تحليل مقال شادي حميد .. كيف منحت واشنطن الجيش صكا بالانقلاب على مرسي؟

- ‎فيتقارير

يرى الباحث بمعهد بروكينجز الأمريكي شادي حميد أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت ضالعة في انقلاب 3 يوليو 2013م الذي قاده الجنرال عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع حينها على الرئيس المنتخب محمد مرسي الذي كان ينتمي إلى الإخوان المسلمين. وفي مقاله الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، في  الذكرى العاشرة للانقلاب(يوليو 2023م)، يرجح الباحث الأمريكي أن واشنطن لم تتفاجأ بانقلاب الجيش على أول رئيس مدني منتخب بتاريخ مصر، وأنها لم تمانع الإطاحة بمرسي ونظامه المنتخب ديمقراطيا وإنهاء تجربة الإسلاميين في الحكم.

حميد الذي يعمل أيضا أستاذ الدراسات الإسلامية في “فولر سيمنري” يصل  إلى خلاصة مفادها أنه «لا يمكن الاعتماد على وعود أمريكا وتشدقها بالديمقراطية». مقال حميد هو جزء من كتاب صدر له العام الماضي (2022) بعنوان “مشكلة الديمقراطية: أمريكا، الشرق الأوسط وصعود وسقوط فكرة”. يؤكد فيه أن الربيع العربي انتهى في 3 يوليو 2013، حيث أطاح انقلاب عسكري بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا للرئيس محمد مرسي. ووبعبارات أخرى ـ حسب حميد ــ  «كان المسؤولون الأمريكيون في الأيام التي قادت للانقلاب، يعرفون تماما ما يجري في مصر وكانوا في وضع يمكنهم من منع السيسي لو أردوا لكنهم لم يفعلوا»!.

 

فشل الرهان على عمرو موسى

بدعوى الاستقرار، كانت الإدارة الأمريكية راغبة بتنظيم الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية. وكما قال دينس روس، المسؤول البارز في إدارة أوباما: “جزء من السبب الذي جعلنا ندفع نحو انتخابات رئاسية، نظرا للاعتقاد، على الأقل بالنسبة لي، هو أن الإخوان سيهيمنون”، أو كما قالت السفيرة الأمريكية آن باترسون: “كان موقفنا الافتراضي هو أن عمرو موسى سيفوز، وهي الطريقة الغربية للنظر في الأمور”، باعتبار موسى علمانيا. لكن الانتخابات البرلمانية حصلت أولا، وفي عام 2012، حقق حزب الحرية والعدالة، جناح الإخوان المسلمين نسبة 43% من مقاعد البرلمان، ولم يكن موسى قادرا على التقدم بعد الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة حيث حصل على نسبة 11%. وقضى مرسي الذي فاز بالجولة الثانية بهامش ضيق عاما مضطربا، توج باحتجاجات ضد حكومته بدعوى تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية. ولم تكن غالبية المحتجين تطالب بانقلاب عسكري، بل وطالبت باستقالة مرسي أو انتخابات مبكرة. لكن الجيش الذي قاده وزير الدفاع الغامض عبد الفتاح السيسي انتهز المبادرة وسيطر على الحكم في أيام معدودة.

 

أسباب تخلي واشنطن عن الديمقرايطية

أولا ، من أهم الخلاصات في مقاله وبناء على تقارير صحفية ومقابلات مع 30 شخصية، بمن فيهم مسؤولون كانوا مع أوباما في الغرفة أثناء القرارات الحاسمة فإن السردية التي تزعم أن أوباما والإدارة الأمريكية تفاجأت بانقلاب الجيش ليس صحيحا، بل العكس هو الصحيح وأن الولايات المتحدة الأمريكية منحت ما يمكن وصفه بالضوء الأخضر للإطاحة بأول حكومة تنتخب ديمقراطيا في تاريخ البلد. عازيا تخلي إدارة أوباما عن الديمقراطية والدفاع عنها إلى الموقف الرافض للنظم العربية  للأحزاب الإسلامية وأن دعم الديمقراطية يعني سيطرة الإسلاميين في أي انتخابات حرة.

السبب الثاني في تخلي إدارة أوباما عن الديمقراطية ــ حسب شادي حميد ـ هو الاتهامات التي لاحقت الرئيس الأمريكي  من جانب الجمهوريين بوصفه مسلما متخفيا  بالأخذ في الاعتبار أن والده (حسين أوباما) مسلم. فانفتاح أوباما على الإسلاميين في أعقاب ثورة يناير 2011م أكثر من أسلافه اعتبر بنظر الجمهوريين تهمة، ويستشهد حميد على ذلك بما قاله مسئول بارز في البيت الأبيض: «لا تنس أنه في البداية اتهم بأنه متعاطف مع الإسلاميين. وكان عليه مقاومة المفهوم وحاول الإفراط بالتعويض عنه”. بمعنى أن تخلي أوباما عن الديمقراطية في مصر كان نوعا من أنواع الدفاع عن النفس ضد التهم التي لاحقته بالتعاطف مع الإسلاميين. لكن أوباما ـ حسب حميد ــ كان براجماتيا ولديه ميل مزاجي نحو الحذر والعناية. وكانت كلمة الاستقرار هي الشعار، وفي حالة مصر كانت تعني دعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة في أعقاب ثورة 2011، حتى لو كان هذا يعني تخريب آمال الشعب المصري. وكان أوباما يعتقد أن المجلس العسكري سيمنع خروج الديمقراطية عن السيطرة. واعترف أوباما قائلا: “أولوياتنا هي الاستقرار ودعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حتى لو تم انتقادنا” و”لست مهتما بالجماهير في ميدان التحرير ونيك كريستوف” في إشارة للمعلق في صحيفة “نيويورك تايمز” الذي كان ناقدا لسياسة الإدارة من مصر.

 

الموقف من الإسلاميين

السبب الثالث والأهم على الإطلاق  وهو الموقف داخل الإدارة الأمريكية ومؤسسات الحكم الأمريكية حول مرسي والإخوان المسلمين؛ فقد كانت وزارة الدفاع (البنتاغون) تشك به نظرا لعلاقتها الطويلة مع الجنرالات المصريين، بشكل وضعها في مواجهة مع وزارة الخارجية والبيت الأبيض اللتين تتشدقان بالكلام عن الديمقراطية. وكان مسؤولو وزارة الدفاع مثل الجنرال جيمس ماتيس الذي كان قائدا للقيادة المركزية في معظم فترة مرسي يرون في الديمقراطية والترويج لها انحرافا عن الهدف الرئيس وهو مكافحة الإرهاب. وكان ماتيس يرى أنه لا فرق بين الإخوان وتنظيم القاعدة وحسب وصفه فإنهما ـ الإخوان والقاعدة ـ «يسبحان في نفس البحر»! وقد دافع ماتيس عن الانقلاب بل أبدى إعجابه الشديد  به حين قال: «ما رأيناه بالأساس هي عملية محاكمة شعبية وبأكبر جمهور في التاريخ الحديث خرجوا إلى الشوارع وقالوا لقد مللنا من هذا الرجل. وبعدها رأينا الجيش يخرج ويدعم المحاكمة الشعبية». وهذه السردية هي بالضبط التي يتمسك بها السيسي وعصابة الجنرالات من حوله حتى اليوم بوصف ما جرى عملية إنقاذ للبلد من تنظيم إرهابي!

المثير في الأمر ــ حسب حميد ــ هو أن مايكل فلين الذي كان مديرا للمخابرات الأمريكية السي آي إيه وقت الانقلا والذي أصبح لاحقا مستشارا للأمن القومي في إدارة دونالد ترامب، كان يتبنى نفس رؤية ماتيس حول الإخوان ومرسى؛ وأخبر فلين الصحفي ديفيد كيركباتريك: “ما كنا سنراه هي سيطرة للإخوان المسلمين على البلد”. وقام فلين بزيارة القاهرة في إبريل 2013م أي قبل الإطاحة بمرسي. ورأى جنرالات مصر في فلين روحا قريبة منهم ونظموا له “يوما ثقافيا”، وعلى مأدبة غداء تمعن فلين ومضيفوه بخارطة حددت مناطق التهديد الإسلامي في مصر. وهي إشارة إلى رعاية قيادات نافذة في مؤسسات الحكم الأمريكية على عملية الانقلاب قبل شهور من حدوثها.

وحتى داخل الخارجية الأمريكية والتي يفترض أنها المؤسسة الأمريكية الأكثر حرصا على تسويق ورعاية الديمقراطية والدفاع عنها كان جون كيرى مختلفا؛ وقد أخبر مستشار بارز لكيري الكاتب  أن الوزير “شعر أنه [الانقلاب] لم يكن نتيجة سيئة لنا ومن ناحية مصالح الأمن القومي، ولم يكن معجبا بالإخوان المسلمين ولا مرسي”. وقال مسؤول آخر في الخارجية وبشكل أوضح: “كره كيري الإسلاميين، كرههم. عازيا كره كيري للإخوان والإسلاميين إلى علاقته الوثيقة على مدار عقود بالقادة والزعماء العرب؛ فقد كان كيري ـ حسب المسئول الأمريكي البارز ــ يحب الديكتاتوريين، وهو يشبه بايدن، وكل هؤلاء الرجال من جيل يؤمن بالتعاون مع الرجال الأقوياء وهذا كل ما عرفوه في الشرق الأوسط”. وفي حوار مع كيركباتريك اعترف كيري أن مرسي أصبح “مطبوخا” وأن الجيش يحضر نفسه للتدخل، ومنذ بداية مارس 2013، وذلك بعدما التقى السيسي، وزير الدفاع ولأول مرة. وبعد اللقاء حذرت باترسون البيت الأبيض أن “الانقلاب سيقع على الأرجح في أشهر قليلة”.

وجاءت أكبر إشارة تحمل ضوءا أخضر بالانقلاب من وزير الدفاع الأمريكي حينها تشاك هيجل الذي صرًّح بأنه كان يتفق مع مزاعم السعوديين والإماراتيين والإسرائيليين بأن الإخوان المسلمين هم “خطر” يجب مواجهته. وكان أول ضوء أخصر غير مقصود (حسب حميد) قد جاء من هيجل، فقبل أيام من الانقلاب، قال هيجل للسيسي: “لن أقول لك كيف ستدير بلدك، وعليك حماية أمنك وحماية بلدك”.!

 

اتصال أوباما بمرسي

بعد مظاهرات 30 يونيو التي خرج فيها  نحلو مليون ـ حسب شادي حميد ــ وقبل يومين من الانقلاب اتصل أوباما بمرسي وبدا الرئيس الأمريكي راضيا بحشود 30 يونيو واستهدف باتصاله هذا عقلنة ما فعله الجيش وما يجب عمله وهدد مرسي بأن «الجيش المصري سيتخذ قراره لأنه يعتقد أن استقرار البلد في خطر»؛ وهو ما ذكره كيركباتريك في كتابه “بين أيدي العسكر” الصادر عام 2018. فقد كان انقلاب الجيش أمرا واقعا، لدى الإدارة. وفي 2 يوليو مع زيادة تدهور الوضع، كان أوباما مسافرا ومستشارته للأمن القومي سوزان رايس في البيت الأبيض، حيث اتصل عصام الحداد، مستشار مرسي للأمن القومي وكان يتحدث من القصر الرئاسي في القاهرة. وكان يدور بين حالة الفزع والتحدي، وحسب مسؤول في البيت الأبيض على معرفة بالحوار: “قدمت سوزان دفاعا حارا عن الديمقراطية لهذا الرجل والذي كان يفعل نفس الشيء على الجانب الآخر من الخط، قائلا إن آباءه وأجداده ضحوا بحياتهم لحماية الحرية المصرية وأنه مستعد ومرسي لعمل نفس الشيء. وأن الرئيس المصري يعول على الموقف الأمريكي وجاء رد سوزان رايس: «لن نتخلى عنك وسنقف مع الديمقراطية ووضحنا هذا». ولم يكن أوباما جزءا من الحوار وافترضت أنها تعكس مواقفه”. وقالت ببساطة: «لن نسمح لهذ ا بالمرور ولن نسمح به»! ومن الواضح أن هذه الرسالة لمرسي وفريقه كان مقصودة من أجل إتمام مخطط الانقلاب كما رسم في الغرف الأمريكية.

 

الخطوة الأخيرة

كانت تصريحات سوزان رايس مع مدحت الحداد جرعة تخديرية من أجل إتمام المخطط على النحو الذي جرى تصميمه. وحين أعلن بيان الانقلاب وتم اعتقال مرسي في مكان مجهول  جمع أوباما مستشاريه في “سيتويشين روم” حيث كان بانتظاره قرار صعب ويتعلق بالدعم الأمريكي الذي يحظره القانون، لحكومة تمت الإطاحة برئيسها عبر انقلاب عسكري. وقال مساعد حضر النقاشات: كان هناك قانون واضح ويقول “أعلن أنه انقلاب واقطع الدعم العسكري”، و “في الحقيقة لم نركز على الأمر الأول؛ لأن أحدا (الفريق المؤيد للانقلاب داخل إدارة أوباما) كان يحاول وعن قصد خنقه ويقول إنه ليس انقلابا”. وتذكر كيف قال أوباما، وهذه أول مرة يسمعه يتحدث بهذه الطريقة “النقاش واضح” “حسنا، لن نقوم بالإعلان أنه انقلاب ولماذا علينا القيام بهذا؟”. وقال المساعد إنه شعر بالدهشة كبقية الحاضرين، حيث تغيرت دفة الحوار. وجاءت تصريحات الإدارة لتعكس هذا النقاش. فقد قال أوباما بعد استحواذ الجيش على السلطة أنه “قلق بشكل عميق من إزاحة الجيش للرئيس مرسي وتعليق الدستور” وكانت كلمة “انقلاب” غائبة من كلامه!