بقلم: د. فتحي أبو الورد

 

وجد بعض المتغربين ضالتهم فى قول النبى صلى الله عليه وسلم فى واقعة تأبير النخل فى المدينة لصحابته ((أنتم أعلم بشئون دنياكم)) ليتخذوا من ذلك تكأة للتدليل على صحة نظرتهم للدين القاضية بأن يعزل عن مناشط الحياة، وليسيروا بالإسلام سيرة العلمانية الأولى مع النصرانية، فلا علاقة للإسلام بالسياسة ولا الحكم ولا الاقتصاد ولا الحياة، وإنما ذاك موكول للناس يرون ما يصلحهم.

 

والحديث كما ورد فى صحيح مسلم عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال: " لو لم تفعلوا لصلح" قال: فخرج شيصا -أى رديئا-، فمر بهم فقال: "ما لنخلكم؟" قالوا: قلت كذا وكذا، قال: " أنتم أعلم بأمر دنياكم". وفى رواية أخرى: ((إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل)).

 

لقد رام هؤلاء بفهمهم لهذا الحديث أن يهدموا سائر ما ورد فى السنة عن النبى صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير فى المعاملات والعلاقات الاجتماعية والسياسية.

 

والحديث واضح صريح -كما يقول العلامة الشيخ القرضاوى- لا يعارض نصًّا، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسُّنة في كل شأن، وإنما قال النبى صلى الله عليه وسلم لهم: "ما أظن ذلك يغني شيئًا". فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن في ذلك سنة، حتى يتوسع في هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع.

 

ولتوضيح ذلك نقول: حدد الإسلام أهداف الحرب، وحث على القوة، ونبه إلى أخذ الحذر، ولكنه ترك للناس أن يحددوا نوع الأسلحة التي تستعمل في القتال فى كل عصر، وطريقة صنعها، وكيفية التدريب عليها، وهذا متروك لوزارة الدفاع والمتخصصين.

 

والإسلام يحث على الزراعة، ويرغب فى تحصيل المثوبة، ولكنه لا يتدخل ليعلم الناس كيف يزرعون؟ ولا ماذا يزرعون؟ ولا متى يزرعون؟ ولا بأي شيء يزرعون؟ إنما هذا متروك لوزارة الزراعة وللزراعيين.

 

والإسلام يحض على التداوى، وأن الله تعالى ما أنزل من داء إلا جعل له دواء، وينهى عن التداوى بالمحرم، أما الدواء، ما هو؟ وما مقداره؟ وما مادته؟ ومن أين يستخرج؟ وكيف يتناول؟ فهذا كله موكول لوزارة الصحة والمتخصصين؟ هذا ما يفهم من الحديث، وهو ما فهمه الأوائل والأواخر، وليس معناه بحال عزل الدين عن الحياة.

 

ولذلك فرق علماء الأصول بين ما هو تشريع من السنة، وبين ما هو ليس بتشريع، وهو ما عرض له الإمام القرافى المالكى مفرقا بين ما كان من تصرفاته صلى الله عليه وسلم على سبيل التبليع والفتوى وما كان من تصرفاته باعتباره قاضيا أو إماما، أو كما قسمها ولى الله الدهلوى، وفرق بين ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وما ليس من باب تبليغ الرسالة، وهو ما فصل فيه – أيضا – الشيخ محمود شلتوت رحمه الله.
فما صدر عن الرسول على وجه التبليغ بصفته رسولًا، كأن يبين مجملًا في الكتاب، أو يخصص عامًا، أو يقيد مطلقًا، أو يبين شأنًا في العبادات أو الحلال والحرام، أو العقائد والأخلاق أو شأنًا متصلًا بشيء مما ذكر، فهذا النوع تشريع عام إلى يوم القيامة.

 

وما صدر عن الرسول بوصف الإمامة والرياسة العامة لجماعة المسلمين، كبعث الجيوش للقتال، وصرف أموال بيت المال في جهاتها، وجمعها من محالها، وتولية القضاة والولاة، وقسمة الغنائم وعقد المعاهدات، وغير ذلك مما هو شأن الإمامة والتدبير العام لمصلحة الجماعة،فحكم هذا أنه ليس تشريعًا عامًا، فلا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن الإمام، وكذلك حكم ما صدر عنه بوصفه قاضيا يفصل في الدعاوي بالبينات أو الأيمان أو النكول.

 

وقد كان هذا الأمر لدى الصحابة من الوضوح بحيث يراجعون النبى صلى الله عليه وسلم للاستيضاخ إذا التبس عليهم الأمر، بين ما هو فيه مبلغ عن الله فليس لهم إلا التسليم والإذعان، ولا مجال للاجتهاد فيه، وبين ما فيه متسع للاجتهاد والرأى والنظر، ولعل أبرز مثال يظهر فيه ذلك، ماكان من الحباب بن المنذر فى غزوة بدر حين نزل النبى صلى الله عليه وسلم بالجيش منزلا يراه أهل الخبرة من أمثال الحباب ليس مناسبا فقال: يا رسول الله، منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه؟، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((بل هو الرأي والحرب والمكيدة)).

 

ومن ثم كان من المهم جدا أن يفهم الوجه الذى صدر عنه قوله صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره، وهذا شأن أهل الاختصاص، فكثيرا ما نسب إليه صلى الله عليه وسلم أشياء على أنها دين وشرع، وهى ليست كذلك فى الحقيقة، وليست من التشريع فى شىء، وهذا كثير فى أفعاله الصادرة عنه بصفة البشرية، أو بصفة العادة والتجارب.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments