منذ العام 2011 ومصر بلا محليات، ما فاقم أزمات المواطن واختزل دور ومهام المجالس التشريعية من قضايا الوطن الكبرى إلى قضايا محلية ضيقة تقوم بها الأحياء، وبات وقت نواب الشعب محصورا في مواسير الصرف أو رصف الشوارع أو زيادة حصة تموينية أو ردم ترعة، بعيدا عن مناقشة سياسات الحكومة أو رقابتها أو متابعة الوزراء ، وكأنه هدف استراتيجي يضمن للسلطة المركزية استمرار سيطرتها على عموم مصر، وإطلاق يد الفساد في المحليات التي يضربها الفساد منذ عهد مبارك حتى الركب، بحد توصيف رئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق زكريا عزمي.
وكانت أخر انتخابات محلية شهدتها مصر في العام 2008، والتي جرى تزويرها بالكامل لصالح الحزب الوطني، الذي أفسد الحياة السياسية والمحلية بمصر.
وقد ألغى المجلس العسكري بعد ثورة 25 يناير، وفي العام 2011، تلك الانتخابات وشكل مجالس محلية مؤقتة، ومن وقتها ظلت مصر بلا انتخابات، ما عطل جهودا تنموية عديدة وأفقد المواطن الثقة في أي حكومة وترعرع الفساد في ربوع مصر، وبات كل شيء في يد ضباط السيسي الذين يحتلون مناصب قيادية بالمراكز والمدن والمحافظات.
ووفق مراقبين، يعود السبب الرئيس في تجميد مناقشات قانون الإدارة المحلية المجمدة منذ ما يقرب من 12 عاما، إلى تعليمات الأجهزة السيادية لرئيس البرلمان، سواء السابق (علي عبد العال) أو الحالي (حنفي جبالي) بسبب عدم رغبة السيسي في وجود مجالس محلية منتخبة منذ استيلائه على الحكم في عام 2014.
مراقبة المجالس
كما أن عدم مناقشة القانون يعود إلى اشتراط مواده مراقبة المجالس المحلية لخطط التنمية، ومتابعة أوجه النشاط المختلفة، وممارسة أدوات الرقابة على الأجهزة التنفيذية، بحسب أحكام الدستور، وهو ما يُهدد عمليات الإسناد المباشر من الوزارات والمحافظات المختلفة للشركات التابعة لوزارة الدفاع والجيش، وعلى رأسها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، والهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
ويمنح القانون المُجمد كل مجلس محلي اختصاص اعتماد موازنته وحسابه الختامي، الأمر الذي يعني مراقبة كافة موازنات وأرقام مشاريع البنية التحتية، ومشاريع الطرق، التي تشهدها جميع المحافظات تحت إشراف شركات الجيش، ما يُنذر بأحد أمرين، إما سحب عمليات الإسناد من الجيش في حالة نزاهة المجلس المحلي، أو مشاركة المجلس أرباح المؤسسة العسكرية من وراء تلك المشاريع بصورة غير شرعية.
إقرار قانون المحليات
وهو ما يؤكد أن تأجيل إقرار قانون المحليات الجديد ومن ثم تأجيل الانتخابات المحلية، هدف مشترك للسيسي وللجيش في آن واحد، يحافظ على فساد المواونات وعمليات الإسناد المباشر التي يدير بها السيسي حركة الاستثمار والإنشاءات والبنية الأساسية والاستيراد والتصدير، من خلال شركات الجيش التي تعمل بلا رقابة أو محاسبة من أي جهة، سوى مجموعة من القيادات العسكرية التي تتقاسم المغانم ويمنحون السيسي الولاءات.
وعلى أساس تلك السياسة يسيطر الجيش على أكثر 60% من اقتصاد مصر، ويحرم خزينة الدولة من أي رسوم أو ضرائب أو أي فائدة، ما يفاقم عجز المواونة الذي يغطيه السيسي بالضرائب على رؤوس الشعب وبالديون والاقتراض المفتوح ويضع مصر في دوامة من الديون لا تنتهي.
والثلاثاء الماضي ، أُثير موضوع إصدار قانون تنظيم المحليات بمجلس نواب الانقلاب ، وسط تجاهل حكومي متعمد.
وطالب أعضاء في مجلس النواب بالعمل على تسريع إصدار قانون الإدارة المحلية في مواجهة فساد المحليات، لا سيما أنهم لا يعلمون من وراء تجميد القانون منذ أكثر من ست سنوات وسط تجاهل حكومي، على الرغم من إدراجه على جدول أعمال البرلمان الانقلابي أكثر من مرة، وسحبه في اللحظات الأخيرة من دون إعلان الأسباب.
وقال النائب عبد المنعم إمام، أمين لجنة الخطة والموازنة في المجلس، خلال مناقشة طلبات إحاطة وأسئلة موجهة إلى وزير التنمية المحلية محمود شعراوي، الثلاثاء الماضي، إنه "لا توجد إرادة من الدولة لإجراءات الانتخابات المحلية رغم أهميتها البالغة، مستطردا بأن بعض الوحدات المحلية في المحافظات يكون على قوتها نحو ألف موظف، ولا يتواجد منهم فعليا سوى 50 فردا في الوحدة على أقصى تقدير".
التربح غير المشروع
وأضاف إمام "الهم الأساسي للمسؤولين في المحليات هو التربح غير المشروع من وراء وظائفهم، خصوصا أنه لا توجد أي رقابة عليهم في ظل تغييب دور المحليات، ما يدفع ثمنه المواطنون من أموالهم وجهدهم، إذ يمكن تلخيص معاناتهم حاليا في أمرين، الأول هو غلاء الأسعار والثاني فساد المحليات".
ولعل من يدفع ثمن ذك كله هو المواطن البسيط الذي يعاني ضعف الخدمات الصحية والزراعية والأمنية وغيرها من الشئون المحلية، التي لا تُدار إلا بالرشوة والمحسوبية، في عهد الفساد والطرمخة العسكرية.