نزيف كادحي لقمة العيش : بعد أيام من حادث الاسماعيلية ..استشهاد وإصابة 21 عمال السادات على طريق كفر دواد -المنوفية

- ‎فيتقارير

بدءاً من فاجعة حادث الإسماعيلية الذي أودى بحياة 18 عاملا وإصابة نحو 30 آخرين وصولاً إلى المأساة المتجددة على طريق "كفر داود – السادات" بمحافظة المنوفية، حيث استشهاد عاملين وإصابة 19 آخرين، مروراً بسقوط عمال العمارة في بني سويف، حوادث المتكررة تكشف بوضوح عن عورات المنظومة الخدمية والبنية التحتية، وتضع الحكومة ممثلة في وزارة النقل والصناعة بقيادة الفريق كامل الوزير، في قفص الاتهام المباشر، وسط تساؤلات ملحة حول غياب الرقابة الحقيقية وتوجيه مئات المليارات للمشروعات الفاخرة على حساب أرواح البسطاء.

مقبرة يومية للكادحين ومسئولية غائبة

في صبيحة الخميس 20 أغسطس 2026، انقلب ميكروباص متهالك يقل عشرات العمال اليوميين المتوجهين إلى أعمالهم في مدينة السادات، مما أدى إلى مصرع عاملين وإصابة نحو 19 آخرين تراوحت أعمارهم بين الخامسة عشرة والخامسة والستين. طريق "كفر داود – السادات" ليس مجرد شريان مروري عادي، بل هو شريط أسفلتي ضيق يعمل باتجاه واحد، ويفتقر تماماً للإنارة وأدنى مقومات السلامة المرورية، وتجاهلت الجهات الرسمية طوال السنوات الماضية كل النداءات لتوسعته أو تزويده بحواجز أمان.

وفي تعليقه على تكرار هذه الفواجع، قال الصحفي محمد عنان عبر حسابه على منصة إكس محمد عنان  (@3nan_ma): "مصائب كامل الوزير مستمرة ولسه بيصيف هو و… السيسي في الساحل، ده إحنا لسه بنحاول نفوق من صدمة حادث الإسماعيلية.. نقوم ندخل على السادات، وجع ورا وجع، وحوادث شغالة تخطف أرواح الناس، رحم الله ضحايا لقمة العيش، وربط على قلوب أهاليهم، وحفظ كل عامل غلبان رايح يسعى على رزقه..!"

هذا التجاهل الرسمي يقابله تصاعد حاد في الانتقادات الموجهة لوزارة النقل؛ حيث كتب الإعلامي هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) مستنكراً استمرار تكرار هذه الكوارث دون حساب حقيقي أو تحمّل للسياسات الفاشلة: "غالباً كامل الوزير سيستقيل بعد الحادث كما يحدث في أوروبا أو ربما ينتـ…حر مثل اليابان وكوريا، مستحيل يستمر بعد ما تم صرف مئات المليارات وما زالت هناك حوادث كل يوم! هذا يضر بسمعة مصر ويؤثر على الاستثمار والسياحة!"

مأساة قرية دبركي

ولم تقتصر المأساة على الأرقام المجردة، بل امتدت لتخلف قصصاً إنسانية مفجعة تمزق القلوب، كما حدث مع أهالي قرية دبركي التابعة لمركز منوف بمحافظة المنوفية، التي ودعت أبرز ضحايا هذا الحادث المروع.

حكاية "منصور": دفن أمه بالأمس ولحق بها اليوم

منصور كان لسه دافن أمه يوم الأحد، ولسه الحزن مالي بيته، لكن رغم كسرة قلبه، كان لازم ينزل من الفجر يدور على أكل عيشه لتوفير مصروفات أولاده الثلاثة (بنتين وولد) من يوميته التي لا تتجاوز 180 جنيهًا. لكن طريق كفر داود كان له رأي آخر، حيث تعرض لحادث ميكروباص العمالة ونُقل للمستشفى في حالة حرجة ليفارق الحياة داخل غرفة العمليات، ليلتحق بوالدته بعد أيام معدودة من رحيلها" بحسب منصة مراد.

الحاج فرج: 60 عاماً من الشقاء انتهت على طريق السادات

والحاج فرج عبد الجليل، عامل يبلغ من العمر نحو 60 عاماً من قرية دبركي، قضى حياته يعمل في المزارع مقابل أجر يومي زهيد (180 جنيهًا بعد خصم تكلفة المواصلات والمقاول). لم تمنحه سن الكهولة فرصة للراحة، فظل يخرج كل صباح بحثاً عن لقمة عيش حلال، لكن رحلته انتهت على نفس الطريق الدموي، لتبقى حكايته شاهدة على قسوة الحياة والظروف الاقتصادية الضاغطة.

على حساب دماء العمال

أمام هذا النزيف اليومي على الطرقات ومواقع الإنشاءات – مثلما حدث في بني سويف بسقوط عمال من سقالة غير مؤمنة – تقتصر استجابة الحكومة للأسف الشديد على تنظيف مسرح الجريمة ودفع سيارات الإسعاف لجمع الأشلاء.

وتُنفق الدولة المليارات لتمهيد المحاور المرورية الفاخرة للسيارات الملاكي والمستثمرين، بينما تترك طرق عمال اليومية والكباري المائية (مثل معدية أبو غالب ومنشأة القناطر) كساحات إعدام مفتوحة.

وفي محاضر الشرطة الرسمية، يُلقى اللوم دائماً على السائق المقهور أو يتهم القدر، مع تجهيل اسم صاحب العمل أو المقاول الذي كدّس العمال في سيارة ربع نقل غير آمنة، لضمان استمرار تدفق العمالة الرخيصة بلا قيود.

وفي ظل هذا التخاذل الحكومي، انطلقت حملة "لقمة عيش تمنها حياة" التي تبنتها دار الخدمات النقابية والعمالية، للمطالبة بتجريم المقاولين وأصحاب العمل، وإقرار تعديلات تشريعية تعتبر توفير وسائل النقل الآمنة للعمال التزاماً قانونياً صارماً، فضلاً عن إجراء تفتيش استباقي على مواقع العمل لحماية الطبقة العاملة من هذا الإهدار المنهجي لأرواحهم.

https://x.com/3nan_ma/status/2090371344768589977