العيش يعني الحياة، لكنه عند المصريين يعني الخبز.. انفراد في التسمية وجد له مكانا في الدارج من القول لدى أهل مصر إذ يقولون "أكل العيش"، وبه يقسمون "والعيش والملح" وفي الحروب سلاح يفوق أسلحة الدمار الشامل بمراحل، وفي السياسة، أكبر الأحزاب الثورية في تاريخ الأمم تشهد بذلك الثورة الفرنسية.
وكان العيش مطلبا رئيسيا من مطالب ثورة 25 يناير قبل أربع سنوات، إلى جانب الحرية والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، ومن أجل ان تتوه مطالب البسطاء المشروعة وعلى رأسها رغيف الخبز اطلق العسكر في مصر ولا تزال "زوابع" جديدة ما لبثت أن أصبحت عواصف لتزييف الوعي وتشتيت الانتباه.
وقبل أكثر من أربعين عاما، أقدم العسكر على رفع الدعم عن عدد من السلع الأساسية، ولم يمر سوى يوم واحد على القرار الذي صدر، في 17 يناير 1977، حتى خرجت مظاهرات واسعة ضده، وهي ما عرفت بـ "انتفاضة الخبز"، وأدت إلى رضوخ النظام وتراجعه عن قراره.
إشارة حمراء
وعلى مدار عقود ظلت انتفاضة الخبز إشارة حمراء تنبه العسكر للغضب الشعبي حال الاقتراب من قضية الدعم، لكن قبل سنوات قليلة شرعت حكومة الانقلاب في عبور طريق حجب الدعم عن المواطنين بدعوى أنهم غير مستحقين، دون الالتفات إلى التنبيهات التي يطلقها التاريخ.
هذا الغلاء يأتي في ذيل تنازلات السفاح عبد الفتاح السيسي عن ثروات المصريين للصهاينة واليونان وقبرص وإيطاليا، وبعد تنازله عن حقل ليفياثان المصري -الذي كان مصريا خلال عهد مبارك- وهو يبعد 190 كيلو عن دمياط و230 كيلو عن ميناء حيفا، حسب دراسة دكتور نائل الشافعي، صرح نتنياهو بأنه حان الوقت لاقتسام الرغيف مع العرب!
وأطلق السفاح السيسي بين وزرائه مسابقة خنق المصريين وتكدير معيشتهم وطحنهم بالغلاء، والوزير الذكي هو من يأتي السفاح السيسي بقطعة لحم كبيرة وطازجة من جسد الفقراء، وفيما يبدو أن التنافس ينحصر بين اللواء وزير النقل ورفيقه اللواء وزير التموين في حكومة الانقلاب.
وأصدر علي المصيلحي، وزير التموين في حكومة الانقلاب، قراراً بتخفيض وزن رغيف الخبز المدعم من 110 جرامات إلى 90 جراماً، وزيادة عدد الأرغفة للجوال زنة 100 كيلوجرام إلى 1450 رغيفاً، في ضوء خطة حكومة الانقلاب الرامية إلى تحرير الدعم تدريجياً عن منظومتي السلع التموينية، والخبز المدعم، والتي يستفيد منها نحو 71 مليون مواطن مقيد على 22 مليون بطاقة تموينية، بدعم يبلغ 48.5 مليار جنيه في الموازنة العامة الجارية.
ويأتي القرار عقب ساعات قليلة من إعلان شركة مترو الأنفاق عن زيادة أسعار التذاكر بجميع محطات الخطوط الثلاثة، اعتباراً من اليوم، بقيمة تراوح بين جنيهين وخمسة جنيهات، إذ قررت زيادة سعر تذكرة استقلال أقل من 9 محطات من 3 جنيهات إلى 5 جنيهات، ومن 9 محطات إلى أقل من 16 محطة من 5 جنيهات إلى 7 جنيهات، ولأكثر من 16 محطة من 7 جنيهات إلى 10 جنيهات، ترتفع إلى 12 جنيهاً إذا تضمنت استقلال محطات بالخط الثالث.
وكان سعر تذكرة مترو الأنفاق في مصر جنيهاً واحداً لجميع المحطات قبل نحو ثلاث سنوات، غير أن سعر التذكرة تعرض لزيادات متتالية بتوجيهات من السفيه السيسي، فيما وافق برلمان الدم على تعديلات مقدمة من حكومة الانقلاب على قانون إنشاء الهيئة القومية للأنفاق عام 2018، والتي مهدت الطريق لفرض زيادات كبيرة في سعر التذكرة، بعدما فتحت الباب لخصخصة مرفق المترو لأول مرة.
مستقبل أسود
وقضية القمح وتحقيق الاكتفاء الذاتي منه بمصر قضية أمن قومي حقيقية وليست "محتملة" على شاكلة "الإرهاب المحتمل" وتستحق "تفويضا" حقيقيا لتوفير الأمن الغذائي وزراعة المقوم الاساسي لقوت العباد، فمصر بلد زراعي في المقام الأول، وتلك حقيقة جغرافية تجسدت تاريخا وحضارة.
وبين كان وأصبح تفاصيل يطول شرحها قلصت الزراعة في بلد الزراعة، وتقلص المزروع من الأرض في خزائن الأرض، حتى بلغ الأمر بالمفكر المصري جمال حمدان، الذي رحل عن عالمنا في ظروف غامضة عام 1993، حد الحسرة على تلك الحالة حين يقول في أوراقه الخاصة إن "مستقبل مصر أسود والخيار أمام البلاد لم يعد بين السيء والأسوأ بل بين الأسوأ والأكثر سوءا".
كما يبدي خوفه من تراجع مساحة الزراعة "التي تعني الحياة للبلاد ومن غير الزراعة ستتحول مصر إلى مقبرة بحجم الدولة لأن مصر بيئة جغرافية مرهفة وهشة لا تحتمل العبث ولا تصلح بطبيعتها للرأسمالية المسعورة الجامحة الجانحة".
الفجوة
مصر هي المستورد الأول للقمح في العالم، حيث تستورد نحو تسعة ملايين طن من القمح سنويا وتستهلك ما بين 12 إلى 14 مليونا، وبدأت استيراد القمح في نهاية الستينيات من القرن الماضي بخطة تركيع للخارج بدأها عبد الناصر باستيراد عشرة آلاف طن قمح، ثم استمرت الفجوة حتى تفاقمت في نهاية عصر أنور السادات وبلغت ذروتها في عهد المخلوع مبارك.
وخلال العام المالي 2012/2013 الذي تولى فيه الرئيس الشهيد محمد مرسي رئاسة مصر، استطاعت مصر أن تخفض استيرادها من القمح بنسبة 10%، وتم الإعلان عن سياسة زراعية واقتصادية هدفها تحقيق اكتفاء ذاتيا نسبيا من القمح، من دون التعرض لضغوط على مصر، واتجهت لتشجيع المزارع على زراعة القمح من خلال الحافز المادي ليكون المحصول ذا مردود اقتصادي ولم يقتصر دعم الفلاح في مجال زراعة القمح على الحافز المادي، بل قدمت له خدمة الإرشاد الزراعي بشكل ملموس مما أدى إلى تحسن الكميات المنتجة في هذا العام.
ولكن بعد انقلاب العسكر وعودة مصر إلى الحظيرة الأمريكية الصهيونية، عادت عصابة الانقلاب لتبني سياسة الاستمرار في الاعتماد على استيراد القمح، وخرج وزير التموين في حكومة الانقلاب على الشعب بنبرة المجنون قائلا" إن كون مصر المستورد الأول للقمح في العالم ميزة وليست نقطة ضعف لأن مصر تحدد في هذه الحالة الدول التي تستورد منها"!