في 22 أغسطس 2013، أُلقي القبض على طبيب الأسنان الدكتور أحمد عارف، المتحدث الإعلامي السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين، لتبدأ رحلة طويلة خلف القضبان امتدت 13 عامًا، كان الجانب الأكثر قسوة فيها، بحسب تقارير حقوقية، ليس فقط سنوات السجن، وإنما ظروف الاحتجاز وما رافقها من عزل وحرمان من الزيارة والتواصل مع الأسرة.
ومع حلول الذكرى الثالثة عشرة لاعتقاله، لا يزال عارف محتجزًا، بعدما أمضى سنوات طويلة في سجون الانقلاب، بينها فترات من الحبس الانفرادي، في ظروف أثارت على مدار السنوات مخاوف حقوقية بشأن تأثير العزل المطول والحرمان من التواصل الإنساني على حالته النفسية والبدنية.
من عيادة الأسنان إلى الحبس الانفرادي
كان أحمد عارف طبيب أسنان متخصصًا في جراحة الفم، وشغل منصب الأمين العام المساعد للنقابة العامة لأطباء الأسنان، إلى جانب اهتمامه بالدراسات الشرعية والسياسية.
وبحسب المعلومات الواردة في التقارير الحقوقية عنه، فقد حفظ القرآن الكريم كاملًا، ودرس علوم القرآن ومقارنة الأديان، كما حصل على دبلوم في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لكن حياة الطبيب والباحث تغيرت فجر 22 أغسطس 2013، عندما ألقت قوات الأمن القبض عليه، قبل نقله إلى السجن.
وأفادت مصادر صحفية في ذلك الوقت بأن عملية القبض تمت دون مقاومة، وأن عملية تفتيش المكان لم تسفر عن العثور على أسلحة.
وخلال إحدى جلسات نظر حبسه في نوفمبر 2013، قال عارف: "إن القبض عليه تم قبل صدور أمر ضبطه وإحضاره بنحو 12 ساعة، كما تحدث أمام المحكمة عن تنقله بين أربعة سجون."
ومنذ ذلك الوقت، أصبح السجن جزءًا طويلًا من حياته، وتوالت القضايا والأحكام التي حوكم فيها.
سنوات من المحاكمات
حُوكم أحمد عارف في قضية "غرفة عمليات رابعة"، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد قبل إلغاء الحكم وإعادة محاكمته، ثم صدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات في إعادة المحاكمة، بحسب ما أوردته تقارير صحفية وحقوقية.
كما حوكم في قضية فض اعتصام رابعة العدوية، وهي القضية التي شملت عددًا كبيرًا من المتهمين، وصدر فيها حكم بالإعدام بحقه، وأيدت محكمة النقض المصرية في 14 يونيو 2021 أحكام الإعدام بحق عارف وعدد من المتهمين الآخرين، وفق ما ذكرته الشبكة المصرية لحقوق الإنسان.
وبعيدًا عن تفاصيل الأحكام والقضايا، ظل السؤال الإنساني الأبرز متعلقًا بالسنوات التي عاشها داخل السجن والظروف التي أحاطت باحتجازه.
سنوات طويلة من العزلة
تنقل عارف بين عدد من السجون، من بينها سجن العقرب شديد الحراسة، قبل نقله لاحقًا إلى مركز بدر للإصلاح والتأهيل "بدر 3".
وتشير تقارير حقوقية إلى أنه قضى جزءًا كبيرًا من سنوات احتجازه في الحبس الانفرادي.
وفي عام 2023، أفادت تقارير حقوقية بأنه كان قد أمضى نحو عشر سنوات في الحبس الانفرادي، إلى جانب حرمانه من الزيارة الأسرية لنحو سبع سنوات.
ولا يتعلق الأمر بمجرد البقاء وحيدًا داخل زنزانة، فالعزل الطويل يحرم الإنسان من تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو بسيطة خارج السجن: حديث عابر مع شخص آخر، رؤية أفراد الأسرة، الجلوس في مساحة مفتوحة، التعرض للشمس، أو حتى الشعور بوجود مجتمع بشري من حوله.
وبحسب الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، حُرم عارف خلال سنوات احتجازه من عدد من الحقوق الأساسية، بينها التريض والتعرض لأشعة الشمس واستنشاق الهواء النقي والتواصل المنتظم مع أسرته.
حين تصبح الزيارة حلمًا
ربما يكون أكثر جوانب قصة أحمد عارف قسوة هو طول فترة حرمانه من رؤية أسرته.
فالسنوات التي تمر داخل السجن ليست مجرد أرقام بالنسبة إلى الأسرة؛ إذ يكبر الأبناء، ويتغير شكل الآباء والأمهات، ويمر الأقارب بأحداث الحياة من دون أن يكون السجين حاضرًا فيها.
سبع سنوات تقريبًا من دون زيارة، وفق التقارير الحقوقية، تعني أن عارف حُرم من واحدة من أبسط صور التواصل الإنساني بين السجين وأسرته.
وفي حالة الاحتجاز الطويل، لا تعود الزيارة مجرد امتياز، وإنما تصبح وسيلة أساسية للحفاظ على الروابط الأسرية والدعم النفسي، خصوصًا عندما تمتد سنوات السجن إلى ما يتجاوز بكثير المدة التي يتصورها الإنسان لحياته.
الحبس الانفرادي.. عقوبة داخل العقوبة
تثير مسألة الحبس الانفرادي المطول قلقًا خاصًا لدى المنظمات الحقوقية الدولية.
وتنص قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم "قواعد نيلسون مانديلا"، على أن الحبس الانفرادي المطول هو الحبس الذي يتجاوز 15 يومًا متتاليًا، وتحظر استخدامه في الحالات التي تتعارض مع المعايير المحددة في القواعد.
كما حذر خبراء أمميون في مناسبات مختلفة من الآثار النفسية والبدنية الخطيرة للعزل المطول، باعتباره من أكثر أشكال الاحتجاز قسوة عندما يستمر لفترات طويلة.
وفي حالة عارف، تقول تقارير حقوقية إن العزل لم يكن إجراءً قصير الأجل، وإنما امتد لسنوات، وهو ما يضع ظروف احتجازه في قلب الانتقادات الموجهة إلى سلطات الانقلاب بشأن معاملة السجناء السياسيين.
طبيب يقضي سنوات شبابه في السجن
خلف القضية السياسية والقضائية، توجد قصة إنسان يقضي سنوات طويلة من عمره بعيدًا عن حياته الطبيعية.
كان عارف طبيبًا يعمل في تخصص دقيق، وله نشاط نقابي واهتمامات علمية ودينية وسياسية، قبل أن تتحول حياته إلى سلسلة من السجون والمحاكمات.
ومع مرور 13 عامًا، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بمدة العقوبة أو بتفاصيل القضايا، وإنما بما تعنيه هذه السنوات من عمر ضائع خلف الأبواب المغلقة.
فالسجن الطويل يستهلك من الإنسان سنوات لا يمكن استعادتها، بينما تستمر الحياة خارجه بكل تغيراتها: أطفال يكبرون، آباء يهرمون، أصدقاء يبتعدون، وأحداث كثيرة تمر من دون مشاركة الشخص الذي يقضي أيامه في زنزانة.
مطالب حقوقية بالإفراج وتحسين ظروف الاحتجاز
بالتزامن مع الذكرى الثالثة عشرة لاعتقاله، طالبت "هيومن رايتس إيجيبت" بالإفراج عن أحمد عارف ما لم يكن احتجازه مستندًا إلى حكم نهائي صدر في محاكمة مستوفية لضمانات العدالة.
كما دعت إلى إنهاء الحبس الانفرادي المطول والقيود التي وصفتها بغير القانونية على الزيارة والتريض والتواصل مع الأسرة، وضمان حصوله على الرعاية الطبية وجميع حقوقه القانونية، إلى جانب فتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي أُبلغ عن تعرضه لها خلال سنوات احتجازه.
ودعت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان كذلك إلى منح عارف وغيره من المحتجزين حقوقهم الأساسية، وإعادة النظر في أوضاعهم بعيدًا عن ما وصفته بسياسة التنكيل السياسي.
13 عامًا.. وما زال الباب مغلقًا
في 22 أغسطس 2013 بدأت قصة أحمد عارف مع السجن.
وبعد 13 عامًا، لا تزال الزنزانة تختصر جانبًا كبيرًا من حياته.
ثلاثة عشر عامًا تعني أكثر من 4700 يوم تقريبًا خلف القضبان؛ سنوات طويلة من العمر، كان يمكن أن يعيش خلالها حياته كطبيب، ويعمل، ويلتقي أسرته، ويشارك في الحياة العامة، ويرى أبناءه وأصدقاءه، ويكبر بصورة طبيعية بعيدًا عن جدران السجن.
لكن ما ترويه التقارير الحقوقية عن سنوات العزل وحرمان الزيارة يجعل القضية تتجاوز مجرد رقم في سجل المعتقلين.
إنها قصة إنسان قضى جزءًا كبيرًا من شبابه داخل السجون، وظل، بعد كل هذه السنوات، ينتظر أن تصبح حقوقه الأساسية في التواصل مع أسرته والحصول على الرعاية والمعاملة الإنسانية أمرًا لا يحتاج إلى مطالبة.
وبينما تستمر القضايا والأحكام في السجلات الرسمية، تبقى خلفها حياة بشرية كاملة لا تظهر في أوراق المحاكم: طبيب غابت عنه عيادته، وأسرة غاب عنها أحد أفرادها، وإنسان مر عليه 13 عامًا وهو خلف القضبان.