تحولت المستشفيات الحكومية إلى سلخانات للمرضى، والزحام هو سيد الموقف، وفي المقابل لا تُقدَّم خدمات بسبب النقص في أعداد الأطباء وعدم توفر الأدوية أو المستلزمات الطبية. ورغم هذه الأوضاع المأساوية، يتردد المرضى الفقراء على هذه المستشفيات بالملايين، لأنهم لا يملكون المال الذي يتيح لهم الذهاب إلى المستشفيات الخاصة، ومع ذلك، لا تقدم الحكومة لهم ما يخفف آلامهم.
هذا الوضع البائس تتجلى ملامحه في صالات الانتظار المزدحمة، حيث الصرخات الخافتة والأنين المكتوم وحكايات المرضى الذين باتت رحلتهم للعلاج أشبه بالسير في متاهة بلا مخرج. في أروقة مستشفيات التأمين الصحي والمستشفيات الحكومية، تتعاقب مشاهد الإهمال وغياب الرعاية الصحية، مما يزيد من أوجاع المرضى، ويضيف أعباء أخرى من القهر والعجز. وتتكرر التساؤلات حول حقهم في العلاج بكرامة، وعن نظام صحي ينصفهم.
كوبرى القبة
في هذا السياق، قالت أميمة كريم، 71 عامًا، من سكان حدائق القبة: “منذ إصابتي بمرض السكر، وجدت نفسي في رحلة شاقة لا تنتهي بين عيادات التأمين الصحي، بحثًا عن جرعة أنسولين قد تعني الحياة بالنسبة لي”.
وأضافت: “أنا تعبانة ومش قادرة أتحرك، كل يوم رحلة عذاب للتأمين الصحي بكوبري القبة عشان أجيب جرعة الأنسولين اللي محتاجاها”.
وأشارت أميمة إلى أن عدم حصولها على الجرعات الكاملة من الأنسولين يزيد من معاناتها الصحية والنفسية، ورغم تقدم عمرها وصعوبة تنقلها، تجد نفسها مضطرة للتردد مرارًا على عيادة التأمين الصحي لتأمين جرعاتها، التي لا تتوفر بشكل كامل، في ظل زحام المرضى.
وطالبت وزير الصحة بتوفير الجرعات اللازمة بشكل منتظم مع مراعاة احتياجات كبار السن وتوفير معاملة خاصة تقوم على الاحترام، قائلة: “أنا ست كبيرة ومش قادرة أتحمل المشاوير دي، لازم يتوفر العلاج في مكان واحد، ويكون في أماكن مخصصة لكبار السن وبشكل مستمر عشان أقدر أعيش بكرامة”.
مستشفى الدمرداش
وقال مريض يجلس على كرسي حديدي في عيادة الأورام بمستشفى الدمرداش: “بقالنا ساعات قاعدين هنا ومحدش بيبص علينا”.
وأضاف: “مش عارف أتحمل أكتر من كده. الألم شديد، وكل اللي محتاجه إن الدكتور يسمعني ويشوف حالتي الصحية”.
بجواره تجلس سيدة مسنة تمسك بيدها ملفًا يحتوي على تحاليل أجرتها منذ أكثر من شهر دون أن تحصل على موعد لمقابلة الطبيب. قالت بصوت يملؤه الحزن: “أنا جاية من الصعيد، وسافرت ساعات طويلة عشان أتعالج هنا. كل يوم أجي وأقعد بالساعات، وفي الآخر محدش يرد علينا. تعبنا يا ابني”.
وعلى باب العيادة، شاب في مقتبل العمر يتكئ على الحائط بسبب عدم وجود مكان للجلوس. قال بحسرة: “أنا عارف إن فيه ضغط على المستشفى من كل أنحاء الجمهورية، بس إحنا بشر. هنعمل إيه؟ المرض مش بيستنى، وأنا حالتي بتسوء كل يوم بسبب التأخير ده”.
وأضاف: “مش قادر أصدق إن مفيش حد من المسؤولين شايف اللي بيحصل هنا. هل لازم نموت عشان حد يتحرك؟ ارحمونا يا جدعان”.
مستشفى 6 أكتوبر
داخل مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحي، قالت حبيبة أشرف، 43 عامًا، أم لطفلين، من سكان شبرامنت، وهي تحمل طفلة صغيرة على ساقيها، وتجلس طفلتها الأخرى بجانبها: “نحن نعيش الألم، والجميع يرى الوجوه المنهكة والعيون المتعبة التي تجسد حجم المعاناة التي يعيشها المرضى الذين ينتظرون دون جدوى في صالة انتظار مكتظة بالمقاعد المعدنية وسط صرخات الأطفال الذين ينهش المرض أجسادهم”.
وأضافت حبيبة: “نواجه الألم في صمت وننتظر الفرج الذي يبدو بعيدًا عن هذا الواقع المرير”. وأشارت إلى أنها تسأل الدكتور محمود المعداوي، مدير مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحي: “أين دوركم من هذا الإهمال المتفشي؟”.
وقال سيد حامد، 51 عامًا، من منطقة بشتيل في إمبابة: “أنا هنا منذ الساعة السابعة صباحًا في ممر انتظار مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحي بالدقي، من أجل الحصول على العلاج الذي أحتاجه”.
وأضاف: “أتيت إلى المستشفى لتلقي العلاج من آلام جسدية تفاقمت مع مرور الوقت، ولكن ما وجدته كان شيئًا آخر: زحام شديد وإهمال طبي قاتل”.
وتابع: “تكدست الأعداد في الممر، وكنت محاطًا بوجوه تحمل علامات التعب والقلق. الكل لديه قصة معاناة، ولكن لا أحد يبدو مستعدًا للاستماع إلى المرضى، فأين الاهتمام بالمريض؟”.
وأشار إلى أنه مع مرور الوقت، بدأ يراقب الساعة. وكلما مرت دقيقة، زادت مشاعر الإحباط في صدره. كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الظهر، ولا أثر لطبيب الباطنة الذي كان ينتظره. في هذا الصمت المحبط، ارتفعت أصوات المرضى: “أين الطبيب؟”. كان السؤال يتكرر، وكنت أعلم أنه لا يوجد جواب. وكان الواضح أننا جئنا إلى مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحي بالدقي بحثًا عن الرعاية، فلم نجد سوى ساحة انتظار بلا نهاية.
وتساءل سيد حامد: “لماذا يتركون كبار السن مثلي، ممن قضوا حياتهم في خدمة المجتمع، في هذا الزحام غير الإنساني؟ نحن نحتاج إلى اهتمام ورعاية، وليس إهمالًا مثلما يحدث داخل مستشفى 6 أكتوبر”.
ووصف الألم الذي يشعر به، مؤكدًا أن معاناته تتجاوز الألم الجسدي وتعكس الإهمال الذي يلاحق المرضى في المستشفيات الحكومية، وقال: “هذا إهمال ممنهج يجب أن يتوقف، نحتاج إلى تدخل وزير الصحة لمعالجة الأوضاع، خاصة لكبار السن. إننا نستحق الرعاية كما يستحقها كل مريض هنا. يجب أن تُعطى الأولوية لنا، لأننا نحن من كافحنا من أجل البقاء، والآن نجد أنفسنا بحاجة إلى من يهتم بنا”.