في ظل الإنكار الشديد لواقع حياة المصريين المأزومة بصورة غير مسبوقة، والتي عبر عنها السيسي خلال الأيام القليلة الماضية، حيث أكد أن "إحنا ماشيين كويس ، ما تقلقوش على مصر ، وبطلوا هري" وغيرها من كلمات الإنكار والإدانة لتعبير المصريين عن تردي أوضاعهم الاقتصادية مع الأسعار المنفلتة وغياب الأسعار وضعف قدرتهم الشرائية وخسارة أكثر من 70% من قيمة مدخراتهم، وبالمخالفة للتطمينات السابقة التي أطلقها السيسي ونظامه للمصريين، بشأن انحيازهم للطبقات الاجتماعية الفقيرة وعدم تقليص الدعم والخدمات الاجتماعية، حفاظا على الفقراء وشبكات الدعم الاجتماعي.
قدم السيسي ونظامه الفاشل الثلاثاء الماضي المزيد من التعهدات الكارثية لبعثة الصندوق النقد الدولي، وانصاع تماما للشروط القاسية التي طلبها الصندوق، غير عابئ بمالآت الأمور ونتائج تلك السياسات والتعهدات، والتي تطيح بالاستقرار الاجتماعي وتدفع المصريين دفعا نحو ثورة جياع لا تُبقي ولا تذر.
وفي هذا السياق، أظهر تقرير لخبراء صندوق النقد الدولي، صدر الثلاثاء، التزام مصر بمجموعة من الإصلاحات النقدية والمالية، لكي تتمكن من الحصول على الدفعات التالية، ضمن اتفاقها على حزمة دعم مالي بقيمة ثلاثة مليارات دولار مع المؤسسة الدولية.
تعهدات للصندوق
وأكد تقرير الصندوق أن الحزمة تتضمن تحولا دائما إلى نظام سعر صرف مرن، وسياسة نقدية تهدف إلى خفض التضخم تدريجيا، وضبط أوضاع المالية العامة لضمان مسار الدين العام التنازلي، مع عرض الشركات المملوكة للجيش للبيع للقطاع الخاص، للحد من تدخل الدولة في الاقتصاد، وتعزيز الحوكمة والشفافية.
وأكد الصندوق أنه من المتوقع أن يحفز الاتفاق مع الحكومة المصرية تمويلا إضافيا لها، من الشركاء الدوليين والإقليميين، قدرة الصندوق بأكثر من 14 مليار دولار.
وأشاد مسؤولو الصندوق بقرار تحريك سعر الصرف في مصر، وصولا إلى سعر يعتمد على العرض والطلب، مشيرين إلى أن تثبيت سعر الجنيه سابقا أضر بأداء السوق.
واتجهت مصر للصندوق، للحصول على رابع قرض في أقل من ست سنوات، بعد تعرضها لواحدة من أكبر أزمات العملة في تاريخها.
كما جددت مصر، خلال العام الأخير، ودائع بمليارات الدولارات كانت مستحقة لدول خليجية داعمة، واقترضت عدة مليارات أخرى، كما باعت حصة الحكومة في العديد من الشركات الرابحة، وعطلت استيراد كميات ضخمة من السلع، لتوفير العملة الأجنبية للوفاء بالتزاماتها، بعد خروج أكثر من 20 مليار دولار من الأموال الساخنة من البلاد، مطلع العام الماضي.
ارتفاع الدولار
وخلال الأشهر العشرة الأخيرة، ارتفع الدولار مقابل الجنيه بأكثر من 75%، الأمر الذي تسبب في ارتفاع التضخم في البلاد، واختفاء بعض السلع الأساسية، أو ارتفاع أسعارها بصورة غير مسبوق.
وبحسب بيانات البنك المركزي ارتفع المعدل السنوي للتضخم الأساسي في البلاد إلى 24.4% بنهاية ديسمبر 2022، مقارنة بـ21.5% بنهاية نوفمبر السابق.
وشمل البرنامج الذي قال الصندوق إن "الحكومة وافقت عليه، إصلاحات هيكلية لتقليص دور الدولة، وتحفيز النمو الذي يقوده القطاع الخاص".
وقال الصندوق إن "السياسة ستغطي جميع الشركات المملوكة للدولة، بما في ذلك الشركات المملوكة للجيش، في ما اعتبر اعترافا نادرا من صندوق النقد الدولي بتوسيع الجيش لدوره في الاقتصاد المصري بدءا من عام 2013.
وبموجب هذه السياسة؛ ستحدد الحكومة القطاعات الاستراتيجية التي ستستمر في العمل بها، بينما تسحب الدولة نفسها تدريجيا من القطاعات غير الاستراتيجية، عن طريق بيع الأصول، كما جاء في تقرير الصندوق.
كما سيُطلب من الكيانات المملوكة للدولة تقديم حسابات مالية إلى وزارة المالية مرتين في السنة، وتقديم معلومات عن أي أنشطة شبه مالية ، في محاولة لتحسين الشفافية، وقال الصندوق إن "الوزارة ستتمكن من الاطلاع على البيانات المالية الخاصة بالشركات المملوكة للجيش".
والغريب أنه رغم تعهدات السيسي بتقليص دور الجيش في الاقتصاد، قرر السيسي يوم الاثنين الماضي، استثناء الجيش ومشاريعه من سياسات التقشف الاقتصادي التي اتخذها في عموم الوزارات المدنية، بجانب وزارة الداخلية ومشاريعها، إذ يستخوذ الاقتصاد العسكري على أكثر من 60% من اقتصاد مصر.
وأنفقت حكومة الانقلاب بسخاء على مشروعات البنية التحتية على مدى السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك بناء شبكة واسعة من الطرق والجسور، فضلا عن إقامة مدن جديدة، ومشروعات حكومية بالعاصمة الإدارية الجديدة مثل الحي الحكومي، كما بدأت العمل في مشروع للسكك الحديدية فائقة السرعة، ومشروع أخر لإقامة محطة للطاقة النووية، تبلغ كلفة كل منهما نحو 30 مليار دولار.
رفع أسعار الوقود
ولعل أخطر ما ينتظره المصريون، هو اتجاه حكومة الانقلاب لرفع سعر جميع المنتجات البترولية ومن ثم الكهرباء والمياه، إذ قالت الحكومة المصرية إنها "ستسمح لأسعار معظم منتجات الوقود بالارتفاع حتى تتماشى مع آلية مؤشر الوقود في البلاد، لتعويض التباطؤ في مثل هذه الزيادات خلال السنة المالية الماضية".
كما وافقت مصر على تعزيز كفاءة سياستها النقدية من خلال التخلي عن معظم برامج الإقراض المدعوم، وضمان أن تظل أسعار الفائدة بين البنوك مرتبطة ارتباطا وثيقا بنطاق أسعار الفائدة الذي يقرره البنك المركزي.
ديون جديدة وبيع أصول
وذكر الصندوق أن البنك الدولي سيغطي 1.1 مليار دولار من فجوة التمويل المتبقية لهذا العام البالغة 5.04 مليارات دولار، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية 400 مليون دولار، والبنك الأفريقي للتنمية 300 مليون دولار، وصندوق النقد العربي 300 مليون دولار، وبنك التنمية الصيني مليار دولار، بينما ستغطي مبيعات الأصول العامة ملياري دولار.
وقالت مصر إنها "حصلت على تأكيدات بأن ودائع من دول الخليج في البنك المركزي المصري بقيمة 28 مليار دولار لن تستحق قبل سبتمبر 2026، ولن تُستخدم لشراء أسهم أو ديون".
وهو ما يحمل المصريون أحياء وأمواتا بل والذين لم يأتوا بعد بديون كارثية عليهم سدادها من دمائهم وأموالهم، وهو ما يدفع المصريون نحو مجاعات وقتل واحتراب اجتماعي من أجل لقمة العيش.