استدعاء “لينا عطا الله” واحتجاز صحفيي «متصدقش».. تصعيد متزامن ضد حرية الصحافة مع منتدى “الإنجازات”!

- ‎فيحريات

 

القضية السادسة ضد «مدى مصر» خلال ست سنوات.. واستدعاء بلا أسباب معلنة

في توقيت يتحدث فيه المنقلب عبدالفتاح السيسي وحكومته عن توسيع المشاركة المجتمعية والاستماع إلى المواطنين ضمن «منتدى مصر 2026»، استُدعيت لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا يوم الأربعاء 21 أكتوبر، في القضية رقم 9072 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، دون أن يتضمن الاستدعاء، بحسب الموقع، توضيحًا لأسباب التحقيق.

ونشر «مدى مصر» تفاصيل الاستدعاء في 19 أكتوبر، موضحًا أن القضية الجديدة هي السادسة التي تطال المؤسسة وصحافييها ورئيسة تحريرها خلال ست سنوات، ويعيد التطور طرح أسئلة بشأن العلاقة بين السلطات والمؤسسات الصحفية المستقلة، وحدود العمل المهني عندما يتناول قضايا حساسة تتعلق بأوضاع المحتجزين أو أداء مؤسسات الدولة.

وبحسب «مدى مصر»، سبق إخلاء سبيل عطا الله بكفالة قدرها 30 ألف جنيه في أغسطس 2025، على ذمة القضية رقم 6182 لسنة 2025، التي وُجهت إليها فيها تهمتا إذاعة أخبار كاذبة واستخدام موقع دون ترخيص، على خلفية تقرير تناول شكاوى سجناء من تعرضهم لانتهاكات. وقال الموقع: "إن التحقيق السابق استند إلى محضر تحريات الأمن الوطني، وإن النيابة سألت رئيسة التحرير عن أسباب ثقتها في المصادر التي اعتمد عليها التقرير".

ووفقًا للرواية المنشورة، أكدت عطا الله التزامها بقواعد المهنة، واستهداف المصلحة العامة، وحق الصحافة في إبلاغ السلطات بالمعلومات من خلال النشر، ولا يعني الاستدعاء الجديد ثبوت مخالفة أو صدور حكم بالإدانة، لكنه يثير تساؤلات عن طبيعة القضية وأسباب فتحها، خصوصًا في ظل عدم إعلان سبب التحقيق في وثيقة الاستدعاء، وفقًا للموقع.

ونشر حساب «مزيد» (@MazidNews) على منصة إكس الخبر، مشيرًا إلى أن الاستدعاء يأتي ضمن سلسلة قضايا طالت الموقع وصحفييه، كما أعاد حساب «مدى مصر» (@MadaMasr) نشر التفاصيل المتعلقة بالقضية الجديدة وسياق التحقيق السابق.

من «مدى مصر» إلى «متصدقش».. ملفان يعيدان النقاش بشأن الصحافة المستقلة

لا تقتصر المخاوف المتعلقة بالعمل الصحفي على قضية لينا عطا الله؛ إذ يتزامن الاستدعاء مع استمرار احتجاز ستة صحفيين يعملون في منصة «متصدقش» المتخصصة في الصحافة الاستقصائية والتحقق من المعلومات.

وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في بيان نشرته يوم 2 أكتوبر 2026، "إن قوات الأمن المصرية اعتقلت ستة صحفيين من المنصة خلال يومي 28 و29 سبتمبر، هم عبد الله قدري، ومحمد أشرف أبو عميرة، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل"، وذكرت المنظمة أن الصحفيين احتُجزوا في أماكن غير معلنة خلال الأيام الأولى، وأن أسرهم ومحاميهم لم يتمكنوا من التواصل معهم.

وأضافت المنظمة أن وزارة الداخلية أقرت بالاعتقالات في الأول من أكتوبر، وقالت إن الصحفيين يُشتبه في إعدادهم أخبارًا مغلوطة لصالح المنصة، كما أشارت إلى اتهامات رسمية بوجود صلة بين المنصة وجماعة الإخوان المسلمين. وهذه اتهامات منسوبة إلى السلطات، وليست أحكامًا قضائية نهائية تثبت صحتها.

وفي تقرير لاحق صدر في 16 أكتوبر، قالت منظمة العفو الدولية "إنها تلقت معلومات تفيد بتعرض الصحفيين الستة للتعذيب وسوء المعاملة خلال احتجازهم الأولي، بهدف إجبارهم على تسجيل اعترافات تدينهم"، ودعت المنظمة إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عنهم، معتبرة أن احتجازهم مرتبط بعملهم الصحفي وممارستهم حقهم في حرية التعبير.

تضامن صحفي عربي.. «لحد ما يرجعوا.. التحقق مستمر»

 

بالتزامن مع "منتدى مصر"، الذي دشنه السيسي مساء الاثنين 19 أكتوبر، أوردت المواد المنشورة إعلان ثماني مؤسسات صحفية من مصر ولبنان وتونس وسوريا إطلاق غرفة أخبار مشتركة لمدة ستة أيام لتدقيق المعلومات المتعلقة بما يُعرض من إنجازات حكومية خلال «منتدى مصر 2026»، تحت شعار «لحد ما يرجعوا.. التحقق مستمر».

وتضم المبادرة، بحسب الإعلان الوارد في المواد المرفقة، «المنصة» و«صحيح مصر» و«مدى مصر» من مصر، و«ميغافون» و«درج» و«صفر» من لبنان، و«نواة» من تونس، و«الجمهورية» من سوريا.

وتجمع المبادرة بين هدفين معلنين: التحقق من المعلومات المتعلقة بالمنتدى، والتضامن مع الصحفيين الستة المحتجزين من «متصدقش»، ويعكس ذلك أهمية التعاون بين غرف الأخبار في مراجعة التصريحات والأرقام الرسمية، وتقديم مصادر يمكن للجمهور الرجوع إليها بدل الاكتفاء بالمقتطفات المتداولة.

معركة الوعي أم تضييق المجال العام؟

في قراءة سياسية أوسع، كتب الصحفي عبد المنعم محمود (@moneimpress) أن السيسي يدير ما يسميه «معركة الوعي»، لكنه يرى أنها أقرب إلى محاولة إعادة تشكيل ذاكرة الأجيال الشابة تجاه ثورة يناير 2011، بدلًا من تصحيح المعلومات بصورة مستقلة.

 

وربط محمود، في منشوره، بين هذا الخطاب والأوضاع الاقتصادية التي يصفها بالتدهور، وانتقد ما يعتبره هيمنة الإعلام الموالي للسلطة على المجال الإعلامي، معتبرًا أن الملاحقات القانونية والقبض على الصحفيين يضيّقان المساحة المتاحة أمام الأصوات المستقلة.

وذهب محمود إلى أن استمرار الانتقادات رغم اتساع أدوات السلطة الإعلامية والأمنية يكشف، من وجهة نظره، محدودية تأثير الخطاب الرسمي في تشكيل قناعات الجمهور، كما ربط بين توقيت احتجاز صحفيي «متصدقش» ومحاولات الحد من تداول روايات بديلة خلال المنتدى.

الحوار المعلن وحرية التحقق

تقدم الحكومة «منتدى مصر 2026» بوصفه مساحة للاستماع إلى المواطنين ومناقشة أولوياتهم، وفي المقابل، تثير قضايا لينا عطا الله وصحفيي «متصدقش» مخاوف لدى مؤسسات صحفية وحقوقية بشأن ضمانات العمل الإعلامي المستقل.

ولا يعني ذلك أن كل إجراء قضائي يستهدف الصحافة بالضرورة، أو أن كل انتقاد سياسي يمثل حقيقة مثبتة، لكنه يعني أن تقييم مناخ الحوار لا يمكن أن يقتصر على أعداد المشاركين أو الجلسات المعلنة، بل يجب أن يشمل أيضًا قدرة الصحفيين على نشر المعلومات، ووضوح أسباب الإجراءات القانونية، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة، وإمكانية التحقيق المستقل في الشكاوى المتعلقة بالانتهاكات.

فإذا كان الهدف المعلن هو تعزيز الوعي العام، فإن الصحافة التي تتحقق من المعلومات وتراجع التصريحات وتتيح حق الرد يمكن أن تكون جزءًا من هذه العملية، لا خصمًا لها. أما حين تتكرر القضايا بحق مؤسسات صحفية، أو يُحتجز صحفيون على خلفية عملهم، فإن ذلك يثير أسئلة لا تجيب عنها المؤتمرات وحدها.

ويبقى السؤال الأساسي: كيف يمكن بناء ثقة عامة مستدامة في المعلومات الرسمية، إذا لم تتوافر ضمانات واضحة للصحفيين كي يتحققوا منها ويناقشوها وينشروا نتائج عملهم المهني؟

مدى مصر : استدعاء لينا عطا الله للتحقيق، 19 أكتوبر 2026:

https://www.madamasr.com/2026/10/19/news/u/%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D8%B9%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D9%86%D8%A7-%D8%B9%D8%B7%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3/

«هيومن رايتس ووتش» — اعتقال فريق منصة «متصدقش»، 2 أكتوبر 2026:

https://www.hrw.org/ar/news/2026/10/02/egypt-authorities-arrest-entire-investigative-newsroom

منظمة العفو الدولية — تقرير بشأن الصحفيين الستة، 16 أكتوبر 2026:

https://www.amnesty.org/en/documents/mde12/1575/2026/en/