“حاجات المساجين اﻷساسية التي يشترط القانون على سلطات السجون توفيرها، تُباع لهم بأسعار باهظة لصالح أرباح الكانتين”، “سلطة الانقلاب حولت السجون الي مراكز لجني الارباح من المعتقلين واسرهم وتحولت إلى نمط سجن يحقق أرباحًا”.

“ما يتم منعه في الزيارات يوفره الكانتين بأسعار خرافية تزيد 300% عن الخارج، فالبرتقالة بـ 3 جنيهات والتفاحة بـ 5 والبلحة بـ 2 جنيه، والسكر يباع بزيادة 281%، والدجاج 248%، والحبوب 244%”.

هذه باختصار بعض عناوين “نهيبه” شرطة الانقلاب من المعتقلين وأسرهم، وسعي جنرالات الداخلية لنهب السجناء وأسرهم، ضمن “بيزنس الشرطة”، على غرار نهب جنرالات الجيش أغلب مشروعات البلاد واحتكارها ضمن “بيزنس الجيش”، بخلاف بيع الشرطة اللحوم والسلع الغذائية وحتى اقلام وكراسات الطلبة للشعب، في فوضي لم تشهد لها مصر مثيلا في النهب المباشر وغير المباشر من الشعب.

“المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، أصدرت تقريرًا بعنوان” البيع في الكانتين: الإفقار العمدي في السجون المصرية -سجن العقرب نموذجًا”، يلقي التقرير الضوء على أحد الانتهاكات التي تمارسها سلطات سجون الانقلاب ضد المساجين بشكل منهجي، والاستغلال الاقتصادي للمساجين من قبل سلطات السجون، فضح الكثير مما يجري من “نهب” لأموال المعتقلين واسرهم، كأنهم لم يكتفوا بسجن عائل الاسرة فيلجئون لنهب وافقار والتعسف معه ومع اسرته فيرفضون الاكل الذي تحضره الاسر ويجبرونهم علي الشراء من “الكانتين” الذي يعتبر احد وسائل “بيزنس جنرالات الشرطة”.

التقرير يكشف عن الطريقة التي أصبحت بها حاجات المساجين اﻷساسية -التي يشترط القانون على سلطات السجون توفيرها-تُباع بأسعار باهظة لصالح أرباح الكانتين، وكيف تضاعف هذا العبء الاقتصادي على أسر المساجين على أثر الموجات التضخمية الي تبعت قرار تعويم الجنيه في نهاية العام 2016 وما تلاه من قرارات التقشف الاقتصادي والتي ظهر أثرها بشكل غير متناسب على المساجين وأسرهم.

بل ويفضح كيف ينهب جنرالات السجون أكل المساجين الذي تحضره اسرهم لهم ويأخذونه ويتم بيعه داخل الكانتين وفقا لطبيعة ربحية خاصة بسجن الكانتين!!.

واعتمد التقرير على البحث الميداني والنظري، وعلى مراجعة قانونية وتحليل التشريعات المرتبطة باﻷمر محليًّا ودوليًّا، ولقاء 15 من أهالي ومحاميي المساجين ما بين مايو وأكتوبر 2017، ليشرحوا كيف يتم نهب المساجين من قبل شرطة السجون وانتشار وتوغل دور الكانتين في حياة السجناء وما يترتب على ذلك من عبء اقتصادي عبر السجون المختلفة في مصر ومن ضمنهم مزرعة طرة والمنيا وسجن القناطر.

حيث التقي معدو التقرير مع ثلاثة من أقارب محبوسين في “العقرب”، وثلاثة محامين زاروا أو مثلوا مساجين محبوسين في “العقرب”، وأربعة أشخاص ساعدوا في تنظيم اﻹعاشة في عدد من سجون القاهرة، وخمسة من أقارب مساجين حاليين في سجن المنيا شديد الحراسة وسجن دمنهور العام، واثنين من المساجين السابقين حُبسوا في سجن القناطر للنساء ومزرعة طرة في الفترة بين يونيو 2015 إلى سبتمبر 2016، وبين فبراير إلى ديسمبر 2016 بالترتيب.

تعذيب ونهب وأرباح!!

تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يروي “حكايات الظلم الذي يتعرض له السجناء وأهاليهم أيضا”، ومعاناة الاسر خلال زيارات السجون وأثناء محاولتهم إدخال إعاشات لذويهم، الأمر الذي يصل في بعض الأحيان إلى منع الزيارات وإجبار الأسر على العودة بها فاسدة، وأيضا لإجبار المساجين على الشراء من الكانتين الذي شهدت أسعاره ارتفاعا مبالغا فيه، لتصبح رحلة السجون “تعذيب ونهب وأرباح” لجنرالات الداخلية.

يرصد التقرير بوضوح تام الاستغلال الاقتصادي للمساجين من قبل شرطة الانقلاب، وكيف تبيع السجون نفس السلع التي يرفضون ادخالها للمعتقلين بأسعار خرافية تزيد 300% عن الخارج، ثم تروج الداخلية لطعام الكانتين عبر زيارات وهمية لنواب الانقلاب وتعرض وجبات جاهزة فاخرة وتبيع أسوأ منها للمعتقلين بأسعار باهظة لا تتحملها اسرهم.

ويشير إلى أن الكانتين هنا هو دلالة مختصرة لأي معاملات مالية بخصوص الطعام أو أي موارد أخرى للاحتياجات المعيشية بين المساجين ومؤسسة السجن الرسمية سواء كانت الكانتين أو الكافيتريا وعبر شهادات من سجن العقرب تعكس الدراسة الحالة الاستثنائية سيئة السمعة التي تتبع السجن شديد الحراسة.

التفاحة بـ5 جنيهات

“سارة الألفي”، من عائلة أحد المحتجزين في سجن طرة شديد الحراسة (العقرب) روت كيف يتم استغلالهم وابتزازهم بقولها: “فاتحينه (الكانيتن) سوق وبيستفيدوا منه، عاملينها عملية تجارة، أنا مثلا ممكن أروح أجيبله ثلاثة وأربعة كيلو تفاح، بس لأ مفيش الكلام ده، هما يمنعوك إنك تدخل الحاجة في الزيارة ويقولوا عشان بتتباع في الكانتين”.

وتضيف سارة: “هما في الكانتين يبيعوا التفاحة الوحدة بـ 5 جنيه، والبرتقالة الواحدة بـ 3 جنيه، رغم أن سعر الكيلو وقتها 5 جنيه، وكانوا يبيعون للمعتقلين البلحة الواحدة (تمر رمضان) بـ 2 جنيه، ويمنعون ما نحضره لهم والأهالي تتحمل العبء”.

وتكمل: “أصبح عندنا بيتين بنصرف عليهم، البيت الشخصي والسجن، أو المكان المعتقل فيه زوجي جوزك، فده أصبح بيت تاني خالص، ومصاريف تانية بقي ما لهاش حل يعني، تطلع لك من تحت الأرض، وهوه في الآخر مسجون فانتي لازم توفريها له”.

ويروي أقارب المساجين حكايات كثيرة عن المعاناة التي يعيشونها، خصوصا السيدات، أثناء الزيارات وكيف أن وجود سجين يشكل تكلفة كبيرة للأسرة البسيطة كما تقول “آية حسني” أحد أفراد عائلة مسجون في العقرب.

وتقول آية حسني”: أحد أفراد عائلة مسجون في العقرب، في شهادتها: “كانوا يمنعون ما نحضره معنا للمعتقل، ويقولوا لنا إنها موجودة في الكانتين، بس همه كانوا بيغلوا في الأسعار جدا، مثلا يمنعك من ادخال المشروبات أو العصائر أو كده ويوفرها في الكانتين بفلوس مضاعفة، والفترة التي تنقطع فيها الزيارة خالص، كان المعتقلون يعتمدوا على العسل والتمر الذي نكون ادخلناه لهم سابقا فيتناولوا كل يوم معلقة عسل، وتمرتين”.

وتعرب “ايه” عن غضبها لأنه “الناس مفروض تجيب الفلوس دي كلها منين؟”

وتشكو “آية علاء حسني” في حديثها عن زوجها المسجون السابق حسن القباني من قيام ادارة السجون بما يسمي “تجريده” يقومون بموجبها بالاستيلاء على ما لدي السجناء من بطاطين وأكل وخلافه.

وتقول: “قالولي جيبوا أي بطانية من وكالة البلح، أي حاجة ده سجن، قلت لا لا، رحت جبت بطانية بـ 600 جنيه الواحدة عشان حتى هو يحس إن فيه اهتمام، ومالحقتش، أنا دخلتله البطانية في أول زيارة، وتاني زيارة كانت اتاخذت منه، وكانوا ينامون من غير بطاطين على الأرض في الشتاء، بخلاف اخذ ملابسهم ايضا في التجريدة، ومنعهم دخول الملابس الداخلية للمساجين كنوع من التكدير والغلاسة”.

وجبات الكانتين “بايظة”

وتتذكر إحدى أفراد عائلة مسجون في سجن المنيا شديد الحراسة كيف أودعت أموال لأخيها لشراء حاجات معينة من الكانتين بعدما منعتها سلطات السجن من إحضارها إليه أثناء الزيارات ومن بينها الزيت والسكر، وأكدت شهادات أخرى من مسؤولي الإعاشة في السجون العامة وشديدة الحراسة في القاهرة أن منع إدخال أشياء معينة تباع في الكانتين في الزيارة تعد “ممارسة منهجية”.

وتقول منار طنطاوي، زوجة هشام جعفر، أنها بدأت الاعتماد على الكانتين كبديل، ولكن بسبب سوء طعام الكانتين، اضطرت للعودة مرة أخرى إلى إحضار الطعام قائله: “أنا كنت بحط فلوس في الأمانات بسبب ما سمعته عن نظام منعهم دخول اكل او سلع معينة وبدلا من رمي الاكل حين يرفضون دخوله.

ولكنها تضيف: وجبات الكانتين، اشتكي منها زوجي هشام في زيارتين، وقال انها غير جيدة و”بايظة”، وأكل التعيين سيئ وقليل جدا، لهذا اضطرت تحضر اكل معها.

وتقول سارة الألفي، زوجة أحمد سليمان: “أيوه إني مش ضامنة أكل الكانتين، مش ضامنة المطبخ، حتى الحاجات إللي أحمد بيبقى دافع فيها فلوس وشاري وجبة من المطبخ، مش مضمونة، ساعات الأكل برضو بيبقى سيئ.

وتؤكد المقابلات مع عائلات مساجين حاليين أن الطريق الوحيد للمساجين كي يحصلوا على طعام لائق وملابس هو تمويل المدة التي يقضونها داخل السجن بأنفسهم.
وأحد الطرق الشائعة التي يتم بها هذا هي عبر الأقارب الذين يحضرون وجبات ساخنة، وملابس، ومستلزمات صحية لذويهم أثناء الزيارة مرة كل أسبوع للمحبوسين احتياطيّا، ومرة كل 15 يومًا للمحكوم عليهم.

وبحسب المادتين 60 من لائحة تنظيم السجون و38 من قانون تنظيم السجون بالترتيب، تسمح بعض إدارات السجون لعائلات المساجين بزيارة “طبلية” مرة كل أسبوع، حيث يسمح لهم بترك طعام وملابس وأدوية مع حراس السجن لتوصيلها إلى ذويهم.

ومع هذا، يستحيل على فرد واحد من العائلة حمل كل شيء قد يحتاجه المسجون لمدة أسبوع أو أسبوعين في زيارة واحدة، لهذا السبب، وعبر عقود، تطوّرت الشبكات من أقارب المحبوسين السياسيين والنشطاء المهتمين لخلق نظام زيارات “إعاشة” دوّارة للتأكد من أن العدد الأكبر من الأقارب يزور المساجين في زنزانة معينة أو عنبر معين كل أسبوع لتوفير وجبات مطبوخة للجميع.

بينما أشار التقرير، إلى أنه حتى داخل هذا النظام، يعتمد المساجين على الكانتين لعدد من الأسباب، أولها حين ينفد الطعام الذي يحضره الأقارب، أو بسبب ممارسات التغريب، أو للسبب الأهم وهو أن بعض العائلات لا تستطيع تحمل زيارة ذويهم المحبوسين بدنيّا أو اقتصاديّا، وبعض المساجين ليس لديه أقارب على الإطلاق.

ويُجبر هؤلاء على تناول أي طعام يمنح لهم من زيارات الآخرين وطعام الكانتين حين يقدرون على دفع ثمنه، وكلاهما بديل عن الطعام غير الكافي والفاسد والمثير للمرض في بعض الأحيان طبقًا لشهادات عدد من أقارب المساجين في “العقرب” وسجن المنيا شديد الحراسة والأبعدية والذي توفره إدارة السجن مجانًا، أو حين تمنع إدارة السجن أفراد العائلات من إحضار طعام أثناء الزيارات وهو ما يجبر المساجين على الشراء من الكانتين.

الزيارة بـ2000 جنيه

وتقول شهادة أخرى، أن الزيارة الواحدة تكلف حوالي 2000 جنيه، وأحيانا يتم رمي ذلك كله عندما يتم رفض دخوله إلى المساجين، أي أن التكلفة تصل شهريا إلى 4 آلاف جنيه إذا أن الزيارة مرتين شهريا، خاصة وأن الزيارة تكون موجهة لتكفي عدد كبير من المساجين.

وترصد الدراسة نسبة الزيادة في الأسعار داخل الكانتين، خلال الفترة من يوليو 2016 إلى يوليو 2017، وهي الفترة التي شهدت الارتفاعات الكبيرة في أسعار كل شيء، سواء قبل شهر نوفمبر مع اختفاء الدولار من الأسواق، أو بعد نوفمبر الذي شهد قرار تحرير سعر صرف الجنيه وارتفاع أسعار العملات الأجنبية، ولكنها توضح أن اسعار الكانتين خرافية لا تناسب الزيادات خارج السجون.

ففي الأسواق وخارج السجن، ارتفع سعر السكر والحلويات بنسبة 56%، بينما زاد السعر في السجن بنسبة 281%، وزادت أسعار الدجاج خارج السجن بنسبة 23%، بينما سجلت الزيادة بالسجن 248%، كما زادت أسعار الحبوب (الأرز وخلافه) خارج السجن بنسبة 19%، أما بالداخل سجلت الزيادة 244%، والبرتقال مثلا، زاد سعره بالخارج 89%، بينما في السجن جاءت الزيادة حوالي 314%.

وأشارت الدراسة، إلى أن هذه النسب، تقديرية في ظل غياب أسعار رسمية للكانتين، والتي لا تتوفر علنا، اعتمادًا على شهادات المساجين بأن الأسعار العامة كانت على الأقل ضعف أو في بعض الأحيان ثلاثة أضعاف الأسعار في السوق قبل تعويم الجنيه.

وعلى سبيل المثال، قال شهود عيان أن سعر ثمرة واحدة من البرتقال، تباع بسعر كيلو جرام كامل (ثلاثة جنيهات قبل التعويم)، إذا كان كيلو جرام البرتقال يحتوي على ثلاث أو أربع ثمرات متوسطة الحجم، يعني هذا أن نسبة التضخم الموجود في الكانتين داخل السجن قبل التعويم تبلغ 350%.

ايضا وجبة غداء تحتوي على ربع دجاجة مع بعض الأرز والخضار يبلغ سعرها داخل الكانتين 60 جنيها بينما يمكنك شراء وجبة مماثلة في مطعم معقول بسعر 30 جنيها أو أقل من نصف السعر.

أكل السجن سيئ

ورغم أن قرار وزير الداخلية بحكومة الانقلاب رقم 468 لسنة 2017 يحدد معايير الحد الأدنى لما توفره إدارة السجن: ثلاث وجبات يومية “إفطار وغداء وعشاء” لكل مسجون مع مراعاة المتطلبات الغذائية الخاصة لمن يعاني من أمراض مزمنة ومن بينها أمراض القلب وتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم، إلا أن الواقع يختلف تماما عن كلام الورق.

حيث تؤكد شهادات أهالي معتقلي العقرب التي جمعتها المبادرة أن الطعام المقدم في السجن بائس الي حد كبير وكثيرا ما يكون فاسدا وملئ بالشوائب والسوس وبسبب منع الزيارات غير المحدد والمفاجئ كثيرا والفشل في الالتزام بمعايير الحد الأدنى لطعام المساجين الذي قرره القانون المصري يجبر السجين على الاعتماد على الكانتين ومنتجاته لتغطية حاجاته الأساسية.

وكل ذلك يجعل تعامل الأسر مع عبء الأموال المطلوبة من أجل الكانتين – بطل حياتهم الجديدة البائسة -وتوفير احتياجات ذويها وراء المأساة وتزيد من أعباء عائلات المساجين الاقتصادية وهو عبء مختلف كما وكيفا، ووصل الأمر بهم الي تبادل بعض عائلات المساجين السياسيين واجبات الطبخ للزيارات الي تقسيم أدوار لإطعام قطاع معين في السجن.

القتل في العقرب

ولا يتوقف مشهد العقاب للسجين السياسي عند حد الحكم أو التجديد للحبس الاحتياطي، فهناك مشاهد لا يعلمها الكثيرون، بحسب تقرير المبادرة الشخصية وتفاصيل إنسانية عن طبيعة الحياة داخل السجن من منطلق “أساسيات الحياة” من طعام وشراب ليس الا، ورصد كيفية التحول إلى نمط سجن يحقق أرباحا؟ واستغلال حاجة المساجين وسوء حالة الظروف داخل السجن، عبر بيع الحاجات الأساسية.

وفي لقاء تليفزيوني سابق، قال اللواء إبراهيم عبد الغفار مأمور السجن سابقا عام 2012 أن سجن العقرب متصمم على إن اللي يخشه مايرجعش منه إلا ميت، إتصمم للسياسيين”، وهو الذي أنشأ بموجب قرار وزير الداخلية رقم 4291 عام 1993 كسجن شديد الحراسة ويحدد القرار أن يودع به “المسجونين الخطرين”.

ويوضح التقرير أن وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب وسلطات السجن لا تكشف عن أي معلومات حول ميزانية تشغيل الكانتين داخل السجون وعائداته وهي كانت من الصعوبات التي وقفت أمام الدراسة، ولكن الشهادات حول ما يجري من ممارسات داخل الكانتين، تبين أن ما يجري به يدخل ضمن الانتهاكات الطبية والتعذيب في العقرب فهو استغلال اقتصادي للمساجين كأحد هذه الانتهاكات.

Facebook Comments