لم يعد ملف حقوق الإنسان يحتل الموقع نفسه الذي شغله لسنوات في إدارة العلاقات المصرية الأمريكية، منذ انقلاب السفيه السيسى ، بعدما تقدمت اعتبارات الأمن الإقليمي والتعاون العسكري والمصالح الاستراتيجية لواشنطن على أجندة الحريات والديمقراطية.
ويأتي أحدث مؤشر على هذا التحول مع قرار الإدارة الأمريكية إعفاء جزء من المساعدات العسكرية المقدمة إلى القاهرة من الشروط المرتبطة بحقوق الإنسان، للعام الثالث على التوالي، في خطوة ربطتها واشنطن صراحة بالمصالح الأمنية الأمريكية وبالدور الذي تؤديه مصر في منطقة تشهد أزمات وحروبًا متلاحقة.
وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، في الأول من أكتوبر 2026، إعفاء 320 مليون دولار من التمويل العسكري الخارجي المخصص لمصر للسنة المالية 2025 من شرط إصدار شهادة مرتبطة بحقوق الإنسان، وقالت مذكرة مرفقة بالقرار إن الأموال ضرورية لبرامج مكافحة الإرهاب وأمن الحدود ومنع الانتشار، أو أنها مهمة بصورة أخرى للأمن القومي الأمريكي.
وجاء القرار في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في فبراير الماضي، وما فرضته من إعادة ترتيب للأولويات الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط.
الأمن يتقدم.. وحقوق الإنسان تتراجع
يعكس القرار، وفق مصادر مصرية مطلعة، تغيرًا في طريقة تعامل واشنطن مع القاهرة، إذ لم يعد ملف حقوق الإنسان يمثل شرطًا حاسمًا في العلاقة، مقارنة بأهمية الدور المصري في ملفات الأمن الإقليمي والتسليح والوساطة وحماية الممرات البحرية.
ويرى أحد المصادر أن واشنطن باتت أكثر حرصًا على ضمان استقرار العلاقة مع القاهرة، خصوصًا في ظل تعدد الأزمات الإقليمية التي تحتاج فيها الولايات المتحدة إلى شريك يمتلك موقع مصر الجغرافي والسياسي.
وتؤكد الخطوة الأمريكية هذا الاتجاه؛ إذ قالت وزارة الخارجية إن قرار الإعفاء "ضروري للعلاقة بين الولايات المتحدة ومصر وأولويات الأمن القومي الأمريكي"، مشيرة بصورة خاصة إلى ما وصفته بالدور "المفيد" الذي أدته مصر عقب العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران.
ولا يمثل القرار سابقة، فقد سبق لإدارة جو بايدن أن حجبت أجزاء من المساعدات العسكرية المصرية بسبب سجل حقوق الإنسان، قبل أن تتجاوز هذه الشروط في 2024 وتمنح القاهرة كامل المخصصات العسكرية السنوية، في ظل أهمية الدور المصري في مفاوضات الحرب على غزة.
لكن اللافت هذه المرة أن الإدارة الأمريكية تتحرك في بيئة إقليمية مختلفة، تتداخل فيها الحرب الإيرانية مع أمن الخليج والبحر الأحمر وغزة، بالتزامن مع تصاعد المنافسة الأمريكية الصينية.
واشنطن تخشى خسارة القاهرة
تعتبر مصر بالنسبة إلى الولايات المتحدة أكثر من مجرد دولة تتلقى مساعدات عسكرية سنوية. فالقاهرة تمتلك قناة السويس، وتتحكم في أحد أهم الممرات التجارية في العالم، كما تقع على تقاطع استراتيجي بين البحر المتوسط والبحر الأحمر والشرق الأوسط وأفريقيا.
وتحتاج واشنطن كذلك إلى التعاون المصري في ملفات غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر، إضافة إلى مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات والتنسيق الأمني.
ومع تصاعد المخاطر في البحر الأحمر، تزداد أهمية مصر بالنسبة إلى الاستراتيجية الأمريكية، ليس فقط بسبب قناة السويس، وإنما أيضًا بسبب موقعها القريب من باب المندب وامتلاكها قدرات عسكرية وبحرية يمكن أن تدخل ضمن ترتيبات أمن الملاحة الإقليمية.
ومن هنا، يبدو أن الإدارة الأمريكية تفضل في المرحلة الراهنة الحفاظ على علاقة مستقرة مع القاهرة، بدل فتح مواجهة حول ملف حقوق الإنسان يمكن أن تؤثر في التعاون العسكري والأمني.
صفقة السلاح.. رسالة إلى القاهرة
تزامن قرار الإعفاء مع تحركات أمريكية أخرى تعكس أهمية الشراكة العسكرية مع مصر، وفي مقدمتها استمرار صفقات التسليح والتعاون الدفاعي بين البلدين.
وتحصل مصر منذ عقود على مساعدات عسكرية أمريكية كبيرة، ارتبطت تاريخيًا بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979، وبلغت المساعدات العسكرية السنوية نحو 1.3 مليار دولار منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
وخلال السنوات الماضية، حاولت واشنطن استخدام جزء من هذه المساعدات للضغط على القاهرة في ملف حقوق الإنسان، عبر حجب أو تقييد أجزاء منها، لكن هذا الضغط ظل يصطدم في النهاية باعتبارات الأمن والاستقرار والتعاون العسكري.
وتشير الخطوات الأمريكية الأخيرة إلى أن واشنطن تريد الحفاظ على موقعها داخل المؤسسة العسكرية المصرية، في ظل سياسة القاهرة الرامية إلى تنويع مصادر التسليح وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها.
فمصر أبرمت خلال السنوات الأخيرة صفقات عسكرية مع فرنسا وروسيا وألمانيا وإيطاليا والصين وغيرها، وهو ما وسع خياراتها وأضعف نسبيًا قدرة أي مورد منفرد على فرض شروطه.
وبالنسبة إلى واشنطن، فإن استمرار التعاون العسكري لا يتعلق فقط ببيع الأسلحة، وإنما بالحفاظ على ارتباط الجيش المصري بأنظمة التسليح والتكنولوجيا والتدريب الأمريكية.
الصين.. المنافس الذي يضغط من الخلف
لكن العامل الأكثر حساسية في الحسابات الأمريكية تجاه القاهرة يتمثل في تنامي العلاقات المصرية الصينية. فمصر وسعت خلال السنوات الأخيرة تعاونها مع بكين في مجالات البنية التحتية والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والنقل والتصنيع، إلى جانب التعاون العسكري.
وتكتسب مصر أهمية خاصة بالنسبة للصين بسبب موقعها على طريق التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وقناة السويس التي تمثل أحد أهم ممرات مبادرة "الحزام والطريق"
وتمنح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس الشركات الصينية فرصة لإنشاء مشروعات إنتاج وتصنيع يمكن أن تكون نقطة انطلاق إلى أسواق المنطقة وأفريقيا، بما يجعل القاهرة جزءًا مهمًا من الحسابات الصينية طويلة الأجل.
وتأتي هذه الشراكة في وقت تخوض فيه واشنطن وبكين منافسة استراتيجية واقتصادية متصاعدة، ما يجعل أي توسع صيني في دولة بحجم مصر محل اهتمام أمريكي.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن التنافس الأمريكي الصيني لم يعد محصورًا في التجارة، وإنما امتد إلى التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والأمن والدفاع. كما أن واشنطن تتابع عن كثب محاولات بكين توسيع نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي عالميًا.
القاهرة لا تريد "سلة واحدة"
من جانبها، تبدو القاهرة حريصة على عدم تحويل المنافسة الأمريكية الصينية إلى اختيار صفري. فهي لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في مجالات عسكرية وأمنية مهمة، وتحرص على استمرار العلاقات الاستراتيجية معها، لكنها في الوقت نفسه توسع علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أوروبية أخرى.
وهذا التنويع يمنح مصر هامشًا أكبر للمناورة في ملفات التسليح والاستثمار والتجارة، ويقلل من مخاطر الاعتماد الكامل على شريك واحد.
وبحسب مصدر مصري مطلع، فإن القاهرة ترى الولايات المتحدة شريكًا استراتيجيًا مهمًا، لكنها لا ترى تعارضًا بين استمرار هذه الشراكة وبين تطوير علاقاتها مع بكين طالما أن ذلك يحقق مصالح مصر الاقتصادية والسياسية والأمنية.
ومن هذه الزاوية، فإن التقارب المصري الصيني لا يعني بالضرورة ابتعاد القاهرة عن واشنطن، لكنه يفرض على الأخيرة التعامل مع مصر باعتبارها دولة تملك بدائل أكثر من السابق.
المياه.. خلاف آخر مع واشنطن
ويظهر تباين المصالح أيضًا في ملف مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي. فالقاهرة تنظر إلى قضية المياه باعتبارها ملفًا مرتبطًا مباشرة بأمنها القومي، بينما أثارت مواقف أمريكية مختلفة بشأن إثيوبيا وأساليب التعامل مع أزمة السد انتقادات مصرية.
ويرى المصدر أن وجود دعم صيني للموقف المصري بشأن الحقوق المائية، في مقابل تعاون أمريكي مع إثيوبيا في مجالات مختلفة، خلق تباينًا في الحسابات المصرية تجاه واشنطن وبكين.
وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بإمكانية لعب دور الوسيط في أزمة سد النهضة، خصوصًا مع عودة الحديث الأمريكي عن ضرورة التوصل إلى اتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا. وهكذا أصبح ملف المياه أحد الملفات التي تختبر حدود الشراكة المصرية الأمريكية، إلى جانب الملفات الأمنية والعسكرية.
غزة.. القاهرة ورقة لا تريد واشنطن خسارتها
في قطاع غزة، تظل مصر لاعبًا لا يمكن تجاهله بالنسبة إلى واشنطن. فالقاهرة تمتلك حدودًا مباشرة مع القطاع، وتؤدي دورًا مستمرًا في مفاوضات وقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد الحرب، كما تمتلك قنوات اتصال مع أطراف فلسطينية وإسرائيلية مختلفة.
وبالتالي، فإن أي تدهور كبير في العلاقات المصرية الأمريكية يمكن أن ينعكس على قدرة واشنطن على إدارة ملفات غزة والتهدئة وإعادة الإعمار وترتيبات الأمن على الحدود.
وتزداد هذه الأهمية في ظل استمرار تعقيدات الوضع الإقليمي، والحاجة الأمريكية إلى قوى إقليمية قادرة على لعب أدوار في الوساطة والتهدئة إذا اتجهت واشنطن إلى خفض التصعيد في المنطقة.
من "العصا والجزرة" إلى الشراكة المشروطة بالمصلحة
خلال عهد بايدن، كان ملف حقوق الإنسان حاضرًا بصورة أوضح في العلاقة مع القاهرة، وشكل حجب جزء من المساعدات إحدى أدوات الضغط الأمريكية.
لكن السنوات الأخيرة أظهرت حدود هذه السياسة. فكلما تصاعدت الأزمات الإقليمية، عادت الاعتبارات الأمنية إلى مقدمة العلاقة، كما حدث بعد هجوم السابع من أكتوبر والحرب على غزة، ثم مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
والقرار الأخير بإعفاء 320 مليون دولار من شروط حقوق الإنسان يقدم مثالًا واضحًا على هذه الأولوية؛ فالمذكرة الأمريكية لم تبرر القرار بتحسن سجل القاهرة الحقوقي، وإنما ربطته مباشرة بالأمن القومي الأمريكي والعلاقة الاستراتيجية مع مصر. وبذلك، يبدو أن واشنطن تتعامل مع ملف حقوق الإنسان باعتباره أحد عناصر العلاقة، وليس المحدد الرئيسي لها.
حقوق الإنسان في مواجهة المصالح
لا يعني ذلك اختفاء ملف الحريات من العلاقة المصرية الأمريكية، لكنه يعني أن قدرته على التأثير في القرارات الاستراتيجية تبدو محدودة عندما تتعارض مع مصالح أمنية أمريكية أوسع.
وتواصل منظمات حقوقية انتقاد أوضاع حقوق الإنسان في مصر، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والتعذيب والاختفاء القسري، بينما تؤكد الحكومة المصرية أنها تتخذ خطوات لتعزيز الحقوق وتحقيق الاستقرار وتوفير الاحتياجات الأساسية.
لكن القرار الأمريكي الأخير يوضح أن واشنطن، في ظل إدارة ترامب، تعطي وزنًا كبيرًا لحسابات الأمن والمصالح المباشرة، وهو توجه ينسجم مع مقاربة أوسع باتت تركز على الشراكات الاستراتيجية والقدرة على تحقيق المصالح الأمريكية.
شراكة تحت الاختبار
في المحصلة، تبدو العلاقة المصرية الأمريكية أمام معادلة جديدة. فواشنطن تريد مصر لأسباب تتجاوز حقوق الإنسان: قناة السويس، أمن البحر الأحمر، غزة، مكافحة الإرهاب، التعاون العسكري، والتوازن الإقليمي.
وفي المقابل، تريد القاهرة الحفاظ على الشراكة الأمريكية، لكنها تعمل في الوقت نفسه على توسيع هامش حركتها عبر الصين وروسيا وأوروبا، وتنويع مصادر السلاح والاستثمار.
وهنا يصبح ملف حقوق الإنسان واحدًا من الملفات التي يمكن أن تستخدمها واشنطن للضغط، لكنه لا يبدو في الوقت الراهن قادرًا على تجاوز المصالح الأمنية والاستراتيجية التي تربط البلدين.
أما الصين، فتضيف عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة؛ فكلما توسعت الشراكة المصرية الصينية، زادت أهمية القاهرة في حسابات المنافسة بين واشنطن وبكين.
وبالتالي، فإن قرار إعفاء المساعدات العسكرية المصرية من شروط حقوق الإنسان لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً ماليًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من إعادة ترتيب أوسع للعلاقة: واشنطن تريد الحفاظ على القاهرة داخل دائرة نفوذها الاستراتيجي، والقاهرة تريد الاحتفاظ بالشراكة الأمريكية من دون التخلي عن سياسة تنويع البدائل.
وفي هذه المعادلة، يبدو أن حقوق الإنسان تدفع ثمن صعود الأمن والجغرافيا والمصالح والتنافس الدولي إلى قمة أولويات العلاقة المصرية الأمريكية.