إعادة بناء أحداث تلك الفترة.
شهادات حقوقية عن استخدام القوة
بعد مرور 13 عامًا، لا تزال أحداث رمسيس حاضرة في شهادات عدد من النشطاء والحقوقيين الذين تابعوا تلك الفترة. ويشير الحقوقي هيثم أبوخليل، في شهادة نقلتها المادة، إلى أن أحداث رمسيس وسموحة مثلت امتدادًا لأحداث العنف التي شهدتها البلاد عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة.
كما تحدث عن استخدام المروحيات وإطلاق النار في محيط الميدان، وحصار مسجد الفتح، وسقوط قتلى ومصابين داخله وحوله.
وتتضمن روايات أخرى للصحفي عامر شماخ وصفًا لإطلاق النار على المتظاهرين في محيط الكباري والمباني القريبة، إلى جانب استخدام الغاز والمدرعات والطائرات، بحسب شهادته.
وتظل هذه الروايات شهادات شخصية ينبغي قراءتها في إطارها الزمني والسياسي، ومقارنتها بالسجلات الرسمية وشهادات الأطراف الأخرى والتحقيقات والوثائق المتاحة.
13 عامًا.. وذاكرة لم تُغلق
بعد مرور 13 عامًا على أحداث 16 أغسطس 2013، لا تزال «مجزرة رمسيس» واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث، سواء فيما يتعلق بأعداد الضحايا، أو المسؤولية عن استخدام القوة، أو ملابسات حصار مسجد الفتح، أو الأحكام القضائية التي صدرت بحق المشاركين في الأحداث. وبالنسبة إلى الناجين، لا تبدو الذكرى مجرد مناسبة سنوية، وإنما استعادة لتجربة تركت آثارًا مستمرة في حياتهم.
أما على المستوى العام، فتطرح الذكرى مجددًا أسئلة أوسع حول أحداث العنف السياسي التي شهدتها مصر عام 2013، وضرورة توثيقها بصورة مستقلة وشاملة، والاستماع إلى شهادات الناجين وأسر الضحايا، إلى جانب مراجعة الوثائق الرسمية والأحكام القضائية والتقارير الحقوقية.
وبينما لا تزال الروايات متباينة بشأن كثير من تفاصيل ذلك اليوم، فإن مرور السنوات لم يُنهِ الجدل حول ما جرى في رمسيس ومسجد الفتح، ولا حول مصير من سقطوا خلال واحدة من أكثر مراحل الاضطراب السياسي والعنف الأهلي دموية في مصر خلال العقدين الأخيرين.