كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية فى تقرير  نشرته يوم 24 أكتوبر الماضي عن رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تسوية سرية لأزمة مقتل الصحفي جمال خاشقجى، عرضها الأمير خالد الفيصل، مستشار الملك سلمان،خلال زيارته إلى تركيا- على رأس وفد سعودي في 12 أكتوبر- تتضمن صفقة مالية من أجل طيّ القضية.

تمثلت صفقة التسوية في إغراءات مالية واستثمارات داخل تركيا، ومساعدات لتحسين وضع الاقتصاد التركي ومواجهة تراجع العملة، وإنهاء حصار قطر الحليف الوثيق للنظام التركي، لكن الرئيس التركي رفض العرض من حيث المبدأ ووصفه بالرشوة السياسية.

ملامح الصفقة التركية

المحلل السياسي التركي “حمزة تكين” تناول في مقاله المنشور بعنوان “الصفقة التركية في قضية خاشقجي” على نافذة “الجزيرة مباشر” ملامح هذه الصفقة؛ لكنه في البداية يستبعد التخلي عن العدالة في القضية بما توحي به كلمة “صفقة” من معاني المساومة  والابتزاز.

يقول تكين: « نعم “صفقة” ولكن ليس بالمعنى الذي يقصده المتسرعون بالحكم من جهة، والمصطادون بالماء العكر من جهة أخرى، أي أن “تقوم تركيا ببيع دماء خاشقجي ووضع القضية في أدراج القضاء وإسكات الإعلام عنها، مقابل مصالح ضيقة تستفيد منها أنقرة هنا أو هناك”. هذه الصفقة بهذا المعنى لم ولن تفكر بها تركيا ـ وهذا واضح لمن يفقه معاني التصريحات التركية الرسمية ـ وأي تفكير بهذه الصفقة سيخسرنا هنا في تركيا قيمنا الإنسانية وأخلاقنا الإسلامية ومصداقيتنا في العالم العربي والعالم أجمع».

ويضيف: «”الصفقة” التي تسعى تركيا لعقدها قبل أن تقوم هي بفضح كل الأمور والحقائق ـ في الوقت الذي تحدده هي، وليس أحدا آخر في هذا العالم ـ تتمثل بنقاط واضحة:

النقطة الأولى: أن يقوم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ دون غيره في السعودية ـ بقيادة التحقيق الجدي الذي يفضي في نهاية الطريق لكشف كل من أمر وساهم وسهل وارتكب هذه الجريمة، وبهذا تعود لمقام خادم الحرمين الشريفين سلطته الحقيقية أمام الداخل والخارج.

النقطة الثانية: لا تريد تركيا أن تعطي بعض الساعين للاصطياد بالماء العكر وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرصة لابتزاز كيان الدولة السعودية، واستنزاف الشعب السعودي، والإضرار بهيبة السعودية المرتبطة بهيبة المسلمين في العالم، وهذه النقطة في غاية الإيجابية التركية تجاه السعودية، فهل يتلقاها خادم الحرمين الشريفين والشعب السعودي بإيجابية؟

كان باستطاعة تركيا أن تستغل قضية خاشقجي لابتزاز السعودية ككيان وكشعب كما يفعل ترمب، ولكنها لم تفعل ولا أظن أنها ستفعل في المستقبل، فتركيا لا تتعامل بهذه العقلية المريضة مع الدول الإسلامية، ونكرر السؤال هل يتلقى خادم الحرمين الشريفين والشعب السعودي هذا الأمر بإيجابية؟

النقطة الثالثة: تأتي مباشرة بعد كشف ومحاسبة كل من أمر وساهم وسهل وارتكب جريمة اغتيال خاشقجي، بتعاون جدي وكامل من الملك سلمان مع الرئيس أردوغان، وتتمثل بفتح صفحة جديدة بالعلاقات بين أنقرة والرياض، صفحة قوامها حل النقاط الخلافية بينهما.

ويتابع تكين: «نقاط خلافية كثير منها ليس خلافات مباشرة بين البلدين، بل خلافات في وجهات النظر وطريقة التعامل مع ملفات أخرى خاصة في منطقة الشرق الأوسط. وهنا وبعد المحاسبة الكاملة وفتح صفحة جديدة، تريد تركيا رفع الحصار عن قطر، وأن تصطف السعودية بشكل جدي وقوي معها ضد صفقة القرن التي ستـُباع بموجبها القدس المحتلة وفلسطين كلها، وأن توقف السعودية دعمها المالي والمعنوي والإعلامي للتنظيمات الإرهابية شرقي الفرات في سوريا، وأن تنهي الرياض حربها غير المجدية في اليمن، وأن تتعاون بشكل جدي لإنهاء حالة اللامنطق وحالة الفوضى في مصر اللتين يعاني منهما الشعب المصري من الانقلاب العسكري على الرئيس الشرعي المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي. كما تريد تركيا أن تقف السعودية بقيادة الملك سلمان معها لدعم حل سياسي شامل في سوريا يضمن مطالب الشعب السوري التي خرج لأجلها في ثورته، فضلا عن التخلي عن تحالفات لم تأت بأي خير على السعودية وشعبها وخاصة ذاك التحالف المعقود في أبراج البزخ والترف المطلة على إيران».

الكرة في ملعب سلمان

ويختم “تكين”: «صحيح أن  هذه الصفقة مهمة لتركيا ـ ولكن أنقرة لن تقبل بها إلا بعد أن يقوم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بكشف ومحاسبة كل من أمر وسهل ونفذ عملية اغتيال خاشقجي. وفي حال لم يقدم الملك سلمان على هذه الخطوة، فإن تركيا ستجد نفسها في نهاية المطاف مضطرة لكشف الحقيقة الكاملة الواضحة الشافية بنفسها، وقد تتجه الأمور للمجتمع الدولي وبالتالي لمزيد من استهداف واستنزاف السعودية وشعبها من هذا المجتمع، الذي يعاني أصلا من ازدواجية في معاييره ويرغب بانتهاز الفرص لضرب دولنا وشعوبنا في سبيل مصالحه فقط لا غير، وإلا فأين هذا المجتمع مما يحصل في سوريا واليمن ومصر والعراق وليبيا وميانمار وأفغانستان وغيرها من دولنا؟!».

الكرة في ديوان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، إن ركلها وسدد هدفا نظيفا بها سنرى المحاسبة للجميع دون استثناء، وسنرى نورا جديدا في منطقتنا، أما إن ركلها وذهبت خارج المرمى فإننا سنكون أمام مزيد من الأزمات على السعودية وعلى كل المنطقة، ويكون حال تركيا يومها “اللهم قد بلغت اللهم فاشهد”.

Facebook Comments