الموقف المصري من العدوان الصهيوني على غزة.. ظاهره الحياد وباطنه الخذلان

- ‎فيتقارير

بعد الأنباء التي  ترددت عبر وسائل الإعلام بقرب التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار سيتم الإعلان عنه منتصف ليلة الخميس 11 مايو 23م بين مليشيات الاحتلال الصهيوني من جهة وفصائل المقاومة الفلسطينية من جهة أخرى  عبر وساطة مصرية قطرية، فإن ذلك سوف يحسب لهذه الوساطة وتلك الجهود، وهي الجهود التي تحظى بتقدير واسع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبي والمجتمع الدولي. فواقع الأمر أن القاهرة فقدت تأثيرها الإقليمي بوصفها الأخت الكبرى للبلاد العربية بعدما تمكنت المملكة العربية السعودية  من إزاحتها من هذه المكانة  بفعل سطوة الأموال وفشل الإدارة المصرية في الحفاظ على هذه المكانة التي ورثتها منذ العهد الملكي قبل انقلاب 23 يوليو 1952م.

على كل حال فإن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي يرى في مثل هذه المواجهات فرصة لإبراز الدور الوظيفي المنوط به  إقليميا، لاسيما في ظل تراجع الدور المصري بشكل ملحوظ كما يجري حاليا في السودان؛ فليس للقاهرة تأثير يذكر على الأحداث المشتعلة بين  الجيش وقوات الدعم السريع، وتركت الساحة للرياض وأبو ظبي تمارسان الاستعراض السياسي ومدى قدرة كل منهما على توجيه الأحداث والتأثير فيها. كما أن النفوذ المصري في ليبيا يكاد يكون هامشيا في ظل تبعتيه المستمرة للموقف الإماراتي الذي يعد صاحب التأثير الأكبر في مواجهات التأثير التركي والأوروبي والروسي. وبالتالي لم يبق للقاهرة ساحة تستعرض فيها نفوذها وتأثيرها الإقليمي سوى الساحة الفلسطينية وغزة على وجه التحديد لاعتبارات جغرافية بالأساس جعلت من القاهرة صاحبة تأثير كبير على هذا الملف تحديدا.

القاهرة تملك بالفعل أوراقا مؤثرة على الطرفين (إسرائيل من جهة وفصائل المقاومة من جهة أخرى)؛ فالقاهرة تملك ورقة التطبيع مع تل أبيب فهي اول دولة عربية طبعت مع حكومة الاحتلال واعترفت لها بما اغتصبته من أراضي فلسطين، كما أنها تملك ورقة التعاون الأمني مع الاحتلال وصفقات استيراد الغاز (صفقة الـ30 مليار دولار لمدة 15سنة والتي اعتبرها نتنياهو عيدا لإسرائيل)، فضلاً عن الشراكات الاقتصادية الأخرى. وهي بالتالي قادرة على الضغط على “إسرائيل” لو أرادت. كما أن القاهرة تستطيع أن تمنح غز وفصائل المقاومة امتيازات مهمة في سياق تخفيف حدة الحصار المفروض على قطاع  غزة منذ 2007م، من خلال إدخال شحنات الغذاء والسلع والبضائع بما يخفف من حدة الأزمة المعيشة لأهالي القطاع المحاصر. وبالتالي فإن هذه المكانة الجغرافية منحت القاهرة هذه الفرصة لتكون صاحبة الكلمة العليا في هذا الملف الحساس، وبيدها فعلا أوراق ضغط مؤثرة على الطرفين يمكنها من تطويق أي تصعيد عسكري قائم أو محتمل لو توافرت الإرادة كما حدث تماما في العدوان الصهيوني سنة 2012م في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي حين استخدم هذه الأوراق أجبر تل أبيب على وقف عدوانها بعد اسبوع واحد فقط من العدوان. بينما استمرت حرب 2014 لنحو 54 يوما حين كانت القاهرة تؤيد سحق المقاومة باعتبارها فصيلا إسلاميا تمثل امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في مصر والعالم والتي تمت الإطاحة بها من الحكم بانقلاب عسكري في يوليو 2013م رغم وصولها إلى السلطة بإرادة الشعب الحرة.

تكون القاهرة أكثر حماسة لاستخدام هذه الأوراق إذا كانت التهدئة تمثل أولوية للولايات المتحدة الأمريكية وتمثل  في ذات الوقت مصلحة لإسرائيل؛ وهو ما ينطبق على الحالة الراهنة؛ فالتوصل إلى مثل هذه الاتفاق لوقف إطلاق النار يمثل فرصة جيدة لحكومة نتنياهو لعدة أسباب: الأول أنها نفذت العملية كما تم التخطيط لها باغتيال 3 من أبرز قيادات المقاومة في الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي وزوجاتهم وأطفالهم. حتى وصل عدد الشهداء إلى 20 بينهم 5 أطفال و4 سيدات حسب وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة. من جهة ثانية فإن وقف إطلاق النار في هذا التوقيت يعني تقليل الخسائر الإسرائيلية إذا ما استمرت المواجهة العسكري؛ وهو الأمر الذي سوف تستغله المعارضة الإسرائيلية ضد حكومة نتنياهو وهو لا يرغب في ذلك. معنى ذلك أن وقف إطلاق النار في هذا التوقيت قد يكون مصلحة إسرائيلية في المقام الأول.

بالنسبة للمقاومة الفلسطينية التي  أعلنت عن إطلاق عملية “ثأر الأحرار” الأربعاء 10 مايو 23م، بإطلاق اكثر من 300 صاروخ باتجاه البلدات المحتلة، فقد أسفرت عن إصابة نحو 5 إسرائيليين كما تم تعطيل حركة الطيران في  مطار بن غوريون، وبالطبع تخشى تل أبيب أن يحدث ما جرى في الحرب الرابعة مايو 2021م حين أصيبت مؤسسات ومدن الاحتلال بالشلل الكامل بسبب صواريخ المقاومة التي فاجأت الاحتلال ووصلت إلى جميع المدن المحتلة على مسافة نحو 250كم.

قد يقول قائل: إن التوصل لوقف إطلاق النار على كل حال هو شيء عظيم  من أجل استقرار المنطقة وهو صحيح بالفعل، لكنه يمثل في المقاوم الأول مصلحة لنظام السيسي يبرز من خلاله أن الدور المصري الإقليمي لا يزال قائما حتى وإن تقزم  في الساحتين السودانية والليبية، لكنه يبقى الأكثر تأثيرا في الساحة الفلسطينية وهي الساحة الأهم لواشنطن والاوروبيين والإسرائيليين. في المقابل فإن نظام السيسي لا يتسامح مطلقا مع أي تعاطف أو دعم مصري شعبي مع المقاومة الفلسطينية ويرى ذلك ــ حتى اليوم ـ شكلا من أشكال دعم الإرهاب! وليس أدل على ذلك من تجديد حبس الشاب الذي تم اعتقاله في مباراة الأهلي والرجاء المغربي في استاد القاهرة في بطولة دوري أبطال إفريقيا إبريل (2023)؛ لأنه كان يحمل العلم الفلسطيني! فقد قررت نيابة أمن الدولة العليا بالتزامن مع جهود الوساطة المصرية في غزة الأربعاء 10 مايو 23م ــ تجديد حبس الشاب  15 يوما بتهمة  “الانضمام إلى جماعة إرهابية الغرض منها إثارة الفتن في داخل المجتمع المصري، والسعي إلى إسقاط نظام الحكم”! وفي نوفمبر 2019م تم اعتقال الشاب عز منير خضر في قبل أن يُطلق سراحه بعد فترة حبس في سجن طرة بسبب رفعه علم فلسطين.

وقبل العدوان الإسرائيلي بيوم واحد فقط (الإثنين 8 مايو 23م)، وافقت حكومة الاحتلال على مشروع توسيع شبكة خطوط الغاز بهدف زيادة الصادرات إلى مصر، بإجمالي تكلفة حوالي ربع مليار دولار. حيث ستمتد الخطوط على مسافة 65 كيلومتر إلى الحدود مع مصر، جنوب إسرائيل، لنقل ستة مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا، بحجم إيرادات سنوية متوقعة تبلغ نحو 200 مليون دولار. وكانت مصر وإسرائيل قد اتفقتا على ربط حقل ليفياثان، أحد أكبر اكتشافات الغاز في المياه العميقة في العالم، بوحدات الإسالة المصرية عن طريق خط أنابيب بحري في بداية 2021، ضمن اتفاقية وقعها البلدان مع الاتحاد الأوروبي، تهدف إلى تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا بعد إسالته في المحطات المصرية.

خلاصة الأمر أن التحركات المصرية في الساحة الفلسطينية وفي غزة تحديدا نابعة من مصلحة خالصة تخص النظام العسكري الحاكم وهي في  كل الأحوال لا يمكن أن تتعارض مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بل الهدف  هو القيام بالدور الوظيفي للنظام العسكري في مصر إقليميا بما يحقق المصالح الأمريكية ويمنحها الأولوية والاستدامة. هو موقف في ظاهره الحياد وفي باطنه الخذلان لإخواننا في غزة وفلسطين كلها. أما حديث الرسول (r): «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقِره، .. بحَسْب امرئ من الشرِّ أن يحقِر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمُه ومالُه وعِرضُه»، فليس لمثل هذه التعاليم اعتبار في رسم السياسات المصرية التي تقوم على المصالح المادية الخالصة وفق رؤية النظام العسكري.