نزاعات المشروعات إلى تحكيم لاهاي.. “بيزنس” وعراقيل سياسية أمام العقاريين من «الديار» إلى هاشم المحضار

- ‎فيتقارير

على مدى سنوات، تعددت شكاوى شركات ومستثمرين يعملون في قطاعات العقارات والإنشاءات والسياحة في مصر من تأخر المشروعات، وتعقيدات تخصيص الأراضي، وتأخر الموافقات، والرسوم والغرامات، وتغير شروط التنفيذ، وهي نزاعات لم تبق جميعها في إطار العلاقة التعاقدية بين المستثمر والجهة الحكومية، بل وصل بعضها إلى القضاء المصري، بينما انتقل بعضها الآخر إلى ساحات التحكيم الدولي.

 

وتبرز شركة الديار القطرية باعتبارها واحدة من أكثر الحالات وضوحاً في هذا السياق؛ فالشركة التي دخلت السوق المصرية منذ 2006 واجهت على مدار سنوات سلسلة من النزاعات حول مشروعات كبيرة في القاهرة والبحر الأحمر، قبل أن تنتقل في السنوات الأخيرة إلى مرحلة جديدة من الشراكات والتوسع.

 

وفي حالة أخرى أكثر ضخامة من حيث القيمة المالية للمطالبات، أقام المستثمر السعودي هاشم المحضار وأفراد من عائلته دعوى تحكيم ضد الدولة المصرية، على خلفية نزاع يتعلق باستثمارات في مشروعات إنشائية داخل مصر، وطالبوا بتعويضات تجاوزت 34 مليار دولار، قبل أن تقضي هيئة التحكيم في لاهاي في سبتمبر 2026 بعدم اختصاصها بنظر الدعوى.

 

وتكشف الحالتان، رغم اختلافهما، عن مسار متكرر في النزاعات الاستثمارية: مشروع يتعطل، ومستثمر يشكو من إجراءات أو قرارات حكومية، والحكومة تحمل المستثمر مسؤولية التأخير أو عدم الالتزام، ثم ينتقل النزاع من التفاوض والتسوية إلى القضاء أو التحكيم.

 

18 عاماً من الاستثمار

والديار القطرية الذراع العقارية لجهاز قطر للاستثمار، توسعت محفظتها لاحقاً لتشمل القاهرة والقاهرة الجديدة والبحر الأحمر والساحل الشمالي.

 

وتقول الشركة في بياناتها الرسمية: "إن محفظتها المصرية تشمل مشروعات تتجاوز مساحتها الإجمالية 40 مليون متر مربع، من بينها سيتي جيت  في القاهرة الجديدة وفندق سانت ريجيس -القاهرة، ومشروعات أخرى في البحر الأحمر والساحل الشمالي".

سيتي جيت

وسيتي جيت، الذي بدأ تحت اسم "بوابة الشرق"، أبرز هذه الملفات وأكثرها تعقيداً، فقد حصلت شركة "بروة" القطرية في 2007 على نحو 1980 فداناً في القاهرة الجديدة مقابل نحو 6.1 مليار جنيه، قبل أن تزيد المساحة إلى نحو 2020 فداناً.

 

وكانت "بروة" مرتبطة بالديار القطرية، قبل أن تستحوذ الديار عليها بالكامل في 2014، لتصبح مشروعاتها جزءاً من محفظة الديار.

 

وفي أبريل 2013، خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي، توصلت "بروة" إلى تسوية مع وزارة الإسكان بشأن المخطط التفصيلي لأجزاء من المشروع، وتضمن الاتفاق سداد مبالغ متبقية من قيمة الأرض وتمديد فترة تنفيذ المشروع.

 

لكن بعد تغير المشهد السياسي في مصر عام 2013، وعبد الفتاح السيسي في 2014، دخلت مشروعات الديار مرحلة أكثر توتراً.

 

غرامة تأخير

في يونيو 2016، طالبت هيئة المجتمعات العمرانية شركة "بوابة الشرق"، التابعة للديار والمالكة لمشروع "سيتي جيت"، بسداد نحو 1.379 مليار جنيه، على خلفية تغيير هيكل الملكية دون إخطار الهيئة، بحسب ما أوردته تقارير صحفية في ذلك الوقت، ورفضت الشركة المطالبة ولجأت إلى القضاء الإداري.

 

وفي يوليو 2020، قضت محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار الهيئة المتعلق بالمطالبة المالية، وفق ما أوردته التقارير الصحفية عن الحكم.

لكن الجانب الآخر من الملف كان يتعلق بالتنفيذ نفسه. وبحسب ما نشرته «الشروق» في 2016، كانت نسبة التنفيذ في "سيتي جيت" منخفضة للغاية مقارنة بالجدول المتفق عليه، الأمر الذي دفع الجهات الحكومية إلى بحث إمكانية إعادة تقييم الأرض أو استقطاع جزء منها وفقاً للعقد.

التهديد بسحب الأرض

في أغسطس 2016، أفادت "البورصة" بأن الديار كانت تبحث عن مخرج من أزمة "سيتي جيت"، وأنها عرضت إدخال مطور عقاري مصري كبير كشريك بحصة حاكمة، على أن يتولى استكمال المشروع، وفي تلك الفترة كانت العلاقة المصرية القطرية تمر بمرحلة توتر سياسي حاد، وهو ما جعل مستقبل استثمارات الديار في مصر أكثر تعقيداً.

 

وبحسب ما أوردته المصري اليوم" في أكتوبر 2016، بحثت الشركة اللجوء إلى التحكيم الدولي ضد مصر، بينما جرت محاولات حكومية لمنع تصعيد النزاع إلى هذا المستوى، لكن الديار لم تمض في هذا المسار في ذلك الوقت، وبدلاً من ذلك، استمرت سلسلة المفاوضات والتسويات، قبل أن تعود الشركة لاحقاً إلى السوق المصرية بقوة أكبر.

 

وتعقد ملف «سيتي جيت» بسبب تطورات أمنية شهدها موقع المشروع. وبحسب خطاب أرسلته "الديار" إلى عملائها في أغسطس 2016، تعرض موقع المشروع لسيطرة مجموعة مسلحة منذ مايو 2015، ودعت الشركة العملاء إلى عدم التوجه إلى الموقع حفاظاً على سلامتهم.

 

وفي أغسطس 2016 قتل وكيل نيابة الظاهر محمد يحيى الأخرس وأصيب ضابط شرطة في واقعة إطلاق نار أمام منطقة المشروع، وفق ما أوردته الصحف المصرية في ذلك الوقت.

 

ونقلت وسائل إعلام عن أسرة وكيل النيابة اتهامات بشأن ظروف الواقعة، وهكذا أصبحت الديار أمام مشكلة مركبة: خلافات تعاقدية وإدارية من جهة، ومشكلات أمنية داخل موقع المشروع من جهة أخرى.

وفي مرحلة لاحقة، دخلت شركة (أورا) المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس في مفاوضات مع الديار للاستحواذ على حصة حاكمة في الشركة المالكة لـ"سيتي جيت"، لكن المفاوضات لم تكتمل.

 

وبدلاً من التخارج النهائي، دخلت الديار لاحقاً في شراكة مع العرجاني جروب، وفي يونيو 2024 أعلنت الشركتان اتفاق شراكة استراتيجية لتطوير سيتي جيت، إلى جانب مشروعات أخرى تشمل البرج السكني في سانت ريجيس" ومشروعات فندقية في شرم الشيخ والغردقة.

 

وكان الاتفاق بمثابة تحول كبير في مسار المشروع: فبدلاً من الحديث عن سحب الأرض أو تخارج المستثمر، أصبح الحديث عن شريك محلي وتوسيع النشاط وتسريع التطوير.

 

تغير العلاقة بعد 2013

 

بحسب تقرير نشره حساب متصدقش  (@matsda2sh)، واجهت مشروعات الديار بعد 2014 سلسلة من الإجراءات والمطالبات الحكومية، شملت بحث سحب أراضٍ وتأخر التنفيذ وغرامات ومشكلات في الحصول على الموافقات.

 

ويشير التقرير إلى أن الخلاف لم يكن مقتصراً على سيتي جيت، بل امتد إلى مشروع الشركة في الغردقة وفندق سانت ريجيس ومشروعات أخرى.

 

وتنقل المادة المنشورة عن "متصدقش" أن صحيفة "المصري اليوم" كانت قد نشرت في أغسطس 2014 تقريراً حول أرض مشروع الديار في الغردقة، مشيرة إلى أن مساحة الأرض تبلغ نحو 29 مليون متر مربع.

 

كما نقل التقرير عن الصحيفة أن جهات حكومية وأمنية كانت تنظر في وضع الأرض في ظل التوتر السياسي بين القاهرة والدوحة في تلك الفترة.

الغردقة تعود إلى الواجهة في 2026

 

كان مشروع الغردقة أحد الملفات التي واجهت تأخراً طويلاً، وتشير التقارير التي تناولت المشروع إلى أن الديار تعاقدت على الأرض في 2006، إلا أن التنفيذ لم يتحول إلى مشروع فعلي على النحو المخطط له إلا بعد سنوات طويلة من الإجراءات والموافقات.

 

وفي 2026 عادت الأرض نفسها إلى الواجهة، بعدما أفادت تقارير بأن الديار تستعد لتسلم نحو 29 مليون متر مربع في الغردقة، لبدء تنفيذ مشروع سياحي متكامل.

 

وبحسب ما نقلته "الشرق بلومبرج" عن مصادر مطلعة، فإن المشروع يمتد على مساحة تقارب 7 آلاف فدان، ويشمل منشآت سياحية ووحدات فندقية وسكنية، على أن يبدأ تنفيذ المرحلة الأولى بعد استكمال إجراءات التسليم.

"سانت ريجيس" والغرامة

وفي مشروع فندق "سانت ريجيس القاهرة"، واجهت الديار خلافاً مع محافظة القاهرة بشأن الرسوم والتراخيص وتغيير النشاط، وفي 2017، أفادت تقارير صحفية بأن المحافظة فرضت غرامة بلغت نحو 350 مليون جنيه، إلى جانب رسوم أخرى، بدعوى تغيير النشاط من إداري وتجاري إلى فندقي دون الحصول على الموافقات اللازمة.

 

واعترضت الديار على الغرامة وتقدمت بشكوى إلى لجنة فض المنازعات، وبحسب ما نقلته التقارير، أدى الخلاف حول التراخيص والموافقات إلى تأخير توصيل الكهرباء إلى الفندق، الذي كان من المقرر افتتاحه قبل سنوات. لكن المشروع انتهى في النهاية إلى التشغيل.

 

وأعلنت الديار افتتاح "سانت ريجيس القاهرة" في يناير 2021، في تطور عكس قدرة بعض مشروعات الشركة على تجاوز سنوات النزاع والتأخير والوصول في النهاية إلى مرحلة التشغيل.

المصالحة مع قطر

صفحة جديدة، جاءت بعد تغير البيئة السياسية بين القاهرة والدوحة، ففي الشهر نفسه يناير 2021 وقعت مصر والسعودية والإمارات والبحرين بيان العلا، الذي أنهى مرحلة المقاطعة الخليجية لقطر وفتح الباب أمام عودة العلاقات.

 

وفي الفترة نفسها تقريباً افتتح فندق  "سانت ريجيس القاهرة، في إشارة إلى عودة مشروعات الديار إلى النشاط، ثم حصلت "سيتي جيت" على تمديدات جديدة للجدول الزمني للتنفيذ.

 

وفي نوفمبر 2022 منحت هيئة المجتمعات العمرانية الشركة مهلة إضافية بلغت ثماني سنوات لاستكمال المشروع، وفق ما أوردته تقارير صحفية، وكانت هذه الخطوة بمثابة إعادة تشغيل للمشروع بدلاً من إنهائه أو سحب الأرض.

نزاع مشروع علم الروم

وفي نوفمبر 2025 وقعت الديار القطرية وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة اتفاقية لتطوير منطقة سملا وعلم الروم بالساحل الشمالي الغربي، وتبلغ مساحة المشروع نحو 4900 فدان، أي ما يقارب 20.5 مليون متر مربع، وتمتد واجهته البحرية لنحو 7.2 كيلومترات، وأعلنت الحكومة أن الاستثمارات المستهدفة للمشروع تصل إلى نحو 29.7 مليار دولار.

 

لكن من المهم عدم وصف هذا الرقم بأنه ثمن نقدي دفعته الديار مقابل الأرض؛ فهو يمثل إجمالي الاستثمارات المستهدفة للمشروع على مدار سنوات التطوير.

 

وبحسب البيانات الحكومية، يتضمن الاتفاق مكوناً نقدياً قدره 3.5 مليار دولار، إلى جانب مقابل عيني، فيما تحصل هيئة المجتمعات العمرانية على 15% من صافي أرباح المشروع بعد استرداد التكاليف الاستثمارية وفق الصيغة المعلنة.

 

وفي أغسطس 2026 أعلنت الديار إطلاق المرحلة الأولى من المشروع. وهكذا انتقلت الشركة من مرحلة كانت تبحث فيها عن شريك للخروج من «سيتي جيت» إلى مرحلة تطور فيها مشروعاً جديداً ضخماً على ساحل البحر المتوسط.

نزاع إلى لاهاي

وإذا كانت قضية الديار توضح كيف يمكن لنزاع عقاري أن يستمر سنوات داخل العلاقة بين المستثمر والجهات الحكومية، فإن قضية المستثمر السعودي هاشم المحضار وأفراد من عائلته تقدم نموذجاً مختلفاً: النزاع الذي ينتقل إلى التحكيم الاستثماري الدولي.

 

فقد أقام المحضار وأفراد من عائلته دعوى ضد الدولة المصرية أمام هيئة تحكيم تابعة للمحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي، على خلفية نزاع يتعلق باستثمارات في مشروعات إنشائية داخل مصر.

 

وبحسب ما أعلنته هيئة قضايا الدولة المصرية، صدر الحكم في 22 سبتمبر 2026 في القضية رقم PCA CASE NO. 46-2024، وقضى بعدم اختصاص هيئة التحكيم بنظر الدعوى، وكان المستثمرون قد طالبوا بتعويضات تتجاوز 34 مليار دولار.

وارتبط  الرقم الضخم بالقضية وكان قيمة المطالبات التي تقدم بها المحضار وأفراد عائلته أمام هيئة التحكيم. وبحسب هيئة قضايا الدولة، انتهى الحكم إلى عدم اختصاص هيئة التحكيم بنظر الدعوى، كما ألزم المحتكمين بالمصروفات التحكيمية ومصاريف التمثيل القانوني للدولة المصرية،  وهذا يعني أن القضية انتهت في هذه المرحلة من دون الحكم بالتعويضات التي طالب بها المستثمرون.

ووفقاً لما أعلنته هيئة قضايا الدولة، استند المستثمرون في دعواهم إلى اتفاقية تشجيع وحماية وضمان الاستثمارات بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي المبرمة عام 1986، وهنا تختلف القضية جذرياً عن النزاعات المحلية التي واجهتها الديار.

 

ففي حالة الديار، دارت الملفات أمام جهات حكومية مصرية ولجان فض المنازعات والمحاكم المصرية حول الأراضي والتراخيص والرسوم والجداول الزمنية، أما في حالة المحضار، فقد أصبحت الدولة المصرية نفسها طرفاً في نزاع استثماري دولي أمام هيئة تحكيم.

 

وهذا الفارق يكشف أحد أخطر مستويات النزاع بالنسبة إلى الدول والمستثمرين: عندما يتحول الخلاف على مشروع أو استثمار إلى مطالبة بتعويضات دولية بمليارات الدولارات قد يقبل استئناف من جديد وأمام محكمة توفر سبل التحكيم.

وتكتسب حالة الديار وقضية المحضار أهميتهما عند وضعهما في سياق أوسع من الشكاوى والنزاعات التي شهدها القطاع العقاري والإنشائي في مصر.  فالمشكلة لا تظهر دائماً في صورة واحدة، وفي بعض الحالات يشكو المستثمر من تأخر الموافقات أو تراكم الرسوم أو تغيير شروط المشروع، وفي حالات أخرى تتمسك الجهة الحكومية بأن المستثمر تأخر في التنفيذ أو لم يلتزم بالجدول الزمني أو خالف شروط التخصيص،  وفي حالات ثالثة يصل النزاع إلى القضاء، ثم ينتهي إلى إلغاء مطالبة مالية أو إعادة جدولة المشروع.

 

أما في الحالات الأكثر تصعيداً، فقد ينتقل النزاع إلى التحكيم الدولي، حيث تتحول المسألة من خلاف على تنفيذ عقد أو مشروع إلى مطالبة الدولة بتعويضات استثمارية ضخمة.

 

وتكشف قصة الديار تحديداً أن النزاع قد يستمر سنوات من دون أن يؤدي بالضرورة إلى خروج المستثمر من السوق؛ فقد بدأت الشركة بمشروعات متعثرة ونزاعات مع الجهات الحكومية، ثم عادت بعد التسويات والتمديدات إلى ضخ استثمارات جديدة وتوقيع شراكات ومشروعات بمليارات الدولارات.

وقد طورت السعودية خلال السنوات الماضية إطاراً تنظيمياً لمعالجة مشروعات البيع والتأجير على الخارطة المتأخرة والمتعثرة، يتضمن إجراءات لإعادة الجدولة وإعادة هيكلة التمويل وتغيير المقاولين أو الاستشاريين وإدخال شركاء عند الحاجة.

 

الموقع الرسمي لشركة الديار القطرية
https://www.qataridiar.com/

قضية هاشم المحضار
https://www.almasryalyoum.com/news/details/4366355