تتواصل المأساة الإنسانية للمهندس المصري محمود فتحي وزوجته السيدة هدى أنور، بعد مرور أكثر من شهر كامل (32 يوماً) على اختطافهما وإخفائهما قسرياً في دولة ليبيا في ظروف غامضة ومقلقة. وأكد أولاد المختطفين في نداءات إنسانية متكررة أنهم لا يعلمون شيئاً عن صحة والديهما أو مصيرهما المجهول، ولا كيف تقضي العائلة أيامهما بلا رعاية أو دواء، مشددين على أن حرية الإنسان وحقه في العلاج والحياة الآمنة هي حقوق أصيلة لا تقايض وليست منّة من أحد.
تأتي هذه الجريمة لتُسلط الضوء مجدداً على المخاطر البالغة التي تواجه المعارضين واللاجئين المصريين في الخارج، لا سيما في الدول التي تشهد انفلاتاً أمنياً، حيث تتحول الانتهاكات العابرة للحدود إلى سلاح لتكميم الأفواه وملاحقة أصحاب الرأي حتى خارج وطنهم، وسط مطالبات حقوقية دولية ومحلية عاجلة للكشف الفوري عن مكانهما وإطلاق سراحهما دون تأخير.
حملة «أين هم؟»
وبالتزامن مع حالة الإخفاء القسري لمحمود فتحي القيادي بحزب الفضيلة مع حلول اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، أطلقت منظمة "عدالة لحقوق الإنسان" (JHR) حملتها الحقوقية الموسومة بـ «أين هم؟»، بهدف إبقاء قضايا المخفيين قسرياً وأسمائهم حية في الذاكرة، وتسليط الضوء على واحدة من أفظع الجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم بمرور السنوات.
تهدف الحملة إلى كشف الحقيقة المغيبة خلف كل ضحية انقطعت أخباره وتركت أسرة تكتوي بنار الانتظار والأسئلة بلا إجابات. وتؤكد المنظمة من خلال إطلاق هذه الحملة أن المئات من المواطنين لا يزالون في عداد المغيبين قسرياً داخل السجون والأقسام غير الرسمية، وسط غياب تام للشفافية وتجاهل حكومي، مما يُحتم تضافر الجهود الحقوقية والشعبية للضغط من أجل الكشف عن مصير كافة الضحايا ومحاسبة المسئولين عن هذه الانتهاكات المنهجية التي تنتهك الدستور والمواثيق الدولية.
تجريم التضامن مع غزة والاحتجاج على الغلاء
على الصعيد الداخلي، كشفت أوراق قضية جديدة رصدتها منصة "متصدقش" عن تصعيد خطير تمثل في إحالة 96 مصرياً إلى محاكم الإرهاب، وتأجيل محاكمة 66 معتقلاً منهم إلى جلسة 25 أكتوبر القادم. هذه القضية، التي باتت تعرف إعلامياً باسم «جيل زد»، تضم نخبة من المواطنين والشباب والطلاب الذين عبروا بصدق عن تضامنهم الإنساني والأخوي مع أشقائهم المحاصرين في قطاع غزة.
ووجهت السلطات اتهامات بالغة القسوة لنحو 16 شخصاً لمجرد كتابة منشورات تدعم غزة، وتطالب بفتح معبر رفح البري، وتسيير قافلة الصمود الشعبية.
ولم تقتصر الملاحقات على غزة، بل استهدفت مواطنين آخرين كل ذنبهم التعبير عن وجعهم من الأوضاع المعيشية الطاحنة، وارتفاع الأسعار الجنوني، وانقطاع الكهرباء المستمر.
وطالت الاعتقالات طلاباً وشباباً صغاراً لمشاركتهم في مجموعات دردشة إلكترونية على الإنترنت تحمل اسم "جيل زد".
ويظهر التناقض الصارخ جلياً في ممارسات النظام الذي يملأ الشاشات والفضائيات بخطابات وهمية عن دعم القضية الفلسطينية، بينما يُحاكم بقسوة كل مواطن يتضامن مع غزة فعلياً، ويوظف قوانين وتهم "الإرهاب" كسلاح غاشم لإسكات أي صوت يشتكي من الجوع أو يطالب بأبسط مقومات الحياة الكريمة، في محاولة واضحة لبث الرعب وتكميم الأفواه.
استمرار حبس المحامي محمد أبو الديار
وفي حلقة جديدة من حلقات التضييق على المدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين، تواصل نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس المحامي محمد أبو الديار، منسق رابطة الدفاع عن سجناء الرأي، لمدة 15 يومًا على ذمة القضية رقم 4502 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، وذلك بعد مرور أكثر من شهرين ونصف الشهر على اعتقاله التعسفي في 25 مايو 2026.
وأوضحت زوجته وفاء جابر في تصريحات صحفية خلو ملف القضية من أي أدلة أو مضبوطات حقيقية تثبت صحة الاتهامات الموجهة إليه، مؤكدة أن الاعتقال استهداف مباشر لنشاطه الحقوقي والدفاع عن سجناء الرأي. وقد خلّف هذا الاعتقال التعسفي تداعيات إنسانية قاسية على أسرته وأبنائه الثلاثة، فضلاً عن تعطيل عمل مكتبه القانوني.
من جانبها، أعربت منظمة "عدالة لحقوق الإنسان" عن بالغ قلقها إزاء إصرار السلطات على تحويل الحبس الاحتياطي من إجراء استثنائي إلى عقوبة ممتدة دون محاكمة عادلة. وشددت المنظمة على أن أداء المحامي لمهامه المهنية في الدفاع عن الموقوفين لا يجوز أن يتحول أبداً إلى مبرر لسلب حريته، مطالبة بالإفراج الفوري عنه وعن كافة زملائه لضمان استقلال مهنة المحاماة كركيزة أساسية للعدالة.
تدوير وتجديد حبس بقضايا "أمن الدولة"
وفي سياق متصل، واصلت نيابة أمن الدولة العليا نهجها في تجديد حبس العشرات من المواطنين على ذمة قضايا مختلفة، حيث قررت مؤخراً تجديد حبس 7 متهمين لمدة 15 يوماً إضافية بناءً على اتهامات فضفاضة تتراوح بين الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. شملت قائمة التجديدات:
حاتم توفيق محمد: على ذمة القضية رقم 5165 لسنة 2026 (انضمام لجماعة إرهابية).
ساجد ياسر نبوي: على ذمة القضية رقم 4488 لسنة 2026 (انضمام لجماعة إرهابية).
سمير عبد العظيم: على ذمة القضية رقم 3696 لسنة 2026 (نشر أخبار كاذبة).
أربعة متهمين آخرين: على ذمة القضية رقم 5635 لسنة 2026 المعروفة إعلامياً بـ "قضية الشيعة" بتهم تتعلق بالانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه القضية الأخيرة تضم أكثر من 20 مصرياً وجنسيات أخرى، تم التحقيق معهم بعد 23 يوماً من إخفائهم قسرياً عقب اعتقالهم من منازلهم أو من "المجلس الحسيني" بمنطقة السيدة زينب، مما يبرز اتساع دائرة الاضطهاد لتشمل حرية المعتقد والتعبير.
خاتمة وتوصيات حقوقية
يؤكد هذا التقرير أن الأوضاع الحقوقية تشهد تدهوراً مقلقاً يتطلب تحركاً عاجلاً على كافة الأصعدة. إن استمرار جريمة الإخفاء القسري للمهندس محمود فتحي وزوجته في ليبيا، ومحاكمة جيل الشباب بتهم إرهابية باطلة بسبب تضامنهم مع غزة، فضلاً عن استهداف المحامين والحقوقيين مثل محمد أبو الديار، والتجديد المستمر للحبس الاحتياطي، كلها مؤشرات تؤكد غياب سيادة القانون واستمرار النهج الأمني في إدارة الدولة.
وتدعو المنظمات الحقوقية المجتمع الدولي وكافة الهيئات الأممية إلى الضغط على السلطات المعنية لوقف هذه الانتهاكات المنهجية، والكشف الفوري عن مصير المخفيين قسرياً، والإفراج بلا شروط عن كافة معتقلي الرأي والمدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان حق المواطنين في التعبير السلمي والتضامن الإنساني دون ملاحقة أو ترهيب.