من خلال “3” إجراءات انتقامية حادة، يسعى نظام العسكر في مصر للتنكيل بجماعة الإخوان المسلمين، في أعقاب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في مقر قنصلية بلاده بإسطنبول التركية، يوم الثلاثاء 02 أكتوبر 2018م، وهي الإجراءات التي لا تأتي في سياق اشتعال الصراع الإقليمي في ظل حصار الاتهامات التي تلاحق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالتورط في الجريمة الوحشية.

التهديد بفصل الموظفين الرافضين للانقلاب

هذه الإجراءات تمثلت أولا، في التهديد بفصل الموظفين المتعاطفين مع الجماعة والرافضين لحكم العسكر؛ حيث شهدت الأيام الماضية حكما قضائيا هو الأول من نوعه لمحكمة القضاء الإداري، يُجيز فصل الموظف الذي يثبت انتماؤه لجماعة الإخوان؛ تنفيذا لقانون الخدمة المدنية، الذي نص على جواز فصل كل من يدان في جريمة مخلة بالشرف والأمانة.

ومنحت المحكمة للحكومة تفسيرا لنص الفقرة 9 من المادة 69 من قانون الخدمة المدنية، يجيز لها فصل الموظفين الذين أدينوا قضائيا لانضمامهم للإخوان.

ويؤكد الخبير الدستوري، المستشار حسن أنور، أن تكييف المحكمة لمواد قانون الخدمة المدنية تكييف سياسي وليس قانونيا، لأن الدستور الذي يمثل سلطة أعلى من القانون جرم التفرقة بين المواطنين بسبب الدين أو اللون أو الانتماء أو الجنس، وأكد على المساواة بين المصريين في الحقوق والواجبات، وبالتالي فإن ما صدر عن المحكمة يمكن أن يكون محل نزاع أمام المحكمة الدستورية العليا.

ويؤكد الخبير الدستوري، تسييس هذا الحكم مستدلا بالشق الثاني فيه، والخاص بتأييد إحالة ضابط شرطة للمعاش لشبهة تعاطفه مع الإخوان بمحيط سكنه، وهو ما أثار ريبة وشك جيرانه، وبهذا الحكم أقرت المحكمة سابقة قانونية لم تحدث من قبل، وهي أن الشبهة كافية لإدانة الموظف العام، حسبما جاء في حيثيات الحكم. ويؤكد الخبير الدستوري أن كل هذه الإجراءات سياسية وليس لها ضابط قانوني، وبالتالي فإن تطبيقها على أي موظف سوف يؤدي لفصله استنادا للحكم السابق، بما يساعد الحكومة في التخلص من أكبر قدر من الموظفين، بحجة أنهم من الإخوان. وهو ما يتسق مع توجهات النظام الرامية لتقليص موظفي الجهاز الإداري تلبية لشروط صندوق النقد الدولي.

البدء في بيع أملاك المصادرة أموالهم

الإجراء الثاني، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، هو البدء في بيع المنقولات في شركات الأموال المصادرة وحتى قبل الفصل القضائي في الطعون في تأكيد على نزعة الانتقام، حيث بدأت جهات بحكومة الانقلاب تتولّى إدارة ممتلكات تابعة للمتهمين بتمويل جماعة الإخوان المسلمين التصرف في بعض تلك الممتلكات، وتحديدًا المنقولات، تنفيذًا لقرار لجنة التحفظ على أموال الجماعات “الإرهابية” بمصادرة جميع الأموال والأملاك التابعة لهؤلاء المتهمين، وصدور قرار قاضي الأمور الوقتية في محكمة الأمور المستعجلة بتأييد هذه المصادرة في سبتمبر الماضي.

وقالت مصادر حكومية مطلعة إن وزارتي الصحة والتعليم أصدرتا تعليمات بالتصرف بالبيع في كمية كبيرة من المنقولات والأدوات والآلات والأجهزة الموجودة بمستشفيات ومدارس متحفظ عليها منذ عام 2013، وبعض الكيانات التي تم التحفظ عليها ضمن الموجة الأخيرة من التحفظات والمصادرة في الشهر الماضي، وأضافت المصادر أن التصرف في تلك المنقولات تم بالأمر المباشر، من دون اتباع المزايدات المطلوبة، وكذلك من دون انتظار ما ستؤول إليه تظلمات المتهمين بالتمويل من مصادرة أموالهم أمام محكمة الأمور المستعجلة. علماً بأنه لم يصدر حتى الآن أي أحكام نهائية بتأييد المصادرة. وبحسب أوراق من محكمة القاهرة للأمور المستعجلة تشير إلى أنها عقدت 4 جلسات خلال أكتوبر الحالي للنظر في تظلمات الأشخاص المقررة مصادرة أموالهم، وتم تأجيلها جميعا إلى نوفمبر المقبل.

وأوضحت المصادر أن الشهر العقاري بمختلف المحافظات أنهى، خلال الأسبوع الماضي، حصرًا بجميع الأملاك والعقارات، التي كانت مملوكة للمعتقلين المصادرة أموالهم، وتم إرساله إلى مكتب وزير العدل، حسام عبد الرحيم، استعداداً لنقلها إلى ملكية الخزانة العامة للدولة رسميًا بعد صدور حكم مستأنف الأمور المستعجلة بتأييد المصادرة والمنتظر صدوره قبل نهاية العام إذا أتيح للمتهمين الطعن في المواعيد المقررة.

وقال عبدالمنعم عبدالمقصود، عضو هيئة الدفاع عن قيادات جماعة الإخوان، إن المحكمة لم تبت حتى الآن في التظلمات على أمر التحفظ على الرئيس محمد مرسي وأبنائه، والمرشد العام الدكتور محمد بديع، ونائب المرشد خيرت الشاطر وأبنائه، والقيادات الإخوانية محمد البلتاجي، وعصام العريان وغيرهم الذي شملهم التحفظ. وأضاف عبدالمقصود، أن المحكمة حددت الأسبوع الأول من شهر نوفمبر المقبل للبت في طلبات الرئيس مرسي وقيادات الإخوان.

التنكيل بالمعقتلين واغتيال النشطاء

وشهد شهر أكتوبر2018 تصعيدا من جانب سلطات العسكر بحق المعتقلين وعلى رأسهم فضيلة المرشد العام الدكتور محمد بديع، واحتجاز عبدالله نجل الرئيس مرسي ثم إطلاق سراحه في رسالة تهديد غير خافية على أحد، إضافة إلى تزايد معدلات الحملات الأمنية واغتيال النشطاء “بلغ 20 شهيدا خلال 3 أسابيع والاختفاء القسري الذي رصدته المؤسسات الحقوقية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية بخلاف استشهاد ثلاثة آخرين بالأهمال الطبي والأحكام الانتقامية في محاكمات غير عادلة تفتقد إلى أدنى معايير العدالة.

 

دلالات التصعيد ورسائل الانتقام

بالطبع تصعيد النظام ضد الجماعة والانتقام منها لم يتوقف يوما منذ انقلاب 30 يونيو المشئوم الذي أفرز نظاما عسكريا سلطويا يمثل أحد أبشع صور الاستبداد والطغيان في تاريخ مصر كله، لكن معدلات هذا التصعيد تزايدت خلال شهر أكتوبر الذي شهد أزمة خاشجقي في الثاني منه؛ وهو عامل لا يمكن استبعاده في قراءة أسباب هذا التصعيد من جانب نظام العسكر خلال أكتوبر.

كما أن هذه الإجراءات الانتقامية لا يمكن أن نستبعدها من سياق الصراع الإقليمي باعتبار الإخوان هم الحلقة الأضعف في تحالف ثورات الربيع العربي والذي تمثله تركيا وقطر والحركات الإسلامية والثورية عموما مقابل تحالف الثورات المضادة الذي تمثله السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل برعاية من اليمين المتطرف الحاكم في أمريكا حاليا.

ويسعى نظام العسكر من وراء هذه الإجراءات لإرسال عدة رسائل أهمها أنه يملك ورقة الضغط على المعتقلين من قيادات الجماعة وعناصرها لتخفيف الحصار المفروض على ولي العهد السعودي من جانب النظام التركي الذي تعامل ببراعة مدهشة مع تورط النظام السعودي في الجريمة الوحشية وجعلها محل تركيز لجميع العالم خلال الأسابيع الماضية ثم حصاره بالأدلة التي تؤكد تورط بين سلمان في الجريمة ورفض عمليات التلكؤ والتستر عليه من جانب النظام السعودية وفق نظرية “القتلة المارقين” التي اخترعها ترامب لحماية عميله بن سلمان.

ويعتقد النظام أنه بهذه الإجراءات الانتقامية ربما يخفف من التناول الإعلامي لقناة الجزيرة القطرية والتي تفرد مساحات كبيرة للغاية لتناول أزمة خاشقجي من جميع الأبعاد والزوايا وتناول ردود الفعل التي تدين النظام السعودي وترفض استمرار بن سلمان وليا للعهد. وهو التناول الذي يسبب صداعا وإزعاجا كبيرا للنظام السعودي الذي حاول التزلف للنظام القطري بتصريحات ودودة على هامش مؤتمر ديفوس الصحراء الذي عقد بالرياض مؤخرا.

Facebook Comments