بعد عزل جنينة.. “سي إن إن” تفتح ملفات الفساد بدولة الانقلاب

- ‎فيأخبار

كتب – حسين علام

أثارت قضية الإطاحة بالمستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات على خلفية اتهامه بنشر بيانات مبالغ فيها عن حجم الفساد في مصر في ظل الانقلاب العسكري بقيادة عبدالفتاح السيسي، علامات استفهام عديدة حول حقيقة التعريف الصحيح للفساد؟ وماهى مظاهره؟ وكيف يمكن مكافحته؟ وما شروط النجاح في ذلك؟ طالما قرر قائد الانقلاب الإطاحة برئيس أكبر مؤسسة لمكافحة الفساد لكشفه عن ملفاته وذلك بالمخالفة للدستور.

ونشرت "سي إن إن" الأمريكية مقال رأي لمصطفى كامل السيد، اليوم الاثنين، أكدت فيه أنه لا بد من الاعتراف بأن الفساد قضية معقدة وخلافية، وأنه ليس هناك قول فصل لا في تحديد أسبابه ولا في قياسه، مشيرة إلى أنواع الفساد، فمنه السياسي مثل تزوير الانتخابات، وهناك الفساد الأخلاقي، وهو البعد عن معايير الأخلاق الحميدة التى يقبلها المجتمع، وهناك الفساد الإداري مثل المجاملة في الترقيات وفي التعيين داخل الجهاز الحكومي إرضاء لأصحاب النفوذ أو مجاملة للأقارب، وهناك الفساد المالي، مثل الانخراط في ممارسات الاختلاس من المال العام أو قبول الرشوة، وهناك الفساد الصغير الذى ينشر بين صغار الموظفين، ورقة العشرين جنيه التى يتم دسها للحصول على شهادة حكومية هى حق مؤكد لمن يطلبها، وهناك الفساد الكبير مثل تلقي كبار الموظفين عمولات سخية لتسهيل تمرير صفقة مع واحدة من كبريات الشركات.

وقالت "سي إن إن" إن أخطر أنواع الفساد هى تلك التى يصعب توقيع العقاب على من ينخرط فيها. متسائلة: "هل عوقب أحد على جريمة تزوير الإنتخابات، وهى من أكثر صور الفساد شيوعا في مصر؟" مذكرة أنه رغم توافر الدلائل على تزوير الإنتخابات في مصر طوال عهد مبارك مثلا، إلا أنه لم يوجه له هذا الإتهام بعد ثورة يناير، لأنه من الصعب العثور على وثيقة رسمية تحمل أوامر منه بتزييف الإنتخابات، كما أن عقوبة تزوير الانتخابات هي  جد هزيلة في القوانين المعمول بها في مصر.

وأضافت: "فيما يتعلق بالفساد الكبير، فمن الملاحظ أنه يسهل على من برعوا فيه أن يجدوا لهم مخرجا إذا ما تم الكشف عما قاموا به، إما لأن القانون يسكت عن مثل هذه الممارسات، أو لأنهم يجدون من المحامين من يستغلون ثغرات القانون لتبرئتهم، وهكذا كان حال الفساد الكبير الذى انخرط فيه كبار قادة نظام مبارك، فقد انتهت معظم محاكماتهم إلى تبرئتهم، وتفتق ذهن وزير العدل السابق عن الاكتفاء بالصلح معهم والعفو عنهم إذا ما دفعوا مبلغا من المال، وهم من البراعة بحيث يخفون معظم مصادر ثروتهم ليتظاهروا أمام المحاكم بأن الدولة قد حصلت منهم على جل ثروتهم، فلا يبقى منها سوى ما يكفيهم ضرورات الحياة، وهو ما قد يستدر شفقة السذج من المواطنين".

وتابعت: "أن معدلات الفساد التى تكشف عنها تقارير منظمة الشفافية الدولية هى جد مرتفعة في بعض الدول التى عرفت في السنوات الأخيرة معدلات نمو مرتفعة مثل الصين والهند والبرازيل. قد تكون هذه الحجة مفهومة في هذه الدول، ولكنها بكل تأكيد لا تنطبق على مصر، فالفساد في مصر إقترن بمعدلات نمو منخفضة لم تصل إطلاقا إلى ما عرفته هذه الدول، كما أنه لم يرتبط بالضرورة بتسهيل الأعمال، ولكن بنهب المال العام، واستغلال الوظيفة لتكوين الثروات".

وذكرت "سي إن إن" باستخدام أحمد عز نفوذه كزعيم للأغلبية في مجلس الشعب لتعديل قانون مكافحة الاحتكار الذى كان مجلس الشعب قد وافق عليه بالفعل هو استخدام لمنصب عام تحقيقا لمصلحة خاصة، وتضخم ثروة حبيب العادلى بلا سند قانوني أثناء توليه منصب وزير الداخلية هو يندرج في هذه الفئة. ولكن إلى جانب الفساد المالي  الفردى هناك أيضا الفساد المالي المؤسسي، عندما تستغل إحدى مؤسسات الدولة وضعها المتميز في جهاز الدولة للحصول لها أو لأفرادها على امتيازات خاصة لمجرد انتمائهم لهذه المؤسسة فذلك هو أيضا فساد مالي، وهناك أيضا فساد السياسات عندما توجه موارد هائلة لتنفيذ مشروعات ليست ضرورية، لم تخضع للدراسة، ولم تكن موضوعا لنقاش عام، وخصوصا عندما لا يكون سبب انتهاج هذه السياسات هو الحفاظ على عمالة أو الخضوع لضغوط من جانب بعض العاملين الذين يجدون التحول إلى وظائف أخرى نقلة لا يريدون التكيف معها.

وقالت: "لقد انتقد المستشار هشام جنينة الإمتيازات غير المبررة التى تحظى بها بعض مؤسسات الدولة مثل الشرطة والقضاء. وها نحن نرى مجلس النواب يسير على نفس المنوال رافضا اقتراح مجلس الدولة بإسقاط بند في لائحته يطالب بإدراجها رقما واحدا في ميزانية الدولة وإخضاعها لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات. وكمثل للسياسات التى  تهدر المال العام الإبقاء علي مشروعات خاسرة في القطاع العام دون إعادة تأهيلها، أو الإبقاء على العمالة الضخمة والخسائر الهائلة التى تتحملها ميزانية الدولة سواء في مبنى ماسبيرو أو في معظم الصحف القومية. لو كانت كل سياسات ومشروعات حكومتنا تخضع للنقاش العام وتجرى بلورتها بعد مقارنتها بالبدائل الأخرى وبأولويات الوطن لتجنبنا هذا الهدر في المال العام في وقت تعاني فيه ميزانية الدولة من عجز يصل بحسب الحساب الرسمي لأكثر من 11% من الناتج المحلى الإجمالي. لو كانت سياساتنا في كافة المجالات تفي بشروط الحكم الرشيد من إلتزام بحكم القانون، ومن رشادة في صنع القرار، وشفافية، ومساءلة ومشاركة شعبية لأمكن توجيه الجانب الأكبر من مواردنا لدفع تنمية طاقاتنا الإنتاجية والنهوض بالتعليم والصحة، وهما من أولويات التنمية الإنسانية".

واختتمت "سي إن إن" بأن تحليل الفساد في مصر يبين كم هو صعب قياس الفساد، وكم هو سهل الإمساك بأكثر صوره وضوحا، ولكنها ليست بالضرورة أشدها خطورة. كما أن هذا التحليل يبين أيضا صعوبة أن يضطلع جهاز حكومى واحد بمكافحته. وإذا كان من المستحيل القضاء المبرم على الفساد فإن شروط مكافحته تشمل أولا أوضاع النظام السياسي بما يتيحه من شفافية من خلال احترام حقوق التعبير والبحث العلمي وإتاحة ما يتوافر من معلومات عن الفساد للمواطنين ولمراكز الأبحاث.

وأشارت إلى أن تقارير جهاز المحاسبات وكذلك تقارير هيئة الرقابة الإدارية لا تتاح إلا لرئيس الدولة ورئيس الوزراء وربما لرئيس مجلس النواب، ولكنها خارج هذه الدائرة الضيقة نادرا ما تتاح لا لمراكز الأبحاث ولا للرأى العام، كما أن ضمان استقلال الأجهزة الحكومية المنوط بها مكافحة الفساد هو أمر أساسي. ولذلك فربما كان إصدار السيسي قانونا يتيح له عزل رؤساء هذه الهيئات بمثابة سيف مسلط من رئيس السلطة التنفيذية على هذه الأجهزة. وتؤكد الإطاحة بهشام جنينة أن هذا السيف قد يسقط على رأس أى منهم في أى لحظة دون أن يعرف السند القانوني لسقوطه.