تركوا المدارس لتوفير لقمة العيش لأسرهم.. أطفال مصر محرومون من طفولتهم في زمن السيسي

- ‎فيتقارير

الأطفال فى زمن الانقلاب يُحرمون من طفولتهم، حيث تضطر أسرهم إلى اجبارهم على ترك المدارس والذهاب إلى العمل للمساهمة فى تلبية احتياجاتها فى ظل الارتفاع الجنونى فى الأسعار وعجزها عن شراء المتطلبات اليومية الضرورية .

ومع دخول سوق العمل تبدأ لدى الأطفال حياة المسئولية في وقت مبكر بين ورش الحدادة وأعمال النجارة ولهيب النار وغيرها من المهن التي لا تناسب أعمارهم، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل قد يصل إلى فقدان الحياة نفسها.

كان 8 أطفال، لم يتجاوز عمر أكبرهم 14عامًا، قد لقوا مصرعهم في أغسطس الماضي في حادث الدواويس بطريق الإسماعيلية، وكانوا في طريقهم لحصد المانجو مقابل يومية 100 جنيه، بعد تصادم شاحنتين تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، وكان من بين مصابي الحادث كذلك 10أطفال.

 

رب أسرة

حول عمالة الأطفال قال "أ.ي"، صبي لا يتخطى الـعشر سنوات يعمل بإحدى الأفران القريبة من بيته، مقابل 100 جنيه يوميًا : أنا بصحى كل يوم الفجر بصلي وأنزل على الفرن، ولو اتأخرت صاحب الفرن بيخصملي، أنا لازم أنزل حتى لو عاوز أنام علشان أعرف أجيب أكل ليا ولإخواتي .

وأوضح أنه رغم مخاطر العمل في المخبز ومحاوطة النيران به من كل جانب، إلا أنه بات أمرًا اعتياديًا بالنسبة له .

وأضاف : كنت في الأول بخاف من النار وبتعب من الحر في الصيف، دلوقتي اتعودت وبقيت أنا كمان مسئول عن تغيير الأنابيب لوحدي .

وأكد أنه بعد وفاة الأب، أصبح رب أسرة تتكون من أم و 3 أخوات، مشيرا إلى أنه يحمل على عاتقه مسئولية أكبر من سنه.

 

صبي محار

وقال "أحمد" 10 سنوات إن الظروف أجبرته على العمل كـ "صبي محار" مع أحد جيرانه من أجل توفير احتياجاته الدراسية؛ بسبب ظروفهم المادية الصعبة.

وأشار "أحمد" إلى أنه يحصل على 70 جنيها يومية مقابل عشر ساعات عمل، موضحا أن مهمته تحضير الأسمنت وخلطه بالماء بعد نخله بالغربال .

وأكد أنه رغم عدم تمكن يداه الصغيرتان من الإمساك بإحكام لكبر حجم المنخل وثقل وزنه، إلا أنه بمرور الوقت أصبح أكثر مهارة وشطارة.  

وأضاف "أحمد":  في الأول كنت بزعل علشان عاوز ألعب مع أصحابي بدل الشغل والصحيان بدري، بس لما اشتغلت اتعودت على التعب علشان يبقى معايا فلوس أقدر أروح بيها المدرسة .

 

معادلة اقتصادية خاسرة

من جانبه قال الخبير الاقتصادي أبوبكر الديب: عمالة الأطفال قد تبدو في ظاهرها حلا لمشكلة الفقر بينما هي في الحقيقة يمكن أن تصبح سببا في إعادة إنتاج الفقر من جيل إلى آخر، موضحا أن الطفل الذي يترك المدرسة أو يذهب إلى الحقل أو المصنع أو الورشة في سن مبكرة يحصل على دخل محدود لكنه يخسر جزءًا من فرصته في التعليم والتدريب واكتساب المهارات التي يمكن أن تمنحه مستقبلا دخلا أعلى وفرصة عمل أفضل .

وأشار الديب فى تصريحات صحفية إلى أن عمالة الأطفال تجعل الاقتصاد يحصل على عامل صغير منخفض التكلفة اليوم لكنه يخسر عاملا أكثر إنتاجية وتأهيلا في المستقبل وهذه معادلة اقتصادية خاسرة حتى لو حققت لصاحب العمل منفعة مؤقتة.

وأوضح أن الطفل يعمل لأن الأسرة تحتاج إلى المال في كثير من الحالات لكنه لا يعني أن الحل هو استمرار الطفل في العمل وإنما يعني أن علينا معالجة السبب الاقتصادي الذي يدفع الأسرة إلى ذلك.

وكشف الديب أن الفقر وضعف الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم استقرار العمل للكبار كلها عوامل تدفع بعض الأسر إلى الاعتماد على دخل أطفالها، مشددا على أن مواجهة عمالة الأطفال تبدأ من تحسين قدرة الأسرة على الاعتماد على دخل البالغين وليس فقط من خلال معاقبة صاحب العمل أو الأسرة فكلما ارتفع دخل العامل البالغ وتحسنت فرص العمل أمامه قلت الحاجة الاقتصادية إلى إرسال الطفل إلى سوق العمل .

وحذر من أن دولة العسكر أمام معادلة دقيقة للغاية لأن منع عمالة الأطفال بالقانون وحده لن يكون كافيا إذا لم يصاحبه بديل اقتصادي للأسرة، مطالبا بأن تسير الرقابة والعقوبات بالتوازي مع سياسات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجا وتحسين دخول العمال وتوفير فرص عمل للكبار ودعم التعليم في المناطق الأكثر فقرا وربط مكافحة عمالة الأطفال بسياسات التنمية الريفية والصناعية وليس التعامل معها باعتبارها ملفا منفصلا.

 

فقر مدقع

وأكد أحمد مصيلحي رئيس شبكة الدفاع عن حقوق الطفل، أن المشرع المصري وضع قانونًا يُجرم عمالة الأطفال، دون سن الخامسة عشر، مشيرا إلى أن عقوبة رب العمل تصل إلى السجن 5 سنوات في بعض الحالات، إلا أن ذلك لم يحمِ الطفولة من الشقاء والتعرض للمخاطر التي قد تودي بحياتهم.

وقال مصيلحى فى تصريحات صحفية : هناك عدة أسباب تقف عائقًا أمام تطبيق القانون؛ منها الثقافات المجتمعية الموروثة خاصة في كل ما يتعلق بالأطفال والمرأة، فهناك موروث ثقافي منتشر في المجتمعات الريفية يحث على  ضرورة عمل الطفل لكي يعتمد على ذاته من صغره، وهذا يتطلب وعيًا ثقافيًا.

وأشار إلى أن السبب الثاني يكمن في تعنت موظفى الجهاز الإداري في تطبيق القانون، وهذا يستلزم تدريبًا شاملًا ومستمرًا، حتى يتسنى تفعيل دور إدارات التفتيش عن عمل الأطفال بجميع المحافظات.

وشدد مصيلحي على أن الفقر  المدقع الذي تعيشه الكثير من الأسر من أهم أسباب عمالة الأطفال بل ويتربع على رأس الأسباب، فهو أول من يدفع بالأطفال لسوق العمل، مطالبا بتطبيق القانون بصرف معاشات لكل طفل يفقد من يعوله .

وأوضح أن حل مشكلة عمالة الأطفال لا تقف عند تشريع القوانين وتغليظ العقوبة فقط، بل تتطلب العمل وفق استراتيجية وسياسات وخطة بمشاركة جميع الأطراف بما فيها مختلف الوزارات والمجلس القومي للطفولة والأمومة والجمعيات الأهلية وأيضًا القطاع الخاص .