تمارس قيادة السلطة الفلسطينية حاليًا نوعًا من الابتزاز للفصائل الأخرى، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس، على خلفية تظاهر السلطة ورئيسها محمود عباس أبو مازن بالتصدي لمؤامرة صفقة القرن الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية.

كان آخر هذه المواقف لأحد الناطقين باسم حركة فتح، حيث صرح بأن “كل فلسطيني ينفضُّ من حول أبو مازن في هذه اللحظة هو فلسطيني منقوص الشرف”. وهو تصريح استعلائي شديد الابتزاز، ويعكس حالة من “التكفير الوطني” تمارسها فتح وناطقوها الإعلاميون حصريا، وكأنهم من يحتكرون الوطنية دون غيرهم، بخلاف أن التصريح يجعل أبو مازن هو الوطن ذاته، والخلاف معه هو خلاف مع الوطن وليس مع سلطة أو نظام يمضي ويبقى الوطن يضم جميع الفصائل والتيارات، وهو خطاب إعلامي يعكس أيضا نزعة الاستبداد والسلطوية لدى سلطة رام الله وحركة فتح.

وتأتي هذه اللهجة الحادة من حركة فتح في ظل إجراءات عقابية من الإدارة الأمريكية ضد الفلسطينيين، بما فى ذلك إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وتخفيض المساعدات للضفة الغربية وغزة، وقطع المساعدات لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا».

ورغم إدراك السلطة لانحياز واشنطن للصهاينة في القضايا الخلافية الكبرى، وأن الإدارة الأمريكية ماضية بالفعل في صفقة القرن، حيث تم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بدلا من تل أبيب، كما تتجه إدارة ترامب نحو تصفية قضية اللاجئين وتجميد مساعداتها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، ولا ترى إدارة ترامب بأسا من أزمة المستوطنات وترى أن من حق “إسرائيل” ذلك، فإن السلطة الفلسطينية تمارس خداعا وتضليلا بالتظاهر أنها تقف في طريق الصفقة التي بدأت بالفعل من اتفاقية أوسلو وليس مع إدارة ترامب.

«5» مشاهد ودلالات

عندما نرصد مواقف السلطة ورئيسها أبو مازن، فإنه تاريخ لا يشرف صاحبه ولا يجعل منه موضعا لتصدير خطاب استعلائي يحتكر الوطنية، وقد كان هو ذاته عقبة في طريق الوطن “فلسطين”، وجسرا للصهاينة لتحقيق أطماعهم، بل مارس أعلى درجات العمالة للأعداء ولا يزال حتى اليوم، وهذه ليست اتهامات جزافية، لكنها مبنية على حقائق لا أهواء وترتب على هذه الحقائق نتائج ملموسة على الأرض أفضت إلى تراجع القضية الفلسطينية وتكريس الاحتلال وإضعاف الشعب الفلسطيني، وربط مصيره الاقتصادي والأمني بالاحتلال الصهيوني.

المشهد الأول، باتفاق أوسلو سنة 1993، الذي وقع عليه أبو مازن بعيدا عن الشعب الفلسطيني، بمقتضاه اعترف بما يسمى بدولة “إسرائيل”، وبمقتضاه أيضا تنازل عن 78% من أراضي فلسطين في مقابل حكم ذاتي وسلطة منزوعة الصلاحيات إلا قمع الفلسطينيين، واعتبار السلطة ممثلا عن الفلسطينيين وليس مقابل استعادة حقوق الفلسطينيين. الغريب أن أبو مازن وسلطة رام الله وحركة فتح لا يزالون حتى اليوم يعترفون بهذه الاتفاقية باعتبارها شرعية وجود السلطة، رغم أن إسرائيل نفسها أعلنت وفاتها، لكن تضمن وصول ملايين الدولارات لجيوب كبار السلطة وعناصرها، ما جعل هؤلاء أسرى للاتفاقية رغم إدراكهم أنها ضد مصلحة الشعب الفلسطيني.

المشهد الثاني، أكثر من ذلك، يتفاخر الرئيس الفلسطيني، وقائد حركة التحرير الوطني كما يفترض، بأنه لم يحمل يوما مسدسا وأنه ضد “العسكرة”، بل ضد كل أشكال المقاومة المسلحة بغض النظر عن مكانها وسياقها، ويؤمن أنه لا بديل عن التفاوض إلا التفاوض، رغم أن المقاومة ضد الاحتلال مشروعة في كل القوانين والأديان وحتى القانون الدولي، ويرى أبو مازن أن ما يعرف بـ”التنسيق الأمني” مع الاحتلال أمر مقدس، وصولاً للإعلان عن اتفاقه بنسبة 99 في المئة مع الأجهزة الأمنية “الإسرائيلية”، التصريح الذي لم يصدر أي نفي أو تعقيب عليه من الرئاسة الفلسطينية حتى اليوم.

المشهد الثالث، وقع أبو مازن على اتفاقية باريس التي دمرت الاقتصاد الفلسطيني  التي ربطت اقتصاد فلسطين بسلطة الاحتلال، ما جعل الصهاينة يتحكمون في مفاصل معيشة الفلسطينيين، وجعلتهم تحت رحمة الاحتلال، وتعريضهم للتنكيل والعقاب إذا فكروا أو مارسوا حقهم في مقاومة العدو الذي احتل بلادهم وطردهم من بيوتهم. فضلا عن تأجيل قضايا بالغة الحساسية والأهمية، مثل القدس واللاجئين، وتركها لنتائج التفاوض وفق موازين قوى معروفة سلفاً.. إلى آخر ذلك من سلبيات الاتفاق الكارثي.

المشهد الرابع ، يعلن أبو مازن أنه ضد صفقة القرن، كما سميت، رافضا الضغوط الأمريكية المباشرة في هذا الاتجاه، ورافضا التواصل مع الإدارة الأمريكية، ولكن واقع الفعل لا يتطابق مع المعلن من خطاب، ذلك أن السلطة في تواصل مستمر مع الإدارة الأمريكية وحتى مع الاحتلال، من خلال اللواء ماجد فرج، فضلاً عن أن التعاون الأمني مع الاحتلال يسير على قدم وساق دون أدنى تغيير.

المشهد الخامس، موقف السلطة من المصالحة الفلسطينية وتوحيد الجبهة الداخلية الفلسطينية، وإطلاق مشروع جامع للكل الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، والتخلص من التزامات أوسلو المكبلة للشعب الفلسطيني وقواه، وإطلاق المقاومة الشعبية في مواجهة الاحتلال، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وإعادة إشراك فلسطينيي الشتات في الصراع.. هو المطلوب اليوم. هو موقف لا يرتقي مطلقا إلى مستوى التطلعات الوطنية الفلسطينية ويمثل امتدادا لمواقف السلطة المشينة، فما الذي ينادي به السيد عباس ويعمل عليه؟ الإصرار على حصار قطاع غزة و”العقوبات” على ساكنيه، والتصلب في وجه المصالحة الفلسطينية الداخلية، ومنع أي حراك شعبي وسلمي في الضفة الغربية… إلخ. فهل هذه سياسات تواجه صفقة القرن؟ أم من يسهم فيها؟!

Facebook Comments