تصريحات السفيرة الأمريكية السابقة بالقاهرة (2011 حتى 2013) “آن باترسون”، يوم الخميس الماضي 14 فبراير 2013م، خلال حلقة نقاشية بعنوان “الانتفاضات العربية بعد 8 سنوات.. الدروس المستفادة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”، والتي نظمها مركز التقدم الأمريكي في واشنطن”، سلطت الضوء على انقلاب الجيش على الرئيس محمد مرسي، وهو اعتراف واضح لأول مرة من مسئولة أمريكية سابقة عاينت الأحداث عن قرب؛ إضافة إلى أنها تجاهلت تمامًا ما تسمى بجبهة الإنقاذ وقتها؛ لأن هذه المظاهرات وحدها لم تكن كفيلة بالإطاحة بمرسي لولا تدخل الجيش الذي حسم الموقف؛ والذي اكتشف نشطاء يناير من الليبراليين واليساريين فيما بعد أن الجيش غرر بهم وببعض رموز جبهة الإنقاذ من أجل استخدامهم كغطاء مدني لانقلاب فاشي.

لكن ما يحتاج إلى رصدٍ هو ما يتعلق بالموقف الأمريكي من الانقلاب في تصريحات “باترسون”، وربط ذلك بما وثقه الصحفي المخضرم كير كيباتريك، مدير مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، في كتابه “بين أيدي العسكر”، والذي أصدره في منتصف سنة 2018م، باعتباره شاهد عيان على الأحداث، كما أنه قدم رواية عميقة وثقها بمئات المقابلات المباشرة مع قيادات إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

أولا: كانت الإدارة الأمريكية تنظر إلى الإخوان المسلمين في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير، باعتبارهم القوة الشعبية الأكبر والأكثر تنظيما وقدرة على الحشد في البلاد، ما يعني أنهم كانوا الفصيل الأكبر في فعاليات ثورة يناير، وأن واشنطن كانت على يقين بأن الإخوان سيفوزون في الانتخابات البرلمانية بعد الثورة، بينما مثّل السلفيون مفاجأة للإدارة الأمريكية، ولذلك “التقت خيرت الشاطر نائب مرشد الإخوان، ورئيس البرلمان سعد الكتاتني، وغيرهما من أعضاء جماعة الإخوان، فجزء من عملنا كان هو التواصل مع من يديرون شئون البلاد”. لكن ذلك بالطبع ولّد مخاوف لدى واشنطن من اتجاه مصر نحو الإسلاميين بصورة كبيرة، كشفت عنها نتائج استفتاء الدستور مارس 2011 من جهة، وانتخابات البرلمان من جهة ثانية.

بل تؤكد “باترسون” ضعف ما تسمى بالقوى المدنية، بأنه «لم يكن هناك أي حزب قادر على منافسة جماعة الإخوان المسلمين والحركة السلفية، لذا لا أعتقد أنه كان هناك مجال للعمل مع أحد سوى هذين التنظيمين والمنظومة العسكرية». ما يعني بوضوح أنه إما أن تكون تحت حكم عسكري استبدادي، أو البديل في حالة الديمقراطية هم “الإسلاميون”، لذلك من الواضح أن واشنطن فضلت الديكتاتورية العسكرية على الديمقراطية التي ستأتي بالإسلاميين.

ثانيا: كانت الإدارة الأمريكية غير راضية عن أداء الرئيس محمد مرسي واعتبرته غير مؤهل؛ لأنه لم يكن أداة طيعة في أيدي واشنطن وأركان الدولة العميقة، لذلك أكدت أن السياسة الأمريكية تجاه مصر كانت ثابتة لعقود، وكانت معنية في الأساس بالمحافظة على السلام بين مصر وإسرائيل، وفي ذلك إشارة إلى أن الموقف الشجاع والجريء للرئيس مرسي من الحرب على غزة أواخر 2012 كانت تمثل اختبارا له؛ وأمام موقفه المساند لغزة والشعب الفلسطيني؛ حيث أرسل رئيسَ الحكومة الدكتور هشام قنديل وعددًا من الوزراء لغزة تعبيرا عن التضامن، كما هدد “إسرائيل” بغضبة شعب وجيش.

وعندما أصدر السيسي الإنذار الذي قدمه إلى الرئيس مرسي، في 1 يوليو، ظهر الوجه الحقيقي للإدارة الأمريكية، عندما أبلغت مستشارة الأمن القومي “سوزان رايس” عصام الحداد، مستشار مرسي للشئون الخارجية، أن اللعبة قد انتهت: إما أن يتقدم مرسي باستقالته أو سيتم الانقلاب عليه، ونصحته بالاستقالة، وهو ما رفضه مرسي قطعيا، وفي هذه الأثناء، تحدث وزير الدفاع الأمريكي “تشاك هيغل” مع قائد الانقلاب خمس مرات على الأقل فى خلال الأزمة، ونصحه بالإعلان عن أن الانتخابات ستعقد في أقرب وقت ممكن.

وبالإضافة إلى ذلك أكد للسيسي أن الإدارة الأمريكية سوف تحافظ على مساعداتها العسكرية لمصر. وفي خلال أيام التقى نائب وزير الخارجية الأمريكي وليام بيرنز فى مصر، قادة الانقلاب وبعض المدنيين المتعاونين معهم. وأثناء وجوده في القاهرة تجاهل تماما كل الحقائق المحيطة بالإطاحة برئيس منتخب. وكانت رسالته فى الأساس هي دعم الانقلاب، كما ذكر في حديثه، “وتلتزم الولايات المتحدة التزاما راسخا بمساعدة مصر في نجاحها في هذه الفرصة الثانية لتحقيق وعود الثورة”!.

ثالثا: الإشارة إلى أن «الرئيس مرسي حمل عبئًا أكبر مما يحتمل، وخصوصا عندما قام بتعيين السيسي وزيرا للدفاع». وهي كلمات غامضة تحمل كثيرا من الدلالات، بأن تصعيد السيسي على رأس الجيش كان مخططًا له كجزء من مخططات الانقلاب على الرئيس مرسي ومسار الثورة عمومًا؛ وذلك أضافت أن «المؤسسة العسكرية لم تكن تعترض على تنحية المشير طنطاوي من منصبه كرئيس للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، فهناك من كان يشعر أنه يجب أن يتنحى جانبًا ويتيح المجال لضباط آخرين ليتولوا القيادة»؛ فمن هم هؤلاء القادة الذين وصفتهم “باترسون” بالمؤسسة العسكرية، والذين لم يعترضوا على تنحية طنطاوي وعنان؟! وهل هناك داخل الجيش من هم أعلى سلطة من وزير الدفاع ورئيس الأركان؟! وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام كثير من الشكوك حول مدى اختراق واشنطن للجيش وتجنيد كبار قادته لخدمة مسار كامب ديفيد لضمان أمن الكيان الصهيوني، وربط وظيفة أي نظام في مصر بمدى قدرته على ضمان أمن واستقرار “إسرائيل”.

رابعا: أكدت أن الجيش هو من أطاح بالرئيس وليست مظاهرات 30 يونيو، وفي ذات الوقت أشارت إلى أنها التقت السيسي 32 مرة خلال هذه الفترة وتعرفه حق المعرفة. بينما يشير كير كيباتريك في كتابه إلى أن السيسي، بعد توليه وزارة الدفاع، كان حريصا على التودد للسفيرة الأمريكية في القاهرة في حينه، آن باترسون، مؤكّدا لها سعادته بالعمل مع الرئيس مرسي، صاحب التوجه الإسلامي من ناحية، وعلى صداقته مع الإسرائيليين من ناحية أخرى، وأن السفيرة التي سبق لها العمل في باكستان حذّرت الإدارة الأمريكية منه، بسبب طموحه الشديد وشراسته. لكن باترسون أشارت أيضا في تصريحاتها الأخيرة، إلى المساعدات الأمريكية (العسكرية والمدنية) التي تقدمها واشنطن لمصر، منها 1.3 مليار دولار سنويا للجيش، وهو ما يؤكد حجم النفوذ الأمريكي داخل المؤسسة العسكرية المصرية، وكيف تمكنت من خلال اتفاقية “كامب ديفيد” في تحقيق اختراق واسع داخل الجيش بما يضمن ولاء كبار قادته وجنرالاته للمصالح الأمريكية والإسرائيلية. لكن “باترسون” في ذات الوقت وصفت الجيش بأنه أيضا غير مؤهل للقيام بمهمته الرئيسية، وهي حماية الحدود واستقرار المناطق الحدودية، مستشهدة بأنه عندما بدأت الاضطرابات لم يتمكن من هزيمة ألف متمرد في سيناء؛ فالجيش إذًا يجيد الانقلابات ويستأسد على المدنيين المسالمين، بينما يفشل في مواجهة عدة مئات من المسلحين في سيناء، ما يعكس تراجع الكفاءة القتالية وعدم القدرة على مواجهة أساليب حروب العصابات. وفي الوقت ذاته ألقت بعبارة شديدة الدلالة والأهمية بأن الجيش الذي أطاح بمرسي يمكن أن يطيح بالسيسي في المستقبل، وأنها لا تدري إلى أي مدى يبقى الجيش داعما للسيسي!.

خامسًا: أقرت بالدور الإقليمي في تدبير وتمويل الانقلاب، حيث تؤكد تصريحات “باترسون” أن واشنطن كانت لديها معلومات كافية فيما يتعلق بتورط دول الخليج ودورها في الإطاحة بالرئيس مرسي، وكذلك دورهم في الانقلاب. وعلى هامش الحلقة النقاشية أيضا قال وليام تايلور، المنسق الخاص بالتحولات في الشرق الأوسط والانتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي بالخارجية الأمريكية سابقا: كان هناك دعم سعودي إماراتي للمعارضة ضد مرسي، وأن واشنطن تفادت القول إن انقلابا حدث في مصر لأنها أرادت استمرار الدعم للعسكريين.

ومن جانبه يوثق ديفيد كير كيباتريك، في كتابه “بين أيدي العسكر”، أن ضابطا في مطار القاهرة أبلغ مساعدي مرسي في فبراير 2013 بأن طائرة وصلت من الإمارات مليئة بالنقود وأقراص الترامادول، وأن ضابطًا في الجيش استلمها، وهو ما أثار قلق مساعدي الرئيس مرسي.

Facebook Comments