جنرالات العسكر المتعاقبين على احتلال مصر لم تكن حكوماتهم تحتاج إلى مشروع قومي لإلهاء الجماهير، وإنما يكفي اختراع قصص لتسويق إنجازات وهمية، وتضخيم آلة الأكاذيب ودعمها، حتى تحول الوهم إلى صناعة كاملة توضع لها الخطط والاستراتيجيات والسياسات، وأصبح جهاز الدولة خبيرًا في ذلك.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه اليابان الكوكب الشقيق كما يصفها المصريون عن اطلاق مركبة تصعد إلى القمر، تعود ذاكرة المصريين إلى عهد أبو الانقلاب الفاشي جمال عبد الناصر وحتى عصر مبارك، وتستطيع تلك الذاكرة أن تجد بسهولة عشرات الفناكيش الوهمية التي سوقها العسكر للجماهير، وأقنعهم بوجودها، وهي في حقيقة الأمر خيال لا علاقة له بالواقع.

ومن ستينات القرن الماضي حينما أعلن العسكر في مصر عن اطلاق مركبة فضائية، وقعت شركة صناعة السيارات والوكالة اليابانية لاستكشاف الفضاء (JAXA)، اتفاقًا مدته ثلاث سنوات لتطوير مشترك لمركبة قمرية مضغوطة، والتي ستدمج تقنيات المركبات الكهربائية لخلايا الوقود.

أين السفينة؟

ووفقا لما ذكره موقع “space” الأمريكى، ستقوم شركة صناعة السيارات والوكالة اليابانية لاستكشاف الفضاء (JAXA)، خلال فترة البحث المشترك التي تمتد لثلاث سنوات بتصنيع واختبار وتقييم النماذج الأولية، بهدف تطوير مركبة فضائية مأهولة ومضغوطة على سطح القمر واستكشاف سطح القمر كجزء من مشروع دولي.

ولم يتوقف الوهم عند سفينة فضاء عبد الناصر، بل تمادى ولم يكن جهاز اللواء عبد العاطي لعلاج مرض الإيدز بالكفتة هو الأول، وليس هو المهم الآن، فقد أشبعه المتابعون سخرية واستهزاء، وكشفوا حقيقته وحقيقة عبد العاطي نفسه.

لكن هذه السخرية جاءت في زمن لم يعد بالإمكان خداع الجمهور بسهولة مثلما كان يحدث سابقًا، فعصر التكنولوجيا والإنترنت لم يترك فرصة لذلك، وأخضع جميع الأحداث للحوار والمناقشة، لكن ماذا عن عصور سابقة لم يكن بإمكان الناس التأكد من زيف ادعاءات العسكر؟، ومنهم أجيال كاملة ولدت وعاشت وماتت وهي مصدقة لخرافات وأوهام الأنظمة؟.

في عدد مجلة المصور بتاريخ 16 إبريل 1965، كشفت المجلة عما سمته “السر الذي يذاع لأول مرة”، وهو أن مصر تمتلك وحدة أبحاث فضائية تقوم بتجهيز أول رائد فضاء مصري، وامتلاك مصر لأحدث الأجهزة لتصنيع قمر صناعي مصري.

ويبدو أن المطبلين في الاعلام يستقون أوهامهم من نفس المصدر تقريبًا، ففي نوفمبر عام 2013 بعد الانقلاب الدموي أعلن أحمد المسلماني، المستشار الإعلامي للطرطور عدلي منصور وقتها عن مشروع لإطلاق وكالة فضاء مصرية، وكتب مقالاً حول هذا المشروع نشرته وكالة الأنباء الرسمية، ورد عليه مجلس علماء مصر بالقول إن هذا الحديث “كلام فارغ”، وليس له أي علاقة بالواقع، وطالبوا بعدم الانسياق وراء أحاديث المسلماني، والالتفات إلى إصلاح حال البحث العلمي والباحثين والعلماء.

نفس الوعد كرره عصام حجي، المستشار العلمي للطرطور عدلي منصور، وأعلن عن إطلاق وكالة فضاء مصرية خلال شهرين، لكن المدة الموعودة مرت وفاتت شهور أخرى دون أن نسمع بتلك الوكالة المزعومة!

قوة الكفتة!

لم تقتصر الفتوحات الخارقة على المجال العسكري فقط، وإنما امتدت إلى المجال العلمي والصحي، فنجد جريدة “الأخبار” تطلب متطوعين لتجربة دواء “إعادة الشباب” عليهم في الثاني من ديسمبر عام 1959.

لم توضح الجريدة أي معلومات عمن يقف وراء هذا الدواء، ومن اخترعه، وكيف تتورط الجريدة في الترويج لدواء لم تثبت صحته بعد، بل وتقوم بتجربته على البشر لقياس فاعلية الدواء، وكأنهم فئران تجارب.

طبعًا لا تسأل عن دور وزارة الصحة في الموضوع لأنه من الواضح أن لا أحد يتحرك في هذا الموضوع من تلقاء نفسه، كما أن البلاد في ذلك الوقت كانت تحكم بقضبة حديدية، ويستحيل إطلاق حملة من هذا النوع دون إذن ممن يحركون الأمور، وربما تكون أصلاً بتخطيط منهم.

الجريدة استفاضت بعد ذلك في شرح النتائج المبهرة لتجارب الدواء على المتطوعين دون ذكر أسمائهم أو أي معلومات عنهم، والمفترض أن نصدقها طبعًا لتستقبل الجريدة آلاف الطلبات من أشخاص يريدون تجربة الدواء للحصول على شباب دائم. ونشرت أخبارًا دورية عن نجاح التجربة على كل هؤلاء.

وبعد أن تورطت الجريدة في خداع الآلاف وإعطائهم أملاً كاذبًا، اكتشف المصريون بعد ذلك أن الدواء المزعوم ليس مصريًّا أصلاً، وإنما أنتج في رومانيا، التي كانت تحت الحكم الشيوعي، وهي بلاد تنتشر فيها تلك المشروعات الكاذبة، وتروج لها السلطة.

أي أن جريدة الأخبار استوردت فنكوشًا رومانيًّا إلى مصر، ويبدو أن صناعة الوهم في مصر تلك الفترة لم تكن بالجودة المطلوبة لدرجة استدعت الاستعانة بأوهام الأمم الأخرى، ويبدو أيضًا أن جرعة الإبداع زائدة عند جريدة الأخبار، لدرجة تطوعها بحماس شديد في الترويج لكل الأدوية المغشوشة، فلم تكتف بالتهليل لإعلان اختراع اللواء عبد العاطي، وإنما نشرت ما قالت إنها قصص لمرضى مصابين بالإيدز وفيروس “سي” وخضعوا للعلاج بالجهاز الجديد الذي شفاهم تمامًا!

وتبدو تجارة “بيع الوهم” مربحة ورائجة في مصر منذ زمن طويل، من المفاعل النووي “الفنكوش المتجدد”، إلى صناعة الطائرات، مرورًا بـ”جهاز الكفتة”، والمليون وحدة سكنية، وزراعة المليون فدان، وصولًا إلى صناعة سفينة الفضاء المصرية.. والبقية تأتي.

Facebook Comments