صورة قاتمة لحقوق الإنسان بظل حكم العسكر.. “العفو الدولية”: الأمن الوطني يعمّق الانتهاكات ويوسع القمع

- ‎فيحريات

يعكس تقرير منظمة العفو الدولية صورة قاتمة لوضع حقوق الإنسان في مصر خلال عام 2026، حيث تتداخل الأزمة الاقتصادية مع القمع السياسي والانتهاكات الأمنية، في ظل دعم دولي واسع لا يربط مساعداته بأي إصلاحات حقوقية، وتخلص المنظمة إلى أن السلطات المصرية تواصل إدارة البلاد عبر مزيج من القبضة الأمنية والتضييق على الحريات، مع غياب أي مساءلة أو إرادة سياسية لإحداث تغيير حقيقي.
 

ويعرض تقرير منظمة العفو الدولية صورة شديدة القتامة عن حالة حقوق الإنسان في مصر خلال عامي 2025 و2026، حيث تواصل السلطات المصرية اتباع نهج قمعي واسع النطاق يستهدف الأصوات المعارضة، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والعمال، والأقليات الدينية، والنساء، واللاجئين، ويؤكد التقرير أن الانتهاكات لم تتراجع رغم الخطاب الرسمي حول “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”، بل ازدادت حدة واتساعاً، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وتراجع في الحريات المدنية، واستمرار الإفلات من العقاب، ويشير التقرير إلى أن الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها قطاع الأمن الوطني، لعبت دوراً مركزياً في الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب، بينما ظل القضاء أداة لتقنين القمع عبر محاكمات جائرة وأحكام بالإعدام.

دور الأمن الوطني

ويُظهر تقرير العفو الدولية أن قطاع الأمن الوطني كان الجهة الأكثر تورطاً في الانتهاكات الجسيمة خلال عامي 2024–2025، حيث واصل الضباط ممارسة الاختفاء القسري، والتعذيب، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي بحق أشخاص استُهدفوا بسبب آرائهم أو نشاطهم السلمي.

ويورد التقرير أن قوات الأمن، بما فيها الأمن الوطني، قبضت تعسفياً على ما لا يقل عن 55 رجلاً وأربع نساء بين ديسمبر 2024 وفبراير 2025 بسبب محتوى ينتقد الحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن أفراد الأمن الوطني احتجزوا خمسة من هؤلاء بمعزل عن العالم الخارجي لمدة تراوحت بين أربعة وستة أسابيع قبل عرضهم على النيابة، كما وثّق التقرير حالتين من الاختفاء القسري لمدد بلغت 28 و41 يوماً داخل منشآت تابعة للأمن الوطني لم يُفصح عنها.

 

ويشير التقرير إلى أن عدداً من المحتجزين أبلغوا النيابة بتعرضهم لـ الضرب والإهانات والصعق الكهربائي على أيدي ضباط الأمن الوطني، بما في ذلك صعق على اليدين والجسم، وإجبار أحدهم على خلع ملابسه بالكامل.

ويذكر التقرير أن الأمن الوطني أخفى الناشط ناصر الهواري لمدة 16 يوماً قبل الإفراج عنه دون توجيه تهمة، ويؤكد التقرير أن هذه الانتهاكات ليست حوادث فردية، بل جزء من نمط ممنهج، إذ “ظلّ التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة أمراً معتاداً في السجون وأقسام الشرطة والمنشآت التي يديرها قطاع الأمن الوطني”.

واستهدف الأمن الوطني أعضاء جماعة دينية، حيث احتجز ما لا يقل عن 15 شخصاً من جماعة “دين السلام والنور الأحمدي”، وتعرّض ثلاثة منهم للاختفاء القسري بين 29 و34 يوماً، بينما تعرّض اثنان للتعذيب، بما في ذلك الضرب والصعق الكهربائي على الأعضاء التناسلية. ويؤكد التقرير أن النيابة تجاهلت معظم شكاوى التعذيب، مما يعزز الإفلات الكامل من العقاب الذي يتمتع به ضباط الأمن الوطني.

الانتخابات والبيئة السياسية

 

وعما شدته مصر في 2025 من "انتخابات" مجلسي الشيوخ والنواب، كانت نسبة المشاركة متدنية للغاية، إذ بلغت 17% في انتخابات الشيوخ و32.4% في انتخابات النواب، وبظل ضعف الإقبال، حققت الأحزاب الموالية للحكومة أغلبية المقاعد، وسط تقارير واسعة عن شراء الأصوات، والتلاعب بالأوراق الانتخابية، وعيوب إجرائية، وإلغاء نتائج في بعض الدوائر وإعادة التصويت، ويشير التقرير إلى أن هذه الانتخابات لم تُظهر أي تقدم نحو التعددية السياسية، بل عززت سيطرة السلطة التنفيذية على الحياة السياسية.

 

وفي يناير 2025 خضعت مصر للاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الإنسان، لكنها قبلت عدداً محدوداً من التوصيات الجدية، بينما تجاهلت توصيات تتعلق بالحبس الاحتياطي، وحرية المجتمع المدني، والتمييز ضد الأقليات، وفي سبتمبر، أعلن عبد الفتاح السيسي رئيس الانقلاب، لأول مرة عن “استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان”، لكن التقرير يؤكد أن الواقع على الأرض لم يشهد أي تحسن، بل استمرت الانتهاكات بوتيرة متصاعدة.

حرية تكوين الجمعيات

 

يؤكد التقرير أن الحكومة واصلت تقويض حرية تكوين الجمعيات، عبر نظام ترخيص تعسفي، ومتطلبات مرهقة للإبلاغ المالي، وتدخلات مباشرة في شؤون المنظمات.

وأجبرت السلطات بعض الجمعيات على فصل موظفين أو أعضاء في مجالس إدارتها دون أساس قانوني، بينما تعرض العاملون في منظمات حقوقية للترهيب من قبل الأمن الوطني. كما استمرت القيود على التمويل، إذ رُفضت منح لمؤسسات مثل “حرية الفكر والتعبير” و“قضايا المرأة المصرية” دون إبداء أسباب، ويشير التقرير إلى أن هذه السياسات تهدف إلى وضع المجتمع المدني تحت رقابة دائمة وشلّ قدرته على العمل.

حرية التعبير والتجمع

 

واصلت السلطات تجريم التعبير السلمي، واستهداف الصحفيين والمعارضين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، فقد استُدعي حسام بهجت للتحقيق بتهم الإرهاب ونشر أخبار كاذبة بسبب بيان حقوقي، بينما اعتُقل صحفيون مثل أحمد سراج وندى مغيث بتهم تتعلق بالإرهاب، كما اعتُقل مشاركون في “مسيرة غزة” السلمية، بينهم مواطنون أجانب، واحتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي قبل ترحيلهم.

 

وشنّت السلطات حملة واسعة ضد صناع المحتوى على “تيك توك”، حيث اعتُقل عشرات المؤثرين بتهم “خدش الحياء” و“التعدي على قيم الأسرة”، وصدر بحق بعضهم أحكام بالسجن، ويشير التقرير إلى أن هذه التهم الفضفاضة تُستخدم لإسكات الأصوات الشابة والسيطرة على الفضاء الرقمي.

الاعتقال التعسفي والمحاكمات الجائرة

 

بين سبتمبر 2024 ومايو 2025، أحالت السلطات نحو 6,000 شخص إلى محاكم الإرهاب، بينهم صحفيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان، بتهم ترتبط غالباً بممارسة حقوقهم الأساسية، وتفتقر هذه المحاكمات إلى ضمانات العدالة، إذ تعتمد على تحريات أمنية غير موثقة، وترفض التحقيق في ادعاءات التعذيب.

 

كما صدرت أحكام عسكرية ضد مدنيين، مثل خمسة صيادين حُكم عليهم بالسجن والغرامة بسبب الصيد في منطقة عسكرية، وفي أكتوبر 2025 أُقر قانون جديد للإجراءات الجنائية يضيف بدائل للحبس الاحتياطي، لكنه يظل غير متسق مع المعايير الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بالحق في التمثيل القانوني.

الاختفاء القسري والتعذيب

 

يؤكد التقرير أن التعذيب والاختفاء القسري ما زالا ممارسات راسخة، خصوصاً في منشآت الأمن الوطني، فقد اعتُقل ما لا يقل عن 55 رجلاً وأربع نساء بسبب محتوى ينتقد الحكومة، واحتُجز خمسة منهم بمعزل عن العالم الخارجي بين أربعة وستة أسابيع، كما اختفى آخرون لمدة 28 و41 يوماً في منشآت سرية.

 

وأبلغ محتجزون عن تعرضهم للضرب والإهانات والصعق الكهربائي، بما في ذلك على الأعضاء التناسلية، كما اختفى الناشط ناصر الهواري لمدة 16 يوماً قبل الإفراج عنه دون تهمة، ويشير التقرير إلى أن النيابة تجاهلت معظم شكاوى التعذيب، مما يعزز الإفلات من العقاب.

عقوبة الإعدام

 

استمرت المحاكم في إصدار أحكام بالإعدام، بما في ذلك في قضايا لا تتعلق بالقتل العمد، مثل المخدرات والاغتصاب، ونُفذت بالفعل عمليات إعدام، وتصف المنظمة هذه المحاكمات بأنها جائرة، وتعتمد على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب.

الإفلات من العقاب

 

يؤكد التقرير أن الانتهاكات الجسيمة، بما فيها القتل غير المشروع والتعذيب والاختفاء القسري، لا تزال بلا مساءلة، ولم تُفتح تحقيقات في حالات وفاة داخل الحجز، رغم تقارير عن التعذيب والإهمال الطبي، كما رفضت النيابة شكاوى تتعلق بوفاة سبعة محتجزين في قسم شرطة العمرانية، ويشير التقرير إلى أن إرث أحداث رابعة 2013، التي قُتل فيها ما لا يقل عن 900 شخص، ما زال بلا محاسبة.

التمييز ضد النساء والأقليات

 

وتستمر النساء في مواجهة تمييز قانوني وعملي في الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والمشاركة السياسية، كما اعتُقلت نساء وفتيات بسبب محتوى على “تيك توك” بتهم أخلاقية مبهمة، ويشير التقرير إلى أن الأقليات الدينية، خصوصاً المسيحيين، يتعرضون للتمييز في الانتصاف القانوني، إذ تُفرض عليهم جلسات صلح عرفية تحرمهم من التعويض.

وتفاقمت الأزمة الاقتصادية، بينما تقاعست الحكومة عن حماية الفئات الأكثر هشاشة، ولم تُنفذ الالتزامات الدستورية المتعلقة بتمويل الصحة والتعليم، ورغم زيادة مخصصات الدعم النقدي، ظل عدد المستفيدين (7.7 مليون شخص) أقل بكثير من عدد من يعيشون في الفقر (30 مليوناً وفق آخر إحصاء رسمي)، كما ارتفعت أسعار الغذاء، واستمر الدين العام في استنزاف الميزانية.

حقوق العمال

 

واعتُقل عمال بسبب إضرابات للمطالبة بالحد الأدنى للأجور، كما حدث مع تسعة عمال في يناير 2025، وفي قنا، استدعى الأمن الوطني خمسة عمال لإنهاء إضرابهم، في تدخل مباشر في النزاعات العمالية.

وأصدر السيسي قانوناً يلغي قوانين الإيجار القديمة، مما يهدد 1.6 مليون أسرة، ورغم وجود فترة انتقالية، يفتقر برنامج التعويض إلى الشفافية، مما يثير مخاوف بشأن قدرة ذوي الدخل المنخفض على تحمل تكاليف السكن.

اللاجئون والحدود

 

استمرت عمليات الترحيل غير المشروع للاجئين، خصوصاً من السودان، واحتُجز مواطنون أجانب شاركوا في مسيرة غزة بمعزل عن العالم الخارجي قبل ترحيلهم، كما ظل معبر رفح مغلقاً في معظمه، مما فاقم الأزمة الإنسانية في غزة.

 

 

https://www.amnesty.org/ar/location/middle-east-and-north-africa/north-africa/egypt/report-egypt/