صدور كتاب الصهيوني نتنياهو "مكان تحت الشمس" بداية تسعينيات القرن الماضي، يتم الترويج لأساطير تتناول فلسطين والفلسطينيين، منها أن فلسطين كانت أرضًا قاحلة خالية من أيّ مظهر من مظاهر الحضارة، وفقا لمزاعم الكتاب، إلى أن عاد اليهود إليها وقاموا بتعميرها، وصولا إلى آخر تقليعة صهيونية، وهي أن أصل الفلسطينيين هو جنوب أوروبا.

كتب نتنياهو، في تغريدة له على تويتر، أن "دراسة جديدة للحمض النووي تمت استعادتها من موقع فلسطيني قديم في مدينة عسقلان، تؤكد ما جاء في الكتاب المقدس، أن أصل الفلسطينيين موجود في جنوب أوروبا"، وأضاف رئيس الوزراء الصهيوني أن "الكتاب المقدس يذكر مكانًا يدعى كافتور، وهو على الأرجح جزيرة كريت، بالتالي لا توجد صلة بين الفلسطينيين القدامى والفلسطينيين الحاليين، الذين جاء أسلافهم من شبه الجزيرة العربية إلى أرض إسرائيل بعد آلاف السنين"، على حد زعمه.

واعتبر نتنياهو أن "ارتباط الفلسطينيين بأرض إسرائيل ليس شيئًا، مقارنة بـ4000 عام من ارتباط الشعب اليهودي"، حسب ادّعائه. وشارك نتنياهو في تغريدتيه باللغة الإنجليزية في دراسة نشرتها مجلة "سينس أدفانسيس" التي تدّعي أن تحليلا حديثا للحمض النووي أجرته، وأظهر أن الفلسطينيين القدماء جاءوا من جنوب أوروبا قبل أكثر من 3000 عام.

التطبيع الكامل

الأساطير التي يروجها نتنياهو عن أصل الفلسطينيين لا تخرج عن حديث صفقة القرن، الذي أصبح مرتبطا بأمرين مهمين يشترطهما كيان العدو الصهيوني قبل أي خطوة في هذا المشروع؛ الأول: التطبيع الكامل مع كافة الأنظمة في محيط كيان العدو الصهيوني في العالم العربي، والأمر الثاني: هو الاعتراف بسيادة كيان العدو الصهيوني الكاملة على مدينة القدس الموحدة، مع ضمان حقوق العبادة تحت السيادة اليهودية، وليس تحت أي سيادة أخرى.

وقبل أن نتحدث عن مؤامرة صفقة القرن، وعلاقتها بصفقة القدس، وما يجري من مؤامرة وتفريط؛ في القدس والمقدسات؛ نقول: إنه لم يعد هناك أي ثوابت، ولا ضوابط عند من يحكمون العرب أمام أوامر أمريكا وسياستها في الشرق الأوسط ومشروعها المسمى الشرق الأوسط الجديد، وآخر هذه الثوابت- والتي تغنى بها الملوك والرؤساء والجنرالات ردحًا من الزمن كذبًا وزورًا- هي القدس والمقدسات والأرض والإنسان.

فإذا استعرضنا بعضا من هذه الثوابت؛ نجد أنها أصبحت تاريخا ونسيا منسيا، وكان أولها اللاءات الثلاثة التي سطرها حكام العرب في قمة الخرطوم في 29/8/1967 بعد ما يسمى بالنكسة مباشرة؛ وهي: لا صلح.. لا اعتراف.. لا تفاوض.. مع العدو الصهيوني حتى يعود الحق لأصحابه.

أما ما يتعلق بثوابت منظمة التحرير الفلسطينية فقد كان أهمها: تحرير كامل الأرض المغتصبة من قبل كيان العدو الصهيوني؛ وقد تأسست منظمة التحرير قبل نكسة 67؛ أي تأسست من أجل تحرير ما اغتصبه يهود سنة 48؛ وقد سطروا في ميثاق المنظمة أن فلسطين التاريخية هي من البحر إلى النهر؛ غير مقسمة ولا مجزأة.

إن المتابع لسُلم التنازلات عند الأنظمة العربية أو عند منظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية من بُعد، منذ سنة 67 حتى يومنا هذا، لا يستبعد أن تكون القدس والمقدسات عرضة للمساومة عند هذه الأنظمة المفرّطة بالأرض والإنسان والعقيدة والشريعة، ولا يستبعد أيضا أن تكون القدس هي ضمن صفقة القرن الحالية، في إنهاء قضية فلسطين وتصفيتها لصالح يهود.

إن موضوع صفقة القرن وارتباطه بصفقة القدس، وعربون التطبيع؛ يذكرنا بأمور لا بد من ذكرها والتذكير بها، منها أن موضوع صفقة القرن ليس وليد اليوم، ولا الأمس؛ إنما يحضر له منذ سنوات طويلة؛ وكانت بداياته في عهد أبو الانقلاب الفاشي جمال عبد الناصر؛ كما كشف عن ذلك تقرير للجزيرة بعنوان "صفقة القرن؛ طرح متعدد ومتجدد بين الوعد والعراقيل" بتاريخ 14/6/2017 .

حيث جاء في التقرير أن "مشروع توطين 60 ألف فلسطيني في سيناء أيام عهد جمال عبد الناصر؛ الذي نجحت غزة في إفشاله.. ومشروع آلون للتوطين في سيناء؛ تحت مبرر عجز السلطة المصرية عن فرض سيطرتها الأمنية على سيناء"، وقد عرضت عليه الأونروا في سنة 1953 توطين قسم من اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، وانكشفت المؤامرة لدى أهل فلسطين؛ وخاصة لدى سكان مدينة غزة، وقامت المظاهرات العارمة في غزة، واستشهد أكثر من ثلاثين شخصا على أيدي الجيش المصري، واضطرت حكومة عبد الناصر لإلغاء المشروع أمام غضبة الجماهير وهبتها.

ثم تجددت صفقة القرن مرة أخرى في عهد المخلوع مبارك، حيث كشفت شبكة "بي بي سي" وثائق سرية بريطانية بتاريخ 29/11/2017 جاء فيها :" أن مبارك قبل توطين فلسطينيين في مصر، قبل أكثر من ثلاثة عقود وحسب الوثائق، التي حصلت عليها "بي بي سي" حصريا بمقتضى قانون حرية المعلومات في بريطانيا، فإن مبارك استجاب لمطلب أمريكي في هذا الشأن".

خطة السفيه السيسي

إن التهيئة لهذا المشروع طفت على السطح هذه الأيام، وقد بدأت أولى حلقاتها منذ ثلاثة أعوام عام كما ذكرت ذلك صحيفة هآرتس الصهيونية في تقرير لها بتاريخ 21 فبراير 2016 جاء فيه: "قبل أكثر من عام وتحديدا في 21 شباط 2016؛ عُقد في العقبة الأردنية لقاءٌ رباعي بين نتنياهو، وكيري، والسيسي، وعبد الله الثاني، ناقش أفكارا جديدة للحل على أساس من يهودية الدولة وتبادل الأراضي".

وبعد عام وفي 12 فبراير 2017؛ أعلن عضو حزب الليكود أيوب قرا أنه أثار مع نتنياهو مقترح دولة فلسطينية في سيناء؛ وفق خطة السفيه السيسي، لتعبيد طريق السلام الشامل مع الائتلاف السني حسب وصفه، وأن نتنياهو سيعرض المقترح على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وفي 12 يونيو 2017، فجر الصحفي الصهيوني يوسي فرتر مفاجأة لقاء سِرّي؛ جمع بنيامين نتنياهو، وزعيم المعارضة إسحاق هارتسوغ مع السفيه السيسي في 2016، وقال فرتر وقتها: إن "اللقاء السري جاء في ذروة الجهود الدولية لرسم الخطوط العريضة لمبادرة سلام إقليمية".

ومن أهم مقدمات صفقة القرن كشرط لكيان اليهود؛ التطبيع الكامل والعلني مع العملاء العرب كما صرح بذلك نتنياهو في مؤتمر هرتسيليا اليهودي للسياسات والاستراتيجية 2017، وأن يعترف العالم العربي والدول الكبرى كذلك بالقدس موحدة وعاصمة لكيان العدو الصهيوني كما صرح وأعلن ترامب، وهذه الخطوة من جانب أمريكا قد جرى التشاور حولها مع الدول في العالم الإسلامي وعلى رأسها السعودية!.

والحقيقة أن القدس بشطريها هي أصلا مغتصبة، ومكبلة بالسلاسل والقيود؛ بما فيها المسجد الأقصى المبارك، وأن اعتراف أمريكا بها عاصمة لليهود ليس أكبر من احتلالها، ولا من تدنيس المسجد الأقصى، واقتطاع جزء منه وهو حائط البراق؛ المسمى بـ"حائط المبكى".

كما أن الثوابت التي لا تتغير، ولا يؤثر عليها اعتراف أمريكا، أو اغتصاب عصابات الصهاينة، أو تفريط العملاء العرب؛ هي أن القدس وأرضها المباركة هي أرض إسلامية وقفية خراجية، وأن الصهاينة لا مكان لهم فيها بموجب العهدة العمرية، وأنها عقر دار الإسلام.

Facebook Comments