لم تجد أم نبي الله موسى عليه السلام بُدا من أن تلقي برضيعها الصغير في اليم، هربا من بطش الفرعون وزبانيته، والأمر يتكرر في مصر وكأن كل أب وأم تحولا إلى "أم موسى" وأصبح البحر ملاذهم يُلقون فيه بفلذات أكبادهم، هربا من البطالة وسحق الكرامة والانهيار المدوي في مصر.
وقال مسؤولون إن "أكثر من 600 مهاجر، أغلبهم من المصريين، وصلوا إلى جنوب إيطاليا خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، في تحدٍ للأجواء العاصفة مع حلول الشتاء، بحثا عن حياة أفضل في أوروبا.
خفر السواحل الإيطالي أنقذ نحو 300 رجل وصبي ليلة السبت 13 نوفمبر 2021، كانوا متكدسين في قارب صيد قبالة حافة إيطاليا الجنوبية، واقتيدت المجموعة، وكانت بالكامل تقريبا من المصريين، إلى الشاطئ في ميناء روتشيلا يونيكا القريب، وفقا لما أوردته وكالة رويترز.
انهيار اقتصادي
تعاني مصر في عهد المنقلب السفاح السيسي من تراجعات في العديد من القطاعات الاقتصادية، كقطاع السياحة، والصادرات المصرية، والارتفاع غير المسبوق للدين العام الداخلي والخارجي، وانخفاض النمو الحقيقي للناتج المحلي، وانهيار احتياطي النقد، والارتفاع الجنوني في الأسعار، وانتشار البطالة بشكل مخيف، وتزايد معدلات الفقر بين الطبقات الوسطى، وانهيار مؤشر البورصة بشكل كبير.
وكانت إيطاليا قد شهدت زيادة كبيرة في وصول قوارب المهاجرين في الأسابيع القليلة الماضية، وستزيد أحدث موجة مهاجرين الضغط على حكومة رئيس الوزراء ماريو دراجي، من أجل التوصل إلى اتفاق مع الشركاء بالاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التصدي لمثل هذا التدفق.
فحتى 12 نوفمبر 2021، وصل إلى إيطاليا منذ بداية العام 57833 مهاجرا، مقابل 31213 في الفترة نفسها من 2020 و9944 فقط في 2019.
تقول الناشطة آية حجازي "أنا قلبي مع كل واحد من اللي عايزين يهاجروا أو يعملوا لجوء، أوطاننا مش بس فيها فقر، لا دي بتيجي على المواطن الغلبان، بتعامله درجة تانية في بلده، وأغلب اللي بيقولوا للناس ماتهاجروش هم مواطنون درجة أولى، عايشين على دم الغلابة، ولو أنه الغربة فيها غُلب، إلا أنه بتدي المهاجر ميزات مش في بلده لو قعد، وتخليه يتعامل مواطن درجة أولى لو رجع، غير العلم وطريقة الحياة وغالبا فلوس اللي هيكتسبها برة، حتى ممكن ينفع نفسه وأهله اللي جوه وكمان احتمال وطنه بعلمه بعدين، اللي عايز يسافر يسافر، ماحدش بينفع وطنه وهو غلبان".
بالموازاة مع ذلك، قالت حكومة جزر الكناري الإسبانية إن "قوات خفر السواحل الإسبانية عثرت على جثث ثمانية مهاجرين أفارقة في مركب كانت الأمواج تجرفه قبالة جزيرة جران كناريا الأحد 14 نوفمبر 2021".
كذلك أنقذت قوات خفر السواحل 62 مهاجرا، جميعهم رجال باستثناء صبي يبلغ من العمر 12 عاما، ونُقل ثلاثة أشخاص كانوا في حالة حرجة بطائرة هليكوبتر إلى مستشفى في جران كناريا، وعالجت قوات خفر السواحل تسعة آخرين أثناء نقلهم إلى الجزيرة.
تشير بيانات الحكومة الإسبانية إلى أن أكثر من 13100 مهاجر قاموا برحلة محفوفة بالمخاطر من غرب إفريقيا إلى أرخبيل جزر الكناري، بين يناير و30 سبتمبر 2021، أي أكثر من ضعف العدد في الفترة المماثلة في عام 2020.
مؤامرة على الفقراء
الفقر في مصر وصل لمرحلة غير مسبوقة في عهد السفيه السيسي، وهذا أدى بطبيعة الحال إلى تقليص واضح في الطبقة الوسطى لصالح الأغنياء، وزيادة نسبة الفقر في المجتمع المصري، وذلك نتيجة السياسات المدمرة المتعمدة التي يسير عليها السفاح السيسي.
وأشارت ورقه بحثية أعدها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن زيادة الأسعار مؤامرة على الفقراء، لهدم الطبقة الوسطى، والتي كانت تضم نسبة كبيرة من المصريين وظلت هذه الطبقة تتضاءل وتتقلص، وجاءت القرارات الاقتصادية الأخيرة والزيادات الرهيبة في الأسعار، لتقضي على وجود هذة الطبقة نهائيا وتصبح أثرا بعد عين.
وكل الإحصاءات تشير أن الهجرة غير الشرعية أغلبها من سكان الريف، حيث إن 85% من سكان الريف فقراء و42 % في الحضر تحت خط الفقر، والفقر لا يزال يتركز بشدة في صعيد مصر إذ تقع 762 من بين القرى الألف الأشد فقرا في المنيا وأسيوط وسوهاج، وهي قرى يعاني أكثر من نصف سكانها من فقر شديد.
وتزداد خريطة الفقر في مصر تعقيدا بوجود نحو 63 % من الفقراء خارج حدود هذه القرى، ويلاحظ أن 13.1% من سكان محافظات الوجه البحري يعانون من الفقر فيما تعد محافظة المنوفية من أكثر محافظات الوجه البحري فقرا بنسبة 21.7% ، ويعد الوجه البحري في مصر أفضل حظا من الوجه القبلي، حيث توجد به أغنى محافظات الجمهورية وهما محافظتا دمياط وبورسعيد، إلا أن البطالة وسياسات الانقلاب ضربت استقرار هاتين المحافظتين.
مأساة موت المصريين على طرق الهجرة غير النظامية، أصبحت من أكثر ما يؤرق المصريين في تاريخهم الحديث، حتى بات الشعراء يدونون القضية في أدبياتهم.
من هؤلاء الشاعر فاروق جويدة، الذي ألقى عام 2008، قصيدته الشهيرة "هذه بلاد لم تعد كبلادي" بسبب مأساة غرق مركب رشيد الذي راح ضحيته عشرات من المصريين.
ومما قاله فيها "قد كان آخر ما لمحت على المدى.. والنبض يخبو صورة الجلاد، قد كان يضحك والعصابة حوله.. وعلى امتداد النهر يبكي الوادي، وصرخت والكلمات تهرب من فمي.. هذه بلاد لم تعد كبلادي".
فزوارق الموت المهترئة على ضفاف المتوسط لا ترحم المصريين الذين يفرون من بلادهم إلى المجهول هربا من الفقر، وبحثا عن حياة كريمة انعدمت في بلادهم.