تواجه دولة الاحتلال مشكلة ديموغرافية تتمثل في قلة الخصوبة وتراجع عدد المواليد، لذا كان التشجيع على الهجرة الي دولة الاحتلال أهم الأدوات التي اعتمدت عليها دولة الكيان المحتل، وعقب عملية السابع من أكتوبر توقف هذا المصدر تماما عن تزويدها بالقوة البشرية المطلوبة، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل حصل ما هو أصعب "الهجرة العكسية" فقد غادر دولة الاحتلال ما يقرب من ثلاثمائة ألف مستوطن بصورة شبه نهائية.
ومع تواصل حالة التوتر في منطقة الشرق الأوسط وفشل دولة الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق أهدافها المعلنة من الحروب التي خاضتها على عدة جبهات، غادر العديد من أهم فئات المجتمع الإسرائيلي إلى الهجرة وترك "إسرائيل".
وكشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة "تل أبيب" أن "أعداد الإسرائيليين الذين غادروا البلاد خلال السنوات الأخيرة سجلت مستويات قياسية، حيث غادر نحو 268,509 إسرائيلي البلاد لفترات متواصلة لا تقل عن ثلاثة أشهر خلال الأعوام 2023-2025"، وفق ما نقله موقع "i24" الإسرائيلي.
وأوضحت الدراسة أن "أعداد المغادرين خلال هذه الفترة تفوق بشكل واضح المعدلات المسجلة في سنوات سابقة، إذ بلغ عدد الإسرائيليين الذين غادروا لفترة مماثلة بين عامي 2013 و2015 نحو 183,219 شخص فقط".
واعتمد البحث، الذي أُجري بالتعاون مع بيانات من المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي، على تحليل أنماط الهجرة بين عامي 2009 و2025، مع مقارنة بيانات الخروج لفترات ثلاثة أشهر على الأقل ببيانات الهجرة طويلة الأمد.
وأشار الباحثون إلى أن "عدد الإسرائيليين المغادرين في عام 2025 وحده بلغ 90,922 إسرائيلي، وهو رقم قريب من عام 2024 الذي سجل 91,499 مغادر، وأعلى من عام 2023 الذي شهد خروج 86,509 إسرائيلي".
وأفاد معدو الدراسة أن جزءا من هذه الأرقام يشمل شبابا إسرائيليين يسافرون إلى الخارج بعد الخدمة العسكرية لفترات طويلة، إلا أنهم شددوا على أن الارتفاع الكبير مقارنة بالسنوات السابقة يمثل مؤشرا مقلقا، خصوصا مع وجود نسبة كبيرة من أصحاب التعليم العالي والمهارات المهنية بين المغادرين التاركين لـ"إسرائيل".
قلق من استمرار ظاهرة الهجرة العكسية
وبيّن الباحثون، أن "موجة الهجرة التي بدأت عام 2023 استمرت خلال 2025"، محذرين من أن "استمرار الاتجاه الحالي قد يؤدي مستقبلا إلى تأثيرات على الاقتصاد الإسرائيلي، خاصة في القطاعات التي تعتمد على رأس المال البشري مثل التكنولوجيا المتقدمة والطب والأكاديميا".
وذكر البروفيسور إيتي أتر، وهو أحد معدي الدراسة، أن "أعداد المغادرين في السنوات الأخيرة مقلقة جدا، كما أن استمرار ارتفاع معدلات الهجرة قد يشكل تحديا استراتيجيا إذا لم تتغير الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية".
وبحسب الدراسة، فإن "إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على قوة بشرية متخصصة، وأن خروج أعداد متزايدة من الأطباء والمهندسين والأكاديميين وأصحاب الدخل المرتفع قد ينعكس على قطاعات اقتصادية حيوية".
وزعم الباحثون أن "أعداد المهاجرين الحالية لا تشكل خطرا مباشرا على الاقتصاد الإسرائيلي، لكن الخطر يكمن في احتمال استمرار الارتفاع والوصول إلى مرحلة يصعب فيها عكس الاتجاه".
موجة هجرة خطيرة
كما أشارت الدراسة إلى أن "ملف الهجرة من إسرائيل أصبح أكثر حضورا في النقاش العام خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الجدل السياسي حول الإصلاحات القضائية عام 2023، ثم بعد اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر"، حيث ربط بعض الباحثين القائمين على الدراسة "بين التطورات السياسية والأمنية وزيادة الرغبة في مغادرة إسرائيل".
بدوره، اعتبر رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب والشتات في "الكنيست" الإسرائيلي، جلعاد كريف، أن الأرقام الواردة في الدراسة، تعكس "موجة هجرة خطيرة"، مطالبا حكومة الاحتلال بـ "وضع خطة طويلة الأمد للتعامل مع الظاهرة، وذلك لخطورة تأثيرها على مستقبل الاقتصاد والمجتمع في إسرائيل".