بيع وتفريط وإهدار لثروات ومؤسسات مصر، هذا يصنعه عسكر مصر طوال السنوات التسع الماضية من أجل عيون الدولار، أخر تلك الكوارث بعدما حصلت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” على موافقة بالاستحواذ على نصف محطات “توتال” للوقود في مصر؛ بموجب صفقة وُقِعت في يوليو من العام الماضي.
200 مليون دولار
حصيلة البيع وفق ما أفاد موقع قناة الشرق السعودية، بأن مجلس إدارة “بي إنفستمنتس القابضة” المالكة للمحطات وافق على الصفقة ، ومن المتوقع الانتهاء من تنفيذها خلال الربع الأول من عام 2023.
وتقدر قيمة الصفقة بأكثر من 203 ملايين دولار، وتشمل أنشطة محطات بيع الوقود بالتجزئة والجملة ووقود الطائرات في مصر.
وكانت شركة “أدنوك للتوزيع” وقعت في 28 يوليو الماضي اتفاقية مع “توتال إنرجيز ماركتينج أفريك” للاستحواذ على 50% من شركة “توتال إنرجيز للتسويق مصر” بقيمة تقارب 186 مليون دولار، إلى جانب مبلغ إضافي يصل إلى 17.3 مليون دولار إذا تم استيفاء شروط معينة.
وتأسست “توتال إنرجيز مصر” عام 1998، وتعد واحدة من أكبر أربع شركات لبيع الوقود بالتجزئة في البلاد، ولديها محفظة أعمال متنوعة تضم 240 محطة لبيع الوقود بالتجزئة، وما يزيد على 100 متجر للبيع بالتجزئة.
قطاع البترول
وتوسعت أنشطة شركة إمارات مصر البترولية خلال السنوات الماضية، إذ بلغ عدد محطات الخدمة وتموين السيارات التي تتبعها 16 محطة، وسط خطة رسمية بمضاعفة أعدادها خلال السنوات المقبلة، كما دخلت الشركة الإماراتية في شراكة مع شركة مصر للبترول التي تتبع الهيئة العامة للبترول في مشروع «أمصرجيت» لتموين الطائرات في مطار برج العرب الدولي منذ عام 2014 والذي يضم أنابيب ومستودعات وتشغيل وإدارة محطة لتموين الطائرات باستثمارات تبلغ أكثر من 50 مليون جنيه.
وكانت وزارة الاقتصاد الإماراتية قالت إن “دولة الإمارات تعد أكبر مستثمر في مصر على الصعيد العالمي، برصيد استثمارات تراكمي يزيد على 55 مليار درهم 15 مليار دولار في وقت تعمل فيه أكثر من 1250 شركة إماراتية في مصر في مشروعات واستثمارات تشمل مختلف قطاعات الجملة والتجزئة، والنقل والتخزين والخدمات اللوجستية، والقطاع المالي وأنشطة التأمين، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والعقارات والبناء، والسياحة، والزراعة والأمن الغذائي”.
28 مليار دولار حجم الاستثمارات الإمارتية
وطوال السنوات الماضية بعد انقلاب يوينو 2013 وصل إجمالي الاستثمارات الإماراتية في مصر إلى 28 مليار دولار، بحسب ما قاله وزير الاقتصاد الإماراتي عبدالله المري ، في أكتوبر الماضي، مشيرا إلى وجود استثمارات مشتركة بقيمة 300 مليار دولار.
وتعتبر الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري عربي لمصر؛ حيث وصل التبادل التجاري بين البلدين خلال 2021 إلى 27.8 مليار درهم (7.5 مليار دولار) وتعد مصر خامس أكبر شريك تجاري عربي لأبوظبي.
هيمنة متواصلة
وتستعد الإمارات لتشييد مشروع مدينة أبو قير الجديدة، حيث ستعتمد وبشكل كلي على إنشاء جزيرة صناعية ومدينة ذكية وسط البحر الأبيض المتوسط، باعتبارها أول مدن الجيل الخامس في مصر، وعلى الرغم من ضخامة المشروع الذي بدأ العمل فيه بالفعل، والحديث عن استثمارات كبيرة ستجنيها مصر من خلاله، إلا أن مخاوف كثيرة تدور حوله بسبب التأثير البيئي المصاحب له، وسيطرة الإمارات على المشروع، فضلا عن وجود تخوفات من تكرار ما جرى مع ميناء العين السخنة سابقا.
ويكمن الهدف الأساسي وراء مدينة أبو قير الجديدة بأن تكون مدينة استثمارية تجارية بحتة، تضم أكبر ميناء بحري على السواحل الشمالية، فضلا عن الأبراج الشاهقة والمنطقة المفتوحة على غرار مدن دبي الحديثة.
12 مليار جنيه
ووقعت حكومة الانقلاب مع شركة اعتماد القابضة الإماراتية التابعة لجهاز أبوظبي للاستثمار، عقد شراكة أواخر نوفمبر 2021، بشأن المشاركة في تدشين مدينة أبو قير الجديدة باستثمارات تتجاوز 12 مليار جنيه (490 مليون دولار).
ومن المقرر إنشاء مدينة أبو قير الجديدة داخل مياه البحر المتوسط في الاتجاه الشرقي لمدينة الإسكندرية، مجاورة بذلك مدينتي أبوقير والمعمورة.
مشروع “سيتي روك”
سبق وأعلنت المجموعة الإماراتية للتنمية (هوريزون) عن انطلاق مشروعها تحت مسمى «سيتي ووك» بمنطقة أليكس ويست غربي الإسكندرية.
قال ماجد بن سعيد النعيمي رئيس المجموعة، إن “المشروع سيكون نموذجا لمراكز التسوق غير المسبوقة في مصر، ويُعتبر أول درجة من درجات السلم التي تستهدفها المجموعة خلال 5 سنوات، والتي تشمل الانتهاء من تشييد 6 مراكز تجارية، في كل من الجونة والساحل الشمالي والعاصمة الإدارية ومدينة الشيخ زايد”.
وقال المهندس جمال مرسي نائب رئيس مجلس الإدارة شركة بارونز كورت، المالكة لمشروع أليكس ويست، إن “المشروع تم إنشاؤه على مساحة 2 ونصف مليون متر مربع”.
قال الشيخ صالح الزرعوني رئيس مجلس إدارة شركة إنفينتي فيجن، إن “الاستثمارات الجديدة ستوفر 5000 فرصة عمل”.
وخلال السنوات الأخيرة لم يتوقف السعي الإماراتي للهيمنة على قطاعات اقتصادية استراتيجية في مصر، ما يراه مراقبون استغلالا للنفوذ السياسي الذي اكتسبته الدولة الخليجية في مصر خلال السنوات الماضية، خاصة بعد موقفها المساند للقاهرة في الانقلاب العسكري الذي تم في 2013.
ويعتبر قطاع النقل المصري أحد القطاعات الذي ضخت فيه شركات إماراتية استثمارات ضخمة خلال الآونة الأخيرة من خلال اتفاقيات مع حكومة الانقلاب بمصر.
10 مليارات دولار
رئيس موانئ أبو ظبي قال إن “القيادة السياسية للإمارات رصدت 10 مليارات دولار للاستثمار في مصر، معربا عن تطلعه لأن يكون الجانب الأكبر من هذه الاستثمارات في مجال الموانئ، لافتا إلى أن موانئ أبو ظبي لديها اهتمام كبير بالحصول على فرص تعاون جادة مع الجانب المصري في هذا المجال”.
وحسب بيان نشرته صفحة وزارة النقل المصرية على فيسبوك، فقد تباحث الجانبان في مشروعات التعاون في مجال النقل النهري، وأن هناك توافقا على توقيع اتفاقية خلال الفترة القادمة لتشغيل خط نقل بضائع عبر نهر النيل المنيا – إسكندرية ـ دمياط لنقل منتجات محطة السكر الجديدة في المنيا.
كما تم التباحث حول شراكة موانئ أبو ظبي في إنشاء وتشغيل مشروع نقل الركاب النهري في مدينة القاهرة الكبرى نظرا لخبراتهم السابقة في نقل الركاب بين الجزر في مدينة أبو ظبي، إضافة إلى الشراكة بين موانئ أبو ظبي وهيئة موانئ البحر الأحمر لتطوير ميناء شرم الشيخ ليصبح أحد المحطات الرئيسية لسفن الكروز في حوض البحر الأحمر.
يذكر أن الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى، هو أول الطرق المصرية التي سيتم تشغيل أتوبيسات بي أر تي عليها، بعد الانتهاء من تطوير الطريق وانتهاء إنشاء المحطات الخاصة به، حيث تم البدء في تنفيذ أول 10 محطات من نظام الأتوبيس الترددي السريع بي أر تي، وتم الانتهاء من إعداد الرسومات المعمارية والإنشائية لها، منها محطات السويس، وموقف العاشر، والمرج، ومسطرد، وبهتيم، وتقاطع الدائري مع القاهرة الإسكندرية الزراعي.
وكانت شركة مواصلات مصر، التي نجحت الشركة الإماراتية في الاستحواذ عليها، شغلت 236 سيارة نقل جماعي، بدأت مرحلتها الأولى من خلال 100 ميني باص و80 أتوبيسا ذكيا.
القطاع المالي
وفي مجال القطاع المالي، أعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية المصرية عن رغبة بنك أبو ظبي الأول، في تقديم عرض شراء إجباري لاستحواذ محتمل على نسبة أغلبية لا تقل عن 51٪ من أسهم رأس مال المجموعة المالية «هيرميس» القابضة المصدرة.
وأوضحت الهيئة، أنها تلقت كتابا من بنك أبو ظبي الأول بشأن الإفصاح عن نيته في تقديم عرض شراء إجباري لاستحواذ محتمل على نسبة أغلبية لأسهم هيرميس القابضة وفقا لأحكام الباب الثاني عشر من اللائحة التنفيذية لقانون سوق المال 95 لسنة 1992.
وتقترب قيمة الصفقة من 1.2 مليار دولار، وأعلنت «هيرميس» القابضة أن مجلس إدارتها يقوم حاليا بدراسة العرض، وسوف تقوم الشركة بالإفصاح عن أي مستجدات فور حدوثها، كما تنصح إدارة الشركة صغار المستثمرين بتوخى الحذر في تعاملاتهم.
يأتي عرض بنك أبو ظبي الأول ليعكس تزايد تحول البنوك في الإمارات إلى التوسع في مصر، حيث استحوذ بنك أبو ظبي الأول، في العام الماضي على وحدة بنك عودة في مصر.
هيمنة على القطاع الصحي
ومن بين القطاعات التي شهدت هيمنة من المستثمرين الإماراتيين، القطاع الصحي المصري، ما حذر منه أطباء وخبراء مصريون في مجال الصحة.
على مدار الأعوام الأخيرة، نجحت شركة أبراج كابيتال الاقتصادية الإماراتية العملاقة، والمتخصصة في إدارة الملكيات الخاصة، في إتمام أكثر من صفقة استحواذ لها على أكبر كيانات طبية داخل مصر، نقلتها من مجرد مستثمر إلى محتكر لهذا القطاع الطبي الذي يخدم الملايين من المواطنين.
وشملت صفقات الاستحواذ للشركة الإماراتية، شراء 12 مستشفى خاصا، أبرزها مستشفى «القاهرة التخصصي» و«بدراوي» و«القاهرة» و«كليوباترا» و«النيل» بجانب معامل التحاليل الأشهر «المختبر» و«البرج» وتأسيس شركة جديدة تضم المعملين، وإتمامها صفقة شراء شركة آمون للأدوية.
تُظهر المعلومات المتاحة عن الشركة الإماراتية التي تأسست في 1999، أن قيمة الأصول التي تديرها الشركة تصل نحو 5.7 مليار دولار، عبر أكثر من 20 صندوقا استثماريا موزعا على أكثر من 30 دولة.
وكانت منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء المصريين السابقة، حذرت في وقت سابق في منشور لها على «فيسبوك» من الهيمنة الإماراتية، مشيرة عبر صفحتها إلى سعي شركات إماراتية للسيطرة على النظام الصحي في مصر، واصفة هذا الأمر بـالمرعب.
وقالت مينا «الكارثة أنه في الوقت نفسه الذي يسعى مشروع خصخصة التأمين الصحي الجديد لفتح المستشفيات العامة للقطاع الطبي الخاص في مصر، تستولي شركة أبراج الإماراتية على المستشفيات الخاصة الأكبر في مصر بالتدريج».
وأضافت «شركة أبراج شركة متعددة الجنسيات مقرها في المنطقة الحرة بالإمارات، وقانون إنشائها يمنع الإعلان عن المساهمين فيها سواء أفرادا أو حكومات، واشترت حتى الآن سلسلتي معامل البرج والمختبر، ومستشفيات كليوباترا والقاهرة التخصصي بشكل أكيد».
قطاع الاتصالات
وتوسعت دولة الإمارات في الاستثمار بقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات داخل مصر، وهو القطاع الذي انحصر الاستثمار فيه بجهات سيادية داخل الدولة أو عن طريق شراكتها مع المستثمر الأجنبي الذي ينال الموافقات الأمنية، قبل السماح له بالاستثمار في هذا القطاع لاعتبارات لها علاقة بالأمن القومي، ويُقدر إجمالي عدد الشركات الإماراتية العاملة في قطاع الاتصالات والتكنولوجيا المصري بنحو 674 شركة، تعمل بالسوق المصرية، وفقا لآخر إحصائيات متاحة، بينما يبلغ حجم استثمارات شركة اتصالات الإماراتية في مصر إجمالي 36 مليار جنيه مصري.
توسع الإمارات بهذه الاستثمارات الضخمة في هذا القطاع الذي تضع الجهات الأمنية الكثير من القيود عليه، أمر كاشف عن حجم النفوذ السياسي للدولة الخليجية، والذي انعكس على دخولها قطاعات كانت محظورة على المستثمرين.