مُفاضلة سِعرية أم قرار وطني؟ .. رفض ميناء الإسكندرية قبول عرض الإمارات بشركة تداول الحاويات

- ‎فيتقارير

الإمارات تستحوذ  على 57 %  من موانئ مصر
مع احتفال أبوظبي بأول "حاوية" من الكيان .. ميناء الإسكندرية يرفض بيع أسهمه للإمارات في ملف مشابه

تتجدد محاولات الإمارات للاستحواذ على شركة «الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع» والوصول بحصتها إلى 90%، في وقت تتمسك فيه الجهات الحكومية المصرية بحصصها وترفض بيعها، لتفتح الصفقة مجددًا باب التساؤلات حول دوافع هذا الإصرار وحجم التوسع الإماراتي في قطاع الموانئ والنقل البحري في مصر، وسط حديث متداول عن استحواذات إماراتية تشمل نحو 57% من الموانئ المصرية.

 

وأثار تجدد محاولات الجانب الإماراتي الاستحواذ على شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع حالة من الجدل والاندهاش بين المتابعين، في الوقت الذي تتمسك فيه الجهات الحكومية المصرية بحصتها وترفض بيع أسهمها.

 

ولماذا كل هذا الإصرار على الاستحواذ على الإسكندرية لتداول الحاويات؟، وما الذي يجعل الشركة وموقعها في الموانئ المصرية بهذه الأهمية بالنسبة للجانب الإماراتي؟

ريبة وتساؤل

وعبّر متابعون عن استغرابهم من تكرار محاولة الاستحواذ، معتبرين أن استمرار تقديم العروض رغم الرفض الحكومي يفتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول دوافع الصفقة.

 

وكتب أحد المتابعين في هذا السياق: "إصرار النتوء على الاستحواذ على الإسكندرية لتداول الحاويات مُثير للريبة والتساؤل»، في إشارة إلى ما يراه صاحب المنشور إصرارًا غير مفهوم على الوصول إلى السيطرة الكاملة على الشركة".

 

كما تداول متابعون عنوانًا يتساءل عن اتساع النفوذ الإماراتي في قطاع الموانئ المصرية، تحت صيغة: "بعد الإسكندرية للحاويات.. تقرير يكشف سيطرة الإمارات على 57% من موانئ مصر"، وهو ما يعكس انتقال النقاش من الصفقة نفسها إلى طبيعة الوجود الإماراتي الأوسع في قطاع النقل البحري واللوجستيات داخل مصر.

ووضع حساب حميد  @em_hameed علامات استفهام؛  حول أهمية الشركة للإمارات مركزا على أهمية شركة الإسكندرية لتداول الحاويات بالنسبة للجانب الإماراتي، معتبرًا أن اهتمام الإمارات بالشركة يثير الكثير من علامات الاستفهام؟!

 

وأشار في منشوره إلى ما نقلته القاهرة24 بشأن طلب الإمارات موافقة نهائية من الحكومة المصرية لشراء 90% من أسهم الشركة، لافتًا إلى أن الشركة تشغل محطتين رئيسيتين لتداول الحاويات، وتتعامل مع حجم كبير من حركة الحاويات في مصر.

 

ويعكس هذا الطرح سؤالًا حاضرًا بقوة في النقاش: هل تسعى الإمارات إلى الصفقة، بسبب العائد المالي للشركة فقط، أم لأن السيطرة عليها تمنحها أهمية إضافية في خريطة النقل البحري واللوجستيات في مصر؟

وقرأ محمد الشاهد @mhmd_shahed1 الصفقة من زاوية الموقع الجغرافي، معتبرًا أن محاولات الإمارات شراء شركة الإسكندرية لتداول الحاويات يجب فهمها في سياق أوسع يتعلق بخريطة وجود شركاتها المتخصصة في إدارة الموانئ وتداول الحاويات على ساحل جنوب البحر المتوسط.

 

وأشار إلى أن شركات الإمارات المتخصصة في هذا النشاط لا تملك حضورًا واسعًا على ساحل جنوب المتوسط، متحدثًا عن وجودها في ميناء الجزائر وجن جن بالجزائر، وميناء طرطوس السوري.

 

وفي منشور لاحق، أوضح أن موانئ أبوظبي موجودة في شرق بورسعيد عبر مجموعة (كيزاد) كمطور صناعي وتجاري، وفي جرجوب كمطور لوجستي، لكنه شدد على عدم وجود علاقة لذلك، بحسب طرحه، بإدارة الموانئ أو تداول الحاويات.

ويطرح الشاهد تساؤلًا حول أهمية الإسكندرية بالنسبة للجانب الإماراتي، معتبرًا أن السيطرة الكاملة على الشركة قد تسمح بضخ مزيد من الاستثمارات وإنعاش التشغيل في موقع يمكن أن يخدم المصالح اللوجستية الإماراتية ويتكامل مع أعمالها في السخنة على البحر الأحمر.

 

السيطرة الكاملة؟

 

وأوضح @mhmd_shahed1 في منشور آخر، أن حصة مصر في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات تبلغ تقريبًا 43%، وأن الإدارة التنفيذية للشركة مصرية وتشارك في إدارتها.

 

ومن وجهة نظره، فإن رغبة الجانب الإماراتي في السيطرة الكاملة لا تتعلق بمجرد امتلاك حصة مؤثرة، وإنما بإمكانية امتلاك السيطرة الكاملة على الشركة وتوجيه استثماراتها وتشغيلها.

 

هذا الطرح فتح بابًا آخر للنقاش بين المتابعين حول الفرق بين امتلاك حصة استثمارية كبيرة وبين امتلاك السيطرة الكاملة على أصل مرتبط بقطاع استراتيجي مثل الموانئ والنقل البحري.

 

تكرار لافت للمحاولات

وركز حساب منصة متصدقش @matsda2sh على التسلسل الزمني لمحاولات الاستحواذ، مشيرًا إلى أن شركة "بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدنج ليميتد" الإماراتية، المالكة لـ 19.32% من أسهم الشركة، سعت إلى الاستحواذ على 90% من أسهم الإسكندرية لتداول الحاويات.

 

وأشار الحساب إلى أن الشركة تلقت في 3 سبتمبر 2026 خطابات رسمية من مساهميها الحكوميين، الشركة القابضة للنقل البحري والبري والهيئة العامة لميناء الإسكندرية، تتضمن رفض عرض الشراء الإجباري المحتمل.

 

وأعاد الحساب التذكير بأن هذه ليست المحاولة الأولى، مشيرًا إلى عرض سابق في يونيو 2026، فضلًا عن محاولة سابقة في ديسمبر 2025.

 

وهنا برزت حالة من الدهشة لدى المتابعين من تكرار المحاولة خلال فترة زمنية قصيرة، وما إذا كان ذلك يعكس تمسك الجانب الإماراتي بأهمية الشركة، أو اعتقاده بأن الوصول إلى اتفاق بشأن الحصة الحكومية ما زال ممكنًا.

ومن اللافت بحسب المنصة  للنظر أنه في تداولات الأحد الماضي بالبورصة، جرى تداول سهم شركة الإسكندرية لتداول الحاويات عند سعر 29.10 جنيها، أي أعلى بنحو 5.9% من سعر العرض الذي قدمه الجانب الإماراتي.

 

وهذا الفارق السعري يعكس توقعات السوق باحتمالية رفض الحكومة، أو أنها لن تتنازل عن حصتها الاستراتيجية بهذا السعر 27.47 جنيه للسهم الواحد، وأنها قد تطلب سعرًا أعلى يعكس القيمة المستقبلية للشركة.

وتُعد "الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع" ضمن قائمة أكبر 50 شركة مدرجة في مصر من حيث القيمة السوقية، حيث تبلغ قيمتها نحو 1.56 مليار دولار، لتأتي في المركز الحادي عشر.

وحجم هذه القيمة الضخمة، يكفي أن نعلم أنها تتخطى القيمة السوقية لشركات ومؤسسات كبرى مثل: "فوري"، و"أوراسكوم للإنشاءات"، و"أوراسكوم للتنمية"، و"جهينة"، و"النساجون الشرقيون"، بالإضافة إلى نحو 7 بنوك عاملة في السوق #المصري."

 

لماذا الإسكندرية تحديدًا؟

 

وينظر المتابعون إلى الملف من زاوية استراتيجية يرون أن الإسكندرية ليست مجرد شركة مدرجة في البورصة، وإنما بوابة رئيسية لحركة التجارة المصرية على البحر المتوسط.

 

ويتساءل البعض عما إذا كانت أهمية الشركة بالنسبة للإمارات مرتبطة بموقعها وقدرتها على خدمة شبكة أوسع من الأنشطة البحرية واللوجستية التي تمتلكها الإمارات في المنطقة.

ويرى آخرون أن الأمر يمكن تفسيره باعتباره استثمارًا اقتصاديًا بحتًا، خصوصًا في ظل الأداء المالي القوي للشركة وارتفاع قيمة أسهمها والأرباح التي حققتها خلال السنوات الماضية.

وانتقل النقاش لدى حساب زين @zin66j إلى زاوية سياسية وإقليمية أكثر حساسية، بعدما تناول ما وصفه باستقبال ميناء جبل علي في الإمارات لحاوية بضائع إسرائيلية.

 

وكتب: "عندما احتفل الإخوة في الإمارات 🇦🇪 باستقبال "حاوية" بضائع إسرائيلية، معتبرا أن الرسالة واضحة: "سنحتفل ونحتفل بأي شيء قادم من هناك ( 🇮🇱 ) فقط لنثبت لهم ولاءنا".

 

https://x.com/zin66j/status/2018709598954238097

 

ويعكس جانبًا من النقاش الذي يحاول ربط النشاط الإماراتي في الموانئ بحركة التجارة مع "إسرائيل".

 

كما تداولت منصات وحسابات تخزين بضائع "إسرائيلية" في ميناء جبل علي وإعادة توزيعها، بل وذهبت إلى الحديث عن تغيير العلامات التجارية والبار كودات، وهذه ادعاءات وردت في المنشورات المتداولة، ولا ينبغي عرضها باعتبارها وقائع مثبتة من دون أدلة مستقلة عليها.

الأصول الاستراتيجية

السعر أو عدد الأسهم التي تريد الإمارات شراءها، ليس محور النقاش وإنما أصبح يتجه إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة الأصول التي تحتفظ بها الدولة المصرية، وما إذا كان من الأفضل الاحتفاظ بحصة حكومية مؤثرة في الشركات المرتبطة بالموانئ والنقل البحري.

 

ويفسر هذا الجانب من النقاش سبب اهتمام المتابعين برفض الجهات الحكومية المصرية بيع حصتها، خصوصًا أن الوصول إلى نسبة 90% سيعني انتقال الجزء الأكبر من الملكية إلى الجانب الإماراتي.

 

وفي المقابل، يرى مؤيدو الصفقة أن دخول مستثمر إماراتي كبير قد يعني مزيدًا من الاستثمارات والتوسع ورفع كفاءة التشغيل والاستفادة من الموقع الجغرافي للإسكندرية، وهو ما يجعل الخلاف في جوهره متعلقًا بالسؤال عن أولوية الاستثمار والعائد الاقتصادي مقابل الاحتفاظ بالملكية والسيطرة على الأصول الاستراتيجية.

وأكثر ما يثير دهشة المتابعين ليس مجرد امتلاك الإمارات حصة مؤثرة في الشركة، وإنما الرغبة في الانتقال من هذه الحصة إلى السيطرة شبه الكاملة عليها، وما إذا كان ذلك جزءًا من توسع استثماري ولوجستي طبيعي، أم خطوة ضمن استراتيجية أوسع للسيطرة على مفاصل رئيسية في قطاع النقل البحري والموانئ المصرية.

وللمرة الثانية خلال أقل من 6 أشهر، تقدمت يوم الخميس 11 يونيو 2026 شركة "بلاك كاسبيان لوجيستيكس هولدينج ليمتد" الإماراتية، التابعة لـ"مجموعة موانئ أبوظبي"، بعرض للاستحواذ على النسبة المكملة لـ90% من أسهم شركة "الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع"، مستهدفةً بذلك الاستحواذ على حصة الحكومة التي تبلغ نحو 43%.

وكانت "موانئ أبوظبي"، التابعة لشركة #أبوظبي القابضة (ADQ) – أحد الصناديق السيادية الإماراتية ــ امتلكت في نوفمبر 2025 حصة الأغلبية في "الإسكندرية للحاويات"، وذلك بعد شرائها حصة الصندوق السيادي السعودي البالغة 19.3% بقيمة 13.2 مليار جنيه، لتصبح صاحبة نصيب الأغلبية بنحو 51% من أسهم الشركة.

وبعد الصفقة التي مكنتها من السيطرة الإدارية على أكبر شركة لتداول الحاويات في البلاد، تقدمت بعرض شراء إجباري في ديسمبر 2025، مقابل 22.99 جنيها للسهم!!

وجاء استحواذ أبوظبي القابضة على حصة أغلبية في الإسكندرية لتداول الحاويات، والذي بدأ في أبريل 2022 مع شراء من الحكومة المصرية حصة 32٪ من “الإسكندرية للحاويات” مقابل 186 مليون دولار أمريكي.

والتغير الأكبر الذي حدث ومكّن أبوظبي من السيطرة الإدارية، وجعل الحكومة المصرية تملك أقلية، هي عندما قامت بشراء حصة 19.3% بقيمة 13.2 مليار جنيه من الصندوق السعودي في نوفمبر 2025، مكملًا لنفوذ الإمارات في أنشطة النقل البحري في مصر.

وتأسست شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع ككيان استراتيجي في قطاع النقل البحري المصري؛ عام 1984، وأُدرجت في البورصة المصرية عام 1995، كأول شركة متخصصة في تداول الحاويات في مصر؛ إذ تدير محطتين رئيسيتين على البحر الأبيض المتوسط داخل مينائي الإسكندرية والدخيلة، توفر المحطتان اللتان تديرها “الإسكندرية للحاويات” سعة إجمالية تصل إلى 1.5 مليون حاوية مكافئة سنويًا.

الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أشار إلى أن مينائي الإسكندرية والدخيلة كانا أكبر ممرَّين للتجارة الخارجية المصرية؛ إذ استحوذا وحدهما على 37.4% من إجمالي حجم الصادرات في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، و42.6% من إجمالي الواردات خلال تلك الفترة.