قانون المحليات .. تجمّيد حكومي وسط خلافات حول الانتخابات وتعديلات دستورية محتملة

- ‎فيتقارير

كشفت إفادات أربعة مصادر برلمانية بمجلس النواب، بينهم ثلاثة أعضاء في تشكيل مكتب لجنة الإدارة المحلية، عن اتجاه إلى تجميد مناقشات مشروع قانون الإدارة المحلية المقدم من الحكومة، وعدم إدراجه ضمن أولويات اللجنة التشريعية خلال دور الانعقاد الجديد المقرر أن يبدأ في الأسبوع الأول من أكتوبر المقبل.

وبحسب المصادر، فإن مشروع القانون، الذي ظل حبيس أروقة البرلمان لنحو عقد، يواجه خلافات واسعة تتعلق بنظام انتخاب المجالس المحلية، وصلاحياتها الرقابية، وآلية اختيار المحافظين، فضلًا عن ارتباط بعض مواده بتعديلات محتملة على الدستور.

تعليمات حزبية بتجميد القانون

وقال عضو بالهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: "إن أعضاء الهيئة يتلقون بصورة دورية رسائل عبر مجموعة خاصة على تطبيق "واتساب"، تتضمن مستجدات أنشطة الحزب وخطته التشريعية والرقابية داخل مجلسي النواب والشيوخ".

وأضاف أن النواب تلقوا، قبل أيام، رسالة من رئيس الهيئة البرلمانية للحزب أحمد عبد الجواد، تفيد بتجميد مناقشات مشروع قانون الإدارة المحلية المقدم من الحكومة إلى أجل غير مسمى، من دون توضيح الأسباب بصورة مباشرة.

وفي السياق ذاته، قال نائب آخر عن حزب مستقبل وطن وعضو بلجنة الإدارة المحلية: "إن هناك تنسيقًا بين حزب الأغلبية وهيئات الأحزاب الرئيسية الممثلة في البرلمان من جهة، والحكومة ممثلة في وزارة الشؤون النيابية من جهة أخرى، بشأن تحديد أولويات الأجندة التشريعية لكل لجنة مع بداية دور الانعقاد".

ورجح النائب أن القانون لن يرى النور في المستقبل القريب، في ظل حاجته إلى مزيد من المناقشات بشأن عدد كبير من مواده.

كما رجح مصدران آخران، أحدهما عضو بحزب حماة الوطن، عدم صدور القانون بصيغته النهائية قبل عام 2028، مرجعين ذلك إلى ارتباط بعض المقترحات بتعديلات محتملة على مواد الإدارة المحلية في الدستور.

في المقابل، قلل نائبان من حزب مستقبل وطن من أهمية الربط بين قانون المحليات والتعديلات الدستورية، مؤكدين أن الحديث عن طبيعة تلك التعديلات لا يزال سابقًا لأوانه.

مشروع عمره عشر سنوات

وتعود أزمة قانون الإدارة المحلية إلى عام 2016، عندما طُرح المشروع لأول مرة أمام البرلمان في عهد حكومة رئيس الوزراء الراحل شريف إسماعيل، قبل أن يعاد تقديمه لاحقًا من دون إدخال تعديلات جوهرية، وفق أحد المصادر البرلمانية.

وبحسب المصدر، تتمسك الحكومة في مشروعها بمنح مجلس الوزراء سلطة حل المجالس المحلية المنتخبة، إلى جانب استمرار تعيين المحافظين بقرار من رئيس الجمهورية بدلًا من انتخابهم.

ويثير ذلك جدلًا بشأن مدى توافق المشروع مع فلسفة الدستور الحالي، الذي خصص فصلًا كاملًا للإدارة المحلية، ونص على انتخاب المجالس المحلية ومنحها اختصاصات رقابية وتنفيذية أوسع.

وكانت المادة 242 من الدستور قد ألزمت الدولة بإصدار قانون جديد للإدارة المحلية خلال خمس سنوات من تاريخ العمل بالدستور عام 2014، وهو الموعد الذي تجاوزته الحكومة بسنوات.

خلاف حول نظام انتخاب المجالس المحلية

ومن أبرز نقاط الخلاف نظام انتخاب أعضاء المجالس المحلية؛ إذ ينص مشروع الحكومة على انتخاب ما لا يقل عن 75% من المقاعد بنظام القائمة المغلقة، بينما تذهب النسبة المتبقية، وقدرها 25%، إلى النظام الفردي.

ولا يتضمن المشروع، بحسب المصادر، الأخذ بنظام القائمة النسبية، وهو أحد المطالب التي طرحت خلال جلسات الحوار الوطني، التي رفعت توصياتها إلى رئيس الجمهورية في أغسطس 2023.

وتضمنت توصيات الحوار الوطني مقترحات لمنح نسبة من المقاعد لنظام القائمة النسبية المنقوصة، إلى جانب توسيع تعريف "العامل والفلاح" عند الترشح للمجالس المحلية، ووضع أدوات رقابية أكثر فاعلية، من بينها السؤال والاستجواب.

وكان ثلاثة نواب قد تقدموا بمشروعات قوانين موازية للمشروع الحكومي، وهم محمد عطية الفيومي عن حزب الحرية المصري، وعمرو درويش عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، وسحر عتمان عن حزب العدل.

السيسي يطالب بالاستعداد للانتخابات

ويأتي تجميد مناقشات القانون في وقت سبق أن وجه فيه عبد الفتاح السيسي الحكومة بالعمل على تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، فضلًا عن "الانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية"، بما قال إنه يعزز المشاركة الشعبية ودور المواطنين في الإدارة المحلية.

لكن مصادر برلمانية ترى أن الإجراءات الفعلية على الأرض لا تعكس استعدادًا قريبًا لإجراء الانتخابات.

لجنة فرعية.. اجتماع واحد خلال أشهر

وكشف أحد المصادر أن اللجنة الفرعية المشكلة لدراسة مشروع قانون الإدارة المحلية، برئاسة المستشار علاء الدين فؤاد، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، لم تعقد سوى اجتماع واحد منذ تشكيلها في 6 أبريل 2026.

وعقد الاجتماع الوحيد في 22 يونيو الماضي بحضور وزيرة التنمية المحلية الدكتورة منال عوض، بينما تضم اللجنة ممثلين عن لجان مختصة بمجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب ممثلين عن وزارات التنمية المحلية والإسكان والداخلية والعدل والمالية والتخطيط.

وبحسب المصدر، لم تلتزم اللجنة بالجدول الدوري المحدد لاجتماعاتها، والذي يقضي بانعقادها مرة واحدة على الأقل شهريًا، تمهيدًا لإعداد تقرير بشأن مشروع القانون ورفعه إلى لجنة الإدارة المحلية.

ويرى المصدر أن تجميد المناقشات كان متوقعًا، في ظل اعتراضات نيابية وحزبية واسعة على عدد من مواد المشروع، وفي مقدمتها نظام انتخاب المجالس المحلية، واستمرار تبعية المدن الجديدة لهيئة المجتمعات العمرانية التابعة لوزارة الإسكان، بما يحد من الرقابة المحلية عليها.

كما تشمل الخلافات تعريف "العامل والفلاح"، خاصة مع حظر المشروع ترشح حملة المؤهلات العليا للمقاعد المخصصة لهاتين الفئتين، والتي تمثل 50% من إجمالي المقاعد.

جدل حول تعريف العامل والفلاح

ويعرّف مشروع القانون "العامل" بأنه الشخص الذي يعتمد بصورة رئيسية في دخله على عمله اليدوي، بشرط ألا يكون منضمًا إلى نقابة مهنية أو مقيدًا في السجل التجاري أو من حملة المؤهلات العليا.

أما "الفلاح"، فيعرّفه المشروع بأنه من تكون الزراعة عمله الوحيد ومصدر رزقه الرئيسي لمدة لا تقل عن عشر سنوات سابقة على الترشح، شريطة ألا تتجاوز حيازته الزراعية، هو وزوجته وأولاده القصر، عشرة أفدنة، سواء كانت ملكًا أو إيجارًا.

ويرى النائب أحمد عبد المعبود، أمين سر لجنة الإدارة المحلية، أن مشروع الحكومة لم يراعِ كذلك النسب الدستورية المقررة لتمثيل الشباب والمرأة، بواقع 25% من المقاعد لكل فئة، فضلًا عن عدم مواكبته التحولات التي شهدها المجتمع خلال السنوات العشر الماضية.

وأكد عبد المعبود أن اللجنة الفرعية تسعى إلى الوصول إلى صيغة توافقية للقانون، تحقق تطلعات المواطنين وتضمن إمكانية تطبيق أحكامه بكفاءة.

غياب المجالس المحلية منذ 2011

وتعود آخر انتخابات للمجالس المحلية في مصر إلى عام 2008، قبل أن تُحل المجالس بموجب حكم صادر عن محكمة القضاء الإداري في يونيو 2011، عقب ثورة 25 يناير.

ومنذ ذلك الوقت، ظلت المحليات المنتخبة غائبة عن المشهد، في وقت تحمل فيه أعضاء مجلس النواب جانبًا متزايدًا من مطالب المواطنين المتعلقة بالخدمات والمرافق والبنية التحتية، وهو ما ينعكس على تفرغ النواب لأدوارهم الأساسية في التشريع والرقابة.

وفي دراسة سابقة، انتقدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة حقوقية مستقلة، مشروعات قوانين الإدارة المحلية المقدمة من الحكومة والنواب، معتبرة أنها تتبنى رؤية شديدة المركزية للإدارة المحلية ولا تستفيد بصورة كافية من الصلاحيات التي أتاحها الدستور.

وأشارت المبادرة إلى أن مشروعات القوانين تعيد إنتاج جوانب من قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979، خصوصًا فيما يتعلق بتعيين المحافظين بقرار من رئيس الجمهورية واعتبارهم ممثلين للسلطة التنفيذية في المحافظات.

كما انتقدت عدم منح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات حقيقية لمحاسبة المحافظين، واقترحت اختيار المحافظين بالانتخاب بصورة تدريجية، مع تمكين المجالس المحلية من ممارسة الرقابة عليهم، بما في ذلك سحب الثقة بعد استجواب علني.

الحكومة ترفض القائمة النسبية

وفي تطور آخر، قال مصدر مطلع في وزارة الدولة لشؤون المجالس النيابية: "إن الحكومة ترفض بصورة كاملة إدخال نظام القائمة النسبية في انتخابات المجالس المحلية، بأي نسبة كانت.".

وأوضح المصدر أن رؤية الحكومة تقوم على استخدام القوائم المغلقة لتحقيق النسب الدستورية الخاصة بتمثيل الشباب والمرأة، مع تخصيص 75% من المقاعد للقوائم و25% للنظام الفردي.

وأضاف أن الحكومة ترى أن نظام القائمة النسبية قد يسمح بدخول عدد أكبر من المعارضين إلى المجالس المحلية، في ظل ضخامة عدد أعضاء المجالس المحلية على مستوى المحافظات، والذي يقدر بنحو 55 ألف عضو.

ويقول المصدر: "إن نظام القوائم المغلقة يضمن قدرًا أكبر من التنسيق المسبق بين الأحزاب الممثلة في البرلمان، بينما قد يؤدي النظام النسبي إلى فتح المجال أمام تيارات سياسية جديدة.".

غياب الإرادة السياسية

وفي المقابل، قال نائب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، رفض الكشف عن اسمه، "إن غياب المجالس المحلية لا يرتبط فقط بالخلافات الفنية حول القانون، وإنما يعكس، من وجهة نظره، غياب الإرادة السياسية لإجراء الانتخابات.".

ووصف النائب التصريحات الرسمية المتكررة حول قرب إجراء الانتخابات بأنها موجهة للاستهلاك الإعلامي، مشيرًا إلى أن الأحزاب المهيمنة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، تدرك صعوبة السيطرة على عشرات الآلاف من المرشحين في مختلف المحافظات وضمان ولائهم السياسي.

وأضاف أن الموازنة العامة للدولة لا تتضمن مخصصات واضحة لإجراء الانتخابات المحلية، وهو ما يرى أنه يمثل مؤشرًا إضافيًا على عدم وجود استعداد فعلي لإجرائها قريبًا.

هل ترتبط المحليات بتعديلات دستورية؟

وتتجاوز أزمة قانون الإدارة المحلية حدود الخلاف التشريعي، لتلامس ملفًا سياسيًا أكثر حساسية يتعلق باحتمالات تعديل الدستور.

وقال النائب: "إن مؤشرات تعديل الدستور بدأت في الظهور بالتزامن مع توجيهات السيسي للحكومة بإعداد تقرير شامل عن إنجازات الدولة في مختلف القطاعات وعرضه على المواطنين، وسط تصاعد الانتقادات الإعلامية للمشروعات والسياسات الحكومية.".

وتوقع أن يشهد العام المقبل تحركًا إعلاميًا وسياسيًا مكثفًا باتجاه تعديل الدستور، تحت مبررات تتعلق بالحفاظ على الاستقرار في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية المضطربة في المنطقة.

وأشار إلى أن أعضاء البرلمان لا يعرفون حتى الآن طبيعة التعديلات المحتملة، وسط حديث عن إعداد مقترحات داخل دائرة قانونية محدودة في مؤسسة الرئاسة.

وبحسب النائب، لا تزال التساؤلات قائمة حول ما إذا كانت أي تعديلات مقبلة ستتعلق فقط بملفات دستورية محددة، أم قد تمتد إلى المواد الخاصة بمدد الرئاسة وإعادة الانتخاب.

وكانت مصر قد أجرت تعديلات دستورية عام 2019، تضمنت تمديد مدة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، مع إتاحة إعادة انتخاب الرئيس الحالي لمرة إضافية.

وتضع المادة 226 من الدستور قيودًا على تعديل بعض النصوص الدستورية، من بينها النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية ومبادئ الحرية والمساواة، إلا إذا كان التعديل يهدف إلى تقديم مزيد من الضمانات.

قانون مؤجّل.. وانتخابات غائبة

وبينما تواصل الحكومة الإعلان عن استعدادها لاستكمال إجراءات انتخابات المجالس المحلية، تكشف المعطيات البرلمانية عن مسار مختلف، عنوانه الأساسي استمرار الخلافات وتعثر المناقشات وتجميد المشروع.

وبعد نحو 15 عامًا من غياب المجالس المحلية المنتخبة، لا يبدو أن العقبة أمام عودتها تقتصر على صياغة قانون جديد، وإنما تمتد إلى خلافات أعمق بشأن شكل الإدارة المحلية، وحدود السلطة المركزية، وطبيعة الرقابة الشعبية، ونظام الانتخاب الذي سيحدد تركيبة نحو 55 ألف مقعد محلي.

وفي ظل استمرار هذه الخلافات، يبقى موعد عودة المجالس المحلية إلى المشهد المصري مفتوحًا، بينما يظل مشروع القانون، الذي بدأ رحلته التشريعية قبل نحو عقد، عالقًا بين البرلمان والحكومة والخلافات السياسية والدستورية.