تمر الأمم والشعوب بمراحل شديدة التأثير في مسيرتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لو اختار الضباط بعد ثورة يوليو 1952 طريق الديمقراطية والاحتكام الي الشعب حسب رؤية الرئيس محمد نجيب رئيس الدولة في ذلك الحين ولكن تم عزله وأصر الضباط على السيطرة المطلقة على حكم مصر والذي استمر الي الان. ولو تم اعتماد المسار الديمقراطي لكانت مصر واصلت تقدمها وما احتاجت ان تدخل في حروب لا شأن لها بها في اليمن والكونغو وافريقيا الوسطي ولاستمرت مصر والسودان دولة واحدة كما كانت.
ولو ان الانقلابيين لم يطمعوا في السيطرة على حكم مصر بمفردهم، لكانت مصر الان تجني ثمار ثورتها وجهد أبنائها من مشروعاتهم التنموية التي انتخبوا الرئيس الشهيد محمد مرسي علي اساسها، وما أصبحت مصر مثقلة بالديون تبع أصولها ومقدرتها لأعدائها كما هو حاصل الان.
ووفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فإن أكثر من 40 مليون شخص من سكان مصر "ثلث الشعب" اليوم سنهم أقل من 20 عاما، أي في 30 يونيو 2013 كان أكبرهم لا يتعدى 7 سنوات وبالتأكيد كان لا يستوعب ما يحدث حوله، ونشأ هذا الطفل بعد ذلك في نظام تعليمي وإعلامي وثقافي وديني مخادع يمجد في 30 سونيا، لذا الواجب أن نعلمهم ونثقفهم ونخبرهم بحقيقة ما حدث، فهم يحاولون تغيير التاريخ ونحن على قيد الحياة فما بالك بما سيحدث بعد موتنا.
باختصار فإن ما حدث هو أكبر عملية تزييف للوعي القومي في التاريخ المصري الحديث، فبعد ثورة 25 يناير 2011 المجيدة وتنحي حسني مبارك وما تلاه من أحداث ميدانية وسياسية وشد وجذب، وبدا أن الثورة في طريقها للنجاح، شعرت الدولة العميقة بتهديد وجودي لها، فبدأت المؤامرات بدعم من دول خليجية لضمان إفشال هذه التجربة التي تصدرتها جماعة الإخوان بعد حصولها على الأغلبية في انتخابات مجلس الشعب والرئاسة والشورى.
وكان الوضع وقتها أن الدولة العميقة لا تزال تسيطر على مفاصل البلد من خلال الجيش والشرطة والقضاء والجهاز الحكومي البيروقراطي الضخم ويتحالف معها رجال الأعمال الذين يخافون على مصالحهم، ،و تبدأ سياسة افتعال الأزمات، مثل قطع الكهرباء بشكل مستفز وعدم توصيل البنزين للمحطات واحتجاجات فئوية تسبب فوضى في الشارع، والإعلام يعمل على إشعال كل هذا وشيطنة الإخوان خاصة والتيار الإسلامي عامة، وظهر تكتل سياسي معارض دفع في هذا الاتجاه اسمه جبهة الإنقاذ الوطني قادته نخب معروفة، ثم فجأة تصدرت الساحة حركة أطلق عليها "تمرد" تدعو إلى النزول في مظاهرات كبيرة يوم 30 يونيو 2013 وهدفها النهائي الإطاحة بالدكتور محمد مرسي رحمه الله أول رئيس منتخب في مصر.
وفي 30 يونيو نزل جزء من الشعب ، أغلبهم من المسيحيين ، والعلمانين واليساريين ، الكارهين للإسلاميين ، إلى الشوارع في حماية الشرطة، معظمهم مخدرون إعلاميا أو كانوا لا يدركون حقيقة ما يتم تدبيره، وضخّم أحد المخرجين الأعداد التي خرجت بخدع سينمائية، واتفقت وسائل الإعلام على ترويج أن من خرج في هذا اليوم نحو 30 مليون شخص أي ربع الشعب المصري آنذاك وهو مستحيل بالتأكيد، رغم التحذيرات الكثيرة التي وصلتهم، اعتقد الإخوان أن هذا اليوم قد يمر بسلام، لكن في 3 يوليو، أعلن وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي الذي عينه الإخوان قبل عام، الانقلاب على الرئيس مرسي وأعلن عزل الرئيس المنتخب ، بزعم انه لا يملك ذلك ، لانه ليس له إى صفة ، سوى أنه ورائه تنظيم مسلح هو الجيش الذى تخلى عن شرفه العسكرى ، وصار مجرد ميلشيا ، داعمة للانقلاب الدموى المسلح وفي خلفية المشهد عدد كبير من القيادات الدينية والسياسية غير الوطنية ، والعميلة لجهات إقليمية مثل دول الخليج ، والكيان الصهيونى ،التي استغلها المنقلب السيسى لتصوير تأييد سياسى ، من جهات ليس لها أدنى شعبية ، أو مصداقية، ونزل أنصار التيار الإسلامي للشوارع للاحتجاج والدفاع عن الشرعية، لتبدأ بعدها حملة دموية شديدة قتل خلالها الجيش والشرطة آلاف منهم بدم بارد بدعم جزء معتبر من الشعب بعد أن نجحت حملة شيطنتهم، كما ألقى النظام القبض على عشرات الآلاف المظلومين الأبرياء الذين ما زالوا في السجون حتى الآن، وسط صمت ورضا من المجتمع الدولي، أما ما حدث بعدها حتى الآن فتلك قصة مأساوية أخرى تحتاج لمنشور منفصل.