يخشون تكرارها .. هل تعيد عملية العوجا صياغة العلاقات المصرية الإسرائيلية وتنقلها للإذعان”؟

- ‎فيتقارير

 

بعدما أكدت اسرائيلي رسميا أن عملية معبر "العوجا" (اسمه الإسرائيلي نيتسانا)، التي نفذها الجندي المصري محمد صلاح، ورفضت مصر تسميته "شهيدا"، هي عملية استشهادية خطط لها الجندي، انتقلت تل أبيب من مرحلة التنسيق مع مصر إلى "التهديد" بتدهور العلاقات ما لم تستجب لمطالبها.

وكشفت المحادثة التي أجراها وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، مع وزير الدفاع المصري، محمد أحمد زكي أن العملية يمكن أن تؤثر على طبيعة العلاقات المصرية الإسرائيلية بعدما انطوت على "تهديد" ضمني للقاهرة.

حيث أبلغ "غالانت" نظيره "زكي" أنه إما التعاون التام في التحقيق حول الهجوم الخطير للجندي المصري وإما احتمالات تدهور العلاقة بين الدولتين التي لها أهمية كبيرة، وفق مكتب "غالانت" وصحف اسرائيلية.

وجاء في بيان صادر عن مكتبه أن "غالانت شدد خلال حديثه مع وزير الدفاع المصري على أن العلاقات بين تل أبيب والقاهرة مهمة جدا لكلا البلدين، وعلى الطرفين العمل حتى لا تضر مثل هذه العملية على العلاقات الأمنية بين الجانبين"

واتفق الطرفان في ختام محادثتهما على التواصل المباشر بينهما من أجل ردع "عمليات إرهابية" في المستقبل وتعزيز العلاقات بين البلدين؛ حسبما جاء في البيان.

أيضا تعمد مكتب نتنياهو تأكيد أنه طلب من السيسي حين اتصل به للعزاء في الجنود الصهاينة، وبلغة الأمر، أن يجري التحقيق بدقة في الحادث ويسمح للجنرالات الصهاينة بالعبور الي سيناء للتحقيق ومعاينة مقرات الحراسة المصرية.

وقالت صحيفة "يديعوت احرونوت" الاسرائيلية 6 يونيو 2023 أن عبد الفتاح السيسي قام بتعزية رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بعد حادثة إطلاق النار على الحدود، وشدد الطرفان على أهمية التنسيق بينهما في التعامل مع الحادثة.

ونقلت الصحيفة عن مكتب رئيس الحكومة قوله أن: "السيسي أعرب عن أسفه العميق للحادثة على الحدود المصرية، وشكره نتنياهو على تعهُّده إجراء تحقيق مشترك في هذا الشأن".

وعلق الدكتور صالح النعامي على تقديم السيسي العزاء لنتنياهو بهلاك الجنود الصهاينة برصاص الجندي المصري البطل محمد صلاح، مذكرا بأنه في 13 سبتمبر 2019 كشف نتنياهو أنه التقى السيسي سرا في سيناء فقط 6 مرات منذ عام 2011.

أوضح أن هذه اللقاءات جرت منذ أن كان السيسي مدير للمخابرات الحربية، ما يشير بدورهما سويا (السيسي ونتنياهو) في الثورة المضادة والانقلاب علي الرئيس المنتخب محمد مرسي.

وجاءت هذه المحادثة بين الطرفين بعد كشف تل أبيب كذب رواية المتحدث العسكري المصري بشأن مطاردة مهربي مخدرات، وتأكيد الوزير الاسرائيلي لنظيره المصري إن: "الجندي المصري لم يدخل الحدود من فتحة في السياج ولم يتسلقه، لكن دخل من ممر الطوارئ المخصص لدخول القوات الإسرائيلية إلى الجانب المصري من الحدود في حالة الطوارئ والحاجة"، وفق صحيفة يديعوت احرونوت 3 يونيو 2023.

وتمحور التحقيق الإسرائيلي حول ما إذا كان الجندي المصري قد نفذ العملية من دواعي شخصية أو على خلفية انتمائه لتنظيم مثل "داعش" أو حركة "حماس" حسبما نقل موقع "يديعوت احرونوت" عن مسؤولين إسرائيليين.

هل رضخ السيسي؟

اعتبرت إسرائيل أن العثور علي مصحف "قرآن كريم" بجانب سلاح الجندي المصري منفذ العملية يشير إلى الدافع الديني للتنفيذ، وطابت مصر بالتحقيق مع زملائه.

وكان مستغربا أن يطالب جنرالات وصحف صهيونية مصر بنوع سلاح الجنود المصريين عبر الحدود أو تسليمهم بنادق بلا ذخيرة!!

وقد نشر نشطاء صورا لجنود حراسة مصريين يعطون ظهرهم للحدود الاسرائيلية بدلا من أن يراقبوها كما هي وظيفتهم وتساءلوا هل يعني هذا أن السيسي رضخ للصهاينة وأصبحت مهمة الحراسة المصرية هي حماية حدود اسرائيل لا مصر؟

العمليات ستتكرر

وكان الدعم والفرحة الشعبية قد أغضبت الصهاينة ونظام السيسي الذين خشوا أن يكون الجندي الشهيد قدوة لآخرين يفعلون مثله مع الصهاينة، واعتبرها الصهاينة مؤشر على أن العملية نسفت التطبيع وأنه لا يوجد سلام حقيقي.

وقال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق اللواء احتياط عاموس يادلين:"لم يتربى المصريون على السلام معنا، وعلينا أن نفترض أن نشاطًا مسلحا بين الحين والآخر سيخرج ضدنا من جهة هذا الحليف"، بحسب صحف إسرائيلية.

وقال المحلل "روبن بن يشاي" في صحيفة يديعوت احرونوت إن: السؤال الرئيس الآن: ما الذي دفع الجندي المصري لتنفيذ عملية قتل مدبرة لجنود إسرائيليين، وهل كان يعمل في خدمة منظمة ما؟".

وأشار إلى أن المقلق هو أن "الجيش المصري اختار نشر رسالة خيالية تتنصل من مسؤوليتها عن الحادث وفعله، ولم يلزم نفسه بفتح تحقيق مشترك مع جهاز "الشاباك" للتحقيق في هوية الجندي وفهم دوافعه، ومن ساعده من الموقع المصري؟"

ودعا لمعرفة إذا ما كان هناك من يساعده من بين جنود الموقع العسكري الذي انطلق منه"، وسط تساؤلات على مواقع التواصل الاسرائيلية عن هوية الجندي وهل ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين؟!

وأكد "روعي كيس"، معلق الشؤون العربية لقناة "كان" الرسمية الإسرائيلية إن: "النظام المصري حرص على خفض الاهتمام بالعملية التي نفذها الجندي المصري وحرص على عدم وصفه بـ "الشهيد" حتى لا يندفع المزيد من الجنود لمحاكاته وتنفيذ عمليات مماثلة، وحتى يحافظ على التعاون الأمني مع إسرائيل".

https://twitter.com/salehelnaami/status/1665432792551833600

أيضا قال المساعد السابق لوزير الخارجية المصري، السفير السابق معصوم مرزوق، لموقع "العربي الجديد" 6 يونيو 2023 أن "تل أبيب أكثر حرصاً من القاهرة على احتواء أي تداعيات للحادث".

وذلك "منعاً لأي ردود فعل قوية على المستوى الشعبي، أو جعل الجندي المصري رمزاً بين الشباب، حتى لا يشكل إغراء لأحد بتكرار ما فعله"، وفق قوله.

وطرحت طبيعة السلاح القديم المتهالك الذي كان يحمله الجندي، وهو بندقية روسية قديمة من طراز "كلاشينكوف" AK-74، ومع هذا نجح في هز الدولة الصهيونية كلها بتسليحه الضعيف تساؤلات بين المصريينمنها:

أين صفقات السلاح بمليارات الدولارات التي يشتريها السيسي؟ وكيف يسلح النظام جنود حراسة حدود مصر، بأضعف الأسلحة في مواجهة جنود الاحتلال المدججين بأفضل أنواع الأسلحة؟

ولماذا تتعمد القاهرة توزيع أسلحة قديمة على جنود الجيش الذين يحمون الحدود مقابل تسليح قوات الأمن والجيش داخل العاصمة بأحدث الاسلحة المتطورة لقمع الشعب داخليا، وقتل الألاف منهم في الاحتجاجات؟

https://twitter.com/191Idresse/status/1665380292670963718

وسخر مصريون من ورطة عبد الفتاح السيسي رئيس النظام المصري، بعدما أثبت جيش الاحتلال كفاءة الجندي المصري الشهيد وتخطيطه ببراعة لعملية قتل الإسرائيليين عمدا، رغم سلاحه الضعيف، وفي ظل تغير عقيدة الجيش من الدفاع للبيزنس.

https://twitter.com/mrrsd17/status/1665396382507696129

ووصف المحلل الإسرائيلي "عاموس هرئيل" بصحيفة "هآرتس" 5 يونيو 2023 حادث الحدود بين إسرائيل ومصر بأنه "الأحدث في سلسلة من إخفاقات الجيش الإسرائيلي استمرت عامين".

قال إن المسئولين العسكريين والاستخباريين المصريين الذين حضروا للجانب الإسرائيلي للمشاركة في التحقيق حول عملية الجندي المصري "لم يحاولوا ترويج نفس القصة التي طبخها المصريون محليا، والخاصة بأنه كان يطارد مهربي المخدرات".

وأن القادة المصريين الذين حضروا اجتماعات مع كبار المسئولين العسكريين الإسرائيليين "اعترفوا بمسؤوليتهم عن الحادث"، لكنهم برروا ما جري بأن "الجندي تصرف بمبادرة منه" على حد علمهم، وليس له شركاء.

قال: "لا تزال المخابرات المصرية تتحقق مما إذا كان له أي صلة بالناشطين في المنظمات الإرهابية الإسلامية، والتفسير المصري الحالي، هو أن الجندي ربما خضع لعملية تطرف وتصرف من تلقاء نفسه دون إخبار قادته أو أصدقائه بخطته"!!.

عودة لسياسات الرئيس مرسي

وجاءت التحذيرات الإسرائيلية لمصر في سياق قلق إسرائيلي كبير أن يتم العودة للسياسة الأمنية التي كانت متبعه عقب ثورة يناير 2011 وخلال حكم الرئيس المصري محمد مرسي، وهي تشكيل قوة خاصة ضخمة بمبالغ خيالية لحماية الحدود والتصدي لتوتر عسكري محتمل بين البلدين.

حيث أكد محللون اسرائيليون أن تدهور الوضع الأمني على الحدود مع مصر سيفرض على جيش الاحتلال الزج بألوية الصفوة في سلاحه مشاته بشكل يقلص من قدرته على التفرغ لساحات أخرى، مع العلم أنه يكتفي حاليا بكتيبتين تتمركزان على الحدود نصفهما من الفتيات المجندات.

وقال المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل أن القوات الإسرائيلية عند الحدود مع مصر، "حيث مستوى الخطر فيها يعتبر متدن نسبيا" ليست مدربة بشكل كبير. ويتم نشرها في هذه المنطقة "من أجل تحرير الألوية العسكرية النظامية للقيام بتدريبات وعمليات عسكرية في المناطق الأكثر اشتعالا، مثل حدود لبنان والمناطق" الفلسطينية المحتلة.

واعتبر أن "المطلوب استيضاحه الآن هو ما إذا هناك مؤشر على تغيير كبير للأسوأ عند حدود مصر، وبشكل يستوجب نشر قوات أخرى". ورفض هرئيل أقوال التيارات الدينية في إسرائيل بأن ضعف القوات المنتشرة عند هذه الحدود نابع من أنها مختلطة، يخدم فيها الرجال والنساء.

ولفت هرئيل إلى أنه "معلوم منذ سنوات أن مستوى العمل الاستخباراتي في هذه المنطقة منقوص. وهذا مرتبط بسلم الأولويات من حيث رصد موارد. كما أنه بالرغم من أن الجدار الذكي نسبيا الذي أقيم عند الحدود مع مصر، قبل عشر سنوات، يمنع مجيء طالبي اللجوء والباحثين عن عمل من أفريقيا، إلا أنه ليس مغلقا بإحكام. وشبكات التهريب البدوية، من كلا جانبي الحدود، تنجح في الالتفاف على الجدار غالبا، بالرغم من نجاحات إحباط التهريبات التي يسجلها الجيش الإسرائيلي والشرطة"

واعتبر أن نجاح الشرطي المصري بالتسلل عبر الحدود ومهاجمة الجنود الإسرائيليين، "من شأنه أن يقود إلى محاولات أخرى لعمليات تقليد، وبضمن ذلك إمكانية إرسال مخربين من غزة إلى سيناء ومنها إلى إسرائيل، أو إمكانية اختطاف جندي إسرائيلي عند الحدود".

قالوا إن عملية الجندي المصري تعيد للأذهان الرعب الذي ألم بإسرائيل بعد ثورة يناير، حيث اعتبر وزير الخارجية ليبرمان حينئذ إن "مصر أكثر من خطورة من إيران نووية"، وطالب بتقشف اقتصادي للاستثمار في القوة العسكرية لمواجهة مصر التي تتجه إلى أن تكون "دولة عدو".

وأعلن التلفزيون الإسرائيلي حينئذ أن "تداعيات فوز ‎‫مرسي قد تكلف إسرائيل 30 مليار دولار على مدي 10 سنوات"، وأنه تمت زيادة عدد الضباط في الاستخبارات الإسرائيلية بنسبة 25% لمواجهة الربيع العربي ‎".

وكانت إسرائيل تنفق نحو 47% من موازنتها على الأمن قبل كامب ديفيد، ثم قلصوها بعد توقيع اتفاق السلام الي 15% من الموازنة، وبعد 24 ساعة على إعلان فوز مرسي طلبت هيئة أركان الجيش الإسرائيلي من وزارة المالية تحويل ما قيمته 4.5 مليار دولار بشكل عاجل لموازنة الأمن لتمويل إعادة بناء قيادة الجبهة الجنوبية في الجيش علي حدود مصر.