“أفران بشرية”.. كيف لمعتقل أن يظل على قيد الحياة مع لهيب درجات الحرارة؟

- ‎فيتقارير

تسجل درجات الحرارة في مصر هذه الأيام ارتفاعا قياسيا، فيما يعاني نحو 60 ألف معتقل من الرجال والنساء من حرارة الغرف في كافة سجون العسكر، والتي تضربها الشمس طوال النهار في ظل ارتفاع درجات الحرارة بأعلى من معدلها الطبيعي من كل عام، والاكتظاظ في الغرف، ما أدى إلى تحويل الغرف إلى أفران حارة لا تطاق، أودت بحياة بعضهم.
إضافة إلى حرّ الزنازين تمنع عصابة الانقلاب إدخال أطعمة للسجناء، من بينها أنواع من الفواكه والخضراوات وغيرها، بالمخالفة للقانون والدستور، وفق ما قالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان معتبرة ذلك حالة غير قانونية من العقاب الجماعي التي تستدعي تدخل النائب العام.

ظروف الحبس
فى درجة حرارة تقترب من الخمسين مئوية، وبين عشرات الاجساد المتلاصقة داخل غرفة ضيقة يعيش عشرات الآلاف من المصريين بين الحياة والموت، ونشرت الشبكة العربية تقريرا حمل عنوان "العنب… هل هو خطر على الأمن القومي؟ عن تعسف إدارة السجون في إدخال الأطعمة للسجناء".
تضمن شهادات كثيرة من أهالي معتقلين عن "رفض إدارة السجن لإدخال الفاكهة، والأدوية، والكتب، كما ترفض الإدارة إدخال دجاجة كاملة وتكتفي بنصف دجاجة، ولم تشرح سلطات الانقلاب السبب حتى الآن، فضلا هن شكاوى العديد من السجناء من أنهم محرومون من التريض، أو الاتصال التليفوني، أو إدخال الكتب، وحتى الرعاية الطبية الجادة".
ويوضح رئيس اللجنة القانونية بحزب الحرية والعدالة مختار العشري أن ظروف الحبس غير الآدمي بالسجون المصرية، والارتفاع المستمر في أعداد المعتقلين، وغياب الرقابة القضائية على أماكن الاحتجاز؛ أدت إلى تكدس أعداد المعتقلين في الزنزانة الواحدة، كما أدت إلى ضعف الرعاية الصحية، باعتبار أن المخصصات المالية المتعلقة بالرعاية الصحية لم تشهد أي زيادة، على عكس أعداد المعتقلين التي تشهد زيادات مستمرة.
ويؤكد "العشري" أن نظام عصابة الانقلاب موجود ضمن القائمة السوداء لأكثر الأنظمة انتهاكا لحقوق الإنسان، وفقا لتقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ومركز القاهرة لحقوق الإنسان، وغيرها من المنظمات التي أصدرت العديد من التقارير، وحذرت فيها من استخدام الرعاية الصحية كوسيلة للموت البطيء لمعارضي السفاح السيسي.
وحسب العشري، فإن السفاح السيسي لا يعنيه حقوق الإنسان، معتمدا في ذلك على الدعم الأمريكي والغربي له، مقابل الدور المشبوه الذي يقوم به في سيناء لصالح إسرائيل، تحت مبرر محاربة الإرهاب.
تقول الناشطة مني محمود :" زنازين بلا تهوية، حاشرين فيها ٤٥ معتقل في درجة حرارة فوف ال٤٠. مش هنقول إن ده بيخالف الدستور اللي انتم مش بتعملوا حاجة بيه..ده مخالف للإنسانية".
وتقول زهرة العلا سامي: "ابن عمتى معتقل ودرجة حرارة عالية و جسمه فى بقع و مش راضيين يدخلو ليه دكتور و الظابط قلنا لما يموت هنجبله الإسعاف".

شهادة مريرة
ويكشف كرم مكاوي المعتقل السابق بسجن العقرب عن كيفية تحول هذا السجن لكابوس يهدد المعتقلين في فصل الصيف، خاصة كبار السن والمرضى، موضحا أن السجن عبارة عن زنازين انفرادية لا تزيد مساحتها على خمسة أمتار، وهو مبني بنظام الخرسانات الجاهزة، وسمك الحائط الواحد فيها لا يقل عن ستين سنتيمترا، مما يؤدي إلى تخزين حرارة الشمس، فيجعل معدل حرارة الزنزانة أزيد من الطبيعي بخمس أو ست درجات.
ويضيف مكاوي -الذي قضي بالسجن ثلاثة أعوام- أن زنازين السجن مخصصة للحبس الانفرادي، ورغم ذلك يتم تسكين شخصين أو ثلاثة في الزنزانة الواحدة، باستثناء المخصصة لقيادات الإخوان بعنبر 2، ومعظمها انفرادية.
وحسب مكاوي، فإن الزنزانة ليس بها سوى مروحة سقف، ومع إغلاق الزنازين لمدد تصل لأسابيع وأشهر، فإن فصل الصيف يمثل كارثة على المعتقلين، خاصة المصابين بأمراض القلب وضيق التنفس والحساسية وارتفاع الضغط والسكر، كما أن الرعاية الصحية المتوفرة في السجن تقتصر على عيادة متواضعة للغاية، لا يمكن أن تقدم الخدمة لأكثر من ألف معتقل يعيشون ظروفا سيئة في التغذية والتهوية والعلاج.
ويتذكر المعتقل السابق أنه التقى داخل عيادة السجن كثيرا من الحالات الحرجة التي تتدهور صحتها، بسبب فصل الصيف مثل الداعية السلفي خالد صقر، الذي يصاب بنوع غريب من الأمراض نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، يفقده القدرة على الحركة والتركيز الكامل.
وقال محمود علي -اسم مستعار- إنه مُعتقل في أحد سجون منطقة طره بتهمة التظاهر، والانضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، والمشاركة في أعمال عنف مزعومة، مؤكدا أن تلك الاتهامات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق.
وحكى "علي" عن ما وصفه بأبشع موقف تعرض له داخل محبسه، قائلا: "دخل علينا الزنزانة حرّاس السجن فجر أحد الأيام بينما كنت نائما، وطلبوا مني سرعة الاستيقاظ والنهوض معهم، فحينما سألتهم عن السبب، قالوا لي: حانت لحظة إعدامك لنرتاح منك وترتاح أنت من وضعك داخل السجن..
وبالفعل أخذوني بقوة خارج الزنزانة، بينما كنت أحاول الثبات وقراءة آيات من القرآن، ونطق الشهادتين، لكن حقيقة وقع الأمر عليّ كالصاعقة، وبعدما خرجت معهم وأخذوني لمنطقة التريض، فإذا بهم توقفوا فجأة ونظروا لبعضهم البعض، ودخلوا في نوبة ضحك وسخرية قائلين بعدما انهالوا عليّ بالسباب: "لن تموت اليوم. سنتركك حتى الغد أو ربما بعد غد. لكن تأكد أن هذا اليوم آت لا محالة. أما اليوم فقد كنّا نضحك عليك ونختبر أعصابك".