تصاعدت الاحتجاجات الاوروبية ضد سياسات الرئيس الأمريكي الإرهابى دونالد ترامب خاصة عقب إعلانه عن عزم الولايات المتحدة على السيطرة على جزيرة جرينلاند التابعة للدانمارك وهو ما لاقى اعتراضات صريحة من عدد من الدول الآوروبية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا وبريطانيا .
فى هذا السياق نظم أكثر من ألفي شخص مسيرة احتجاجية بمدينة زيوريخ السويسرية، رفضا لانعقاد الاجتماع السنوي لمنتدى دافوس الاقتصادي العالمي الذى تبدأ أعماله اليوم وكذلك لمشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ونقلت وكالة "كيستون-إس دي إيه" السويسرية أن المظاهرة انطلقت من ساحة بوركليبلاتس. وسار المتظاهرون في شوارع زيوريخ حاملين شعارات مناهضة، أبرزها "ترامب لا يزال غير مرحب به!".
أشعل المحتجون المفرقعات والألعاب النارية الدخانية، وتم إحراق علم الولايات المتحدة. كما رفعوا لافتات عليها عبارات مثل "ترامب مختل" و"أغلقوا المنتدى الاقتصادي العالمي .
وأكدت الوكالة أن المبادرة لتنظيم المظاهرة جاءت من المنظمة اليسارية "حركة من أجل الاشتراكية". وقال المنظمون إن السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد ترامب تعود إلى ما يصفونه بـ "دبلوماسية الزوارق الحربية"، وهي سياسة تُتهم باستخدام الترهيب بالقوة ضد الدول الأضعف.
واعتبرت المنظمة اليسارية أن زيارة الرئيس الأمريكي لدافوس هي تعبير ورمز للأوضاع السياسية المضطربة.
جرينلاند خط أحمر
كان الرئيس الأمريكي الإرهابى قد هدد بضم جزيرة جرينلاند، وهو ما يمثل "خطا أحمر" للاتحاد الأوروبي، وفقًا لوزير المالية الألماني، لارس كلينجبايل، والذى أكد أن كتلة الاتحاد الأوروبي المكونة من 27 دولة يجب أن تفكر في استخدام آلية قانونية مصممة لصد الإكراه الاقتصادي.
وقال كلينجبايل من برلين، إلى جانب نظيره الفرنسي رولاند ليسكور: نحن نواجه باستمرار استفزازات جديدة، ونشهد دومًا نوعًا من العداء الذي يسعى إليه ترامب، وهنا نحن الأوروبيون يجب أن نوضح أن الحد قد تم تجاوزه.
وأضاف: هناك صندوق أدوات قانوني أوروبي يمكنه الرد على الابتزاز الاقتصادي بإجراءات قوية التأثير، ويجب الآن دراسة إمكانية استخدام هذه الإجراءات.
جاء ذلك ؤدا على ما أعلنه ترامب يوم السبت الماضى من فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على سلع من ثماني دول أوروبية اعتبارًا من 1 فبراير المقبل، ترتفع إلى 25% في يونيو، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن ما وصفه بشراء جرينلاند.
وردًا على ذلك، تواصل المفوضية الأوروبية مناقشات لإمكانية فرض رسوم جمركية على سلع أمريكية بقيمة 93 مليار يورو (108 مليارات دولار) في حال نفذ ترامب تهديداته.
وأكد كليجبايل: لقد تم بالفعل تجاوز الحدود، وعندما أرى التهديد بسلامة وسيادة جرينلاند والدنمارك، لاحظت في المفاوضات أن الجميع يتوقع منا ألا نستسلم للابتزاز وأن نتصرف ضده .
وقال : بالنسبة لي، يجب أن يكون واضحًا في كل الأوقات أن أوروبا يجب أن تكون مستعدة للتحرك، ولا يمكن تحضير هذه الإجراءات في اللحظة الأخيرة. يجب أن يتم التحضير الآن.
تعريفات جمركية
من جانبه قال برنت سادلر، مسئول سابق في البنتاجون، إن تهديد الرئيس ترامب بفرض تعريفات جمركية على الدول الأوروبية التي تعارض ضم جزيرة جرينلاند، بدأ يحقق نتائج فعلية.
وأشار سادلر إلى أن ألمانيا شرعت بالفعل في التراجع عن موقفها؛ بعد التهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 10%، لافتًا إلى أن هذا التهديد كان فعالًا دون أن يترتب عليه أي تكلفة مباشرة على الولايات المتحدة.
منتدى شكلي
فى هذا السياق أكد الخبير الاقتصادي نديم السبع، أن مؤتمر دافوس 2026 يختلف جذريًا عن النسخ السابقة في عامي 2024 و2025، موضحًا أن المنتدى فقد جزءًا كبيرًا من تأثيره التقليدي على الاقتصاد العالمي، وأصبح اليوم أقرب إلى فعالية شكلية لتبادل الآراء، وليس منصة فاعلة لصناعة القرار الاقتصادي أو توجيه الأسواق.
وقال السبع فى تصريحات صحفية إن مؤتمر دافوس لم يعد يتمتع بالزخم نفسه الذي كان يحظى به في سنوات سابقة، معتبرًا أن القرارات الاقتصادية الكبرى لا تُصنع داخل قاعات المنتدى، بل تُحسم وفقًا لمصالح الدول الكبرى وحساباتها الاستراتيجية الخاصة، بعيدًا عن الخطابات الرسمية أو التوصيات الصادرة عن المؤتمرات الدولية.
وأشار إلى أن دافوس في نسخته الجديدة تحول إلى منصة للحوار والنقاش أكثر من كونه أداة تنفيذية للتأثير على الاقتصاد العالمي، موضحًا أن الحضور الدولي الواسع والنقاشات المتعددة لا تنعكس بشكل مباشر على حركة الأسواق أو السياسات النقدية والتجارية للدول الكبرى، وأن المؤتمرات الاقتصادية بطبيعتها تحمل طابعًا تشاوريًا، لكن دافوس كان في السابق يلعب دورًا معنويًا وإعلاميًا مؤثرًا، بينما بات اليوم مجرد مساحة لتبادل الرؤى دون أن تكون له نتائج ملموسة على أرض الواقع، خاصة في ظل تصاعد النزاعات الاقتصادية، والحروب التجارية، وعودة السياسات الحمائية بقوة.
مطامع الدول الكبرى
وأكد السبع أن السياسات الاقتصادية الحقيقية لا تزال محكومة بالمصالح الشخصية ومطامع الدول الكبرى، وليس بما يطرح داخل المنتديات الاقتصادية العالمية، مشيرًا إلى أن مراكز القرار في العالم لا تأخذ توصيات دافوس على محمل الإلزام، بل تتعامل معها كأفكار عامة أو مقترحات غير ملزمة.
وأضاف أن الاقتصاد العالمي اليوم يدار وفق موازين القوى السياسية والمالية، وليس عبر مواثيق أو اتفاقات تنبثق من مؤتمرات دولية، لافتًا إلى أن الأزمات الجيوسياسية والتوترات الإقليمية تلعب دورًا أكبر في تحديد مسار الأسواق من أي بيان يصدر عن منتدى اقتصادي.
وحول حضور ترامب فعاليات مؤتمر دافوس 2026، أكد السبع أن هذا الحضور لا يتعدى كونه شكليًا وإعلاميًا، ولن يغير من موقف الإدارة الأمريكية أو سياساتها تجاه الدول الأخرى أو الأسواق الناشئة، وأن السياسات الاقتصادية الأمريكية تحددها اعتبارات داخلية واستراتيجية، وليس ما يقال في دافوس، مشددًا على أن المستثمرين يدركون جيدًا أن مشاركة القادة السياسيين في مثل هذه المنتديات لا تعني بالضرورة حدوث تحول في السياسات الاقتصادية أو المالية.
إدارة ترامب
وأشار إلى أن إدارة ترامب، كما في فترات سابقة، تتعامل مع الاقتصاد بمنطق المصالح المباشرة، والضغط التجاري، وحماية الصناعة الوطنية، وهو ما يجعل أي تصريحات في دافوس بلا تأثير فعلي على الأسواق.
وشدد السبع على أن مؤتمر دافوس فقد دوره الرمزي الذي كان يلعبه في توجيه المزاج العام للأسواق العالمية، موضحًا أن العالم يشهد اليوم تحولات اقتصادية عميقة، من بينها صعود قوى اقتصادية جديدة، وتغير موازين التجارة العالمية، وتزايد النزاعات الجيوسياسية، وهو ما قلل من قدرة أي منتدى دولي على فرض رؤيته أو التأثير في مسار الاقتصاد العالمي، وأن دافوس بات أقرب إلى مساحة للقاء النخب الاقتصادية والسياسية وتبادل الرؤى العامة، دون أن يترتب على ذلك قرارات حاسمة أو اتفاقات مؤثرة.
وقال إن مؤتمر دافوس لم يعد يمثل مركز ثقل في صناعة القرار الاقتصادي العالمي، بل تحول إلى منتدى شكلي للنقاش، في وقت باتت فيه السياسات الاقتصادية تحددها المصالح القومية والتحالفات الاستراتيجية والصراعات الدولية، مشددًا على أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من الابتعاد عن العولمة الاقتصادية التقليدية، مقابل صعود سياسات الحماية والمصالح الضيقة، ما يجعل تأثير المنتديات الاقتصادية الدولية محدودًا وغير قادر على تغيير مسار الاقتصاد العالمي.