بقلم: د. فحي أبو الورد

 

جاء فى حديث البخارى السابق فى موعظة النبى صلى الله عليه وسلم للنساء يوم العيد قوله: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن "قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل" قلن: بلى قال: "فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟" قلن: بلى. قال: "فذلك من نقصان دينها".

القضية الثانية التى يثيرها الحديث هى نقصان عقل النساء، ولست هنا أجامل المرأة على حساب النص، ولكنا هنا بصدد شبهة تتردد، وفهم خاطئ ترسخ لدى عقول كثيرين عن الشريعة؛ فوجب تصحيح الفهم، وتجلية الشبهة، مع إيمانى بأن الكملة من النساء قلائل، وأن الحديث يشعر بنقص عقلها عن الرجل إجمالا، وأما تفصيلا فقد تكون امرأة أكثر عقلا من كثير من الرجال.

ولتوضيح هذه القضية ينبغى أن تفهم فى ضوء الإيضاحات التالية:

– أن من وجه إليهن الخطاب كن جماعة من نساء المدينة، وأغلبهن من الأنصار اللاتي قال فيهن عمر بن الخطاب: "فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار" وهذا يوضح لماذا قال الرسول الكريم: ((ما رأيت أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)).

– أن صياغة النص ليست صيغة تقرير قاعدة عامة أو حكم عام،  وإنما هي أقرب إلى التعبير عن تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التناقض القائم في ظاهرة "تغلب النساء" -وفيهن ضعف- على الرجال ذوي الحزم. أي التعجب من حكمة الله: كيف وضع القوة حيث مظنة الضعف وأخرج الضعف من مظنة القوة، حتى قال ابن بطال: فإذا كن يغلبن الحازم فما الظن بغيره. فالعبارة فيها ممازجة وتعجب؛ لأن الذي يتفق مع طبائع الأمور أن يتابع الناقص الكامل، لكن الذي يحدث ويتعجب منه صلى الله عليه وسلم هو العكس، وفي هذا مدح واضح جدًا لتأثير المرأة على أعقل الرجال وأكثرهم حزمًا وحكمة، وليس فيه ذم لها أو انتقاص منها. وإلى هذا المعنى ذهب الأستاذ عبد الحليم أبوشقة والدكتور محمد بلتاجي.

– إن الذين اتخذوا من الحديث ومن قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282], مطعنًا على كمال أهلية المرأة وانتقاصها وقعوا فى خطأ، ومبعث هذا الخطأ هو الخلط بين "الشهادة" أمام القضاء، وبين "الإشهاد" فى التعامل بين الناس للاستيثاق لحقوقهم، وهو الذي تتحدث عنه هذه الآية الكريمة، فالشهادة التي يعتمد عليها القضاء في اكتشاف العدل المؤسس على البنية واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم، لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارًا لصدقها أو كذبها ومن ثم قبولها أو رفضها، وإنما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة، بصرف النظر عن جنس الشاهد، ذكرًا كان أو أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود.

فللقاضي إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البينة أن يعتد بشهادة رجلين أو امرأتين، أو رجل وامرأة، أو رجل وامرأتين أو امرأة ورجلين، أو رجل واحد، أو امرأة واحدة، ولا أثر للذكورة أو الأنوثة في الشهادة التي يحكم القضاء بناء على ما تقدمه له من البينات، وإن آية "الدين" التى معنا تتحدث عن الإشهاد على الدين ليستوثق صاحب الحق لحقه، فهي تخاطبه هو، ولا تخاطب القاضي الذي يحكم في الخصومة.

فالإشهاد شيء والشهادة شيء آخر، لأن المقام الذي وردت فيه الآية مقام استيثاق للحقوق لا مقام الشهادة أمام القضاء. وهذا المعنى أكده ثلة من العلماء قديمًا وحديثًا منهم الإمام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد عبده، والشيخ محمود شلتوت، والدكتور محمد بلتاجي، والدكتور محمد عمارة.

– الحديث يتحدث عن "واقع"، والحديث عن الواقع -القابل للتغير والتطور شيء، والتشريع للثوابت عبادات وقيمًا ومعاملات شيء آخر- فعندما يقول الرسول كما جاء عند البخارى: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) ، فهو يصف واقعًا، ولا يشرع لتأبيد الجهل بالكتابة والحساب، ولأن الرسول  الذي وصف واقع الأمية الكتابية والحسابية، هو الذي غير هذا الواقع، بتحويل البدو الجهلاء الأميين إلى قراء وعلماء وفقهاء. فوصف الواقع -كما نقول الآن مثلًا نحن مجتمعات متخلفة- لا يعني شرعنة هذا الواقع، ولا تأييده، فضلًا عن تأبيده، بأي حال من الأحوال كما يرى الدكتور محمد عمارة.

– يعلل الشيخ محمد عبده شهادة المرأتين في هذا المقام بشهادة رجل، بأن النساء في ذلك التاريخ كن بعيدات عن حضور مجالس التجارات ومن ثم بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات في هذه الميادين؛ فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها، فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل، يعني أن من طبع البشر ذكرانًا وإناثًا أن يقوي تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها.

وهذا ما حدا بالدكتور محمد عمارة أن يقول: ولو عاش الإمام محمد عبده إلى زمننا هذا، الذي زخر -ويزخر- بالمتخصصات في المحاسبة والاقتصاد وإدارة الأعمال، وبـ"سيدات الأعمال" اللائي ينافسن "رجال الأعمال" لأفاض وتوسع فيما قال.

– إن نسيان المرأة ليس طبعًا ولا جبلة في كل النساء ولا حتمًا في كل الشهادات، وأنه متى انتفى النسيان في العادة كانت شهادتها مثل شهادة الرجل كما ذهب إلى ذلك الإمام ابن تيمية، وأنه إذا تطورت خبرات المرأة وممارساتها وعاداتها كانت شهادتها -حتى في الإشهاد على حفظ الحقوق والديون- مساوية لشهادة الرجل، كما يقول الدكتور محمد عمارة.

ـ إن المرأة كالرجل في "رواية الحديث" التي هي شهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان ذلك مما أجمعت عليه الأمة، ومارسته راويات الحديث النبوي جيلًا بعد جيل -والرواية شهادة- فكيف تقبل الشهادة من المرأة على رسول الله، ولا تقبل على واحد من الناس؟ ولذلك فإن المرأة العدل كالرجل فى الصدق والأمانة والديانة، كما يقول ابن القيم.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments