مع حلول الذكرى السابعة لمجزرة رابعة، التى ارتكبها جيش الانقلاب، بحق معتصمين سلميين، لايملكون إلا هتافاتهم بالحرية، وكما قال الدكتور محمد بديع مرشد جماعة الإخوان المسلمين، من فوق منصة رابعة "سلميتنا أقوى من الرصاص"، ومع ذلك كان الرد بالرصاص الحى والذخيرة على الرجال والنساء والأطفال.

مجزرة رابعة من أبشع المجازر التي مرَّت على شعب مصر، بل -ربما – على البشرية كلها فى العصر الحديث، أو منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، كما وصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش بأنها "إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث".

حيث قام جيش كامب ديفيد -الذى من المفترض أنه يحفظ البلاد من الأعداء- بفتح النار على آلاف المعتصمين السلميين في ميدان رابعة العدوية، فيهم النساء والأطفال والشيوخ، فقتل وحرق وجرح، ونشر الفساد والدمار، واصطبغ الميدان باللون الأحمر، والأشلاء الممزقة، ورائحة الموت والبارود والغاز، ثم الجرفات وهي تدهس الجرحى والمصابين وتجرف من بقى منهم على قيد الحياة.

طلب منى البعض، أن أكتب شيئاً عن مشاهداتى يوم الفض المشؤوم، حيث الرصاص وطلقات الرشاشات، وقنابل الغاز واستغاثات المعتصميين، وأصوات سيارات الإسعاف.
جال بخاطرى كلام المؤرح "بن الأثير الجزرى"، فى كتابه الكامل للتاريخ، وقد عاصربنفسه فظائع التتار فى بلاد المسلمين ولم يسمع عنها، فقال رحمه الله:

"لقد بقيت عدة سنين مُعرِضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أقدِّم إليه رجلًا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟! فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا!

كما تذكرت مطلع قصيدة الشاعر محمود غنيم – رحمه الله – التى يقول فيها :

مَا لِي وَلِلنَّجْمِ يَرْعَانِي وَأَرْعَاهُ/ أَمْسَى كِلاَنَا يَعَافُ الْغَمْضَ جَفْنَاهُ

لِي فِيكَ يَا لَيْلُ آهَاتٍ أُرَدِّدُهَا / أَوَّاهُ لَوْ أَجْدَتِ الْمَحْزُونَ أَوَّاهُ

لاَ تَحْسَبَنِّي مُحِبًّا أَشْتَكِي وَصَبًا /هَوِّنْ بِمَا في سَبِيلِ الْحُبِّ أَلْقَاهُ

إِنِّي تَذَكَّرْتُ وَالذِّكْرَى مُؤَرِّقَةٌ…. مجدا تليدا بأيدينا أضعناه

لِمِثْلِ هَذَا يَذُوبُ الْقَلْبُ مِنْ كَمَدٍ / إِنْ كَانَ في الْقَلْبِ إِسْلاَمٌ وَإِيمَانُ

لقد كانت رابعة كارثة بكل المقاييس، بمقاييس الماضي والحاضر، والمستقبل، فإن هذه المصيبة، كانت نقطة فارقة فى مصر، وكما قال الشيخ سلمان العودة-فك الله أسره – فى تغريدته الشهيرة"غمة مصر": ألا أيها المستبشرون بقتلهم أطلت عليكم غمّةٌ لاتفرّجُ".

ورغم مرور سنوات، على هذه المجزرة، لكن لم يقدم أحد من القتلة والمجرمين إلى المحاكمة، ولما لا وقائد الانقلاب، منحهم الضوء الأخضر للقتل وسفك الدماء حين خاطبهم قائلاً: "الضابط لو أصاب أو قتل متظاهرين مش حيتحاكم".

رغم وقوع ماحدث فى مجزرة رابعة، إلا أن القضاء "الشامخ"، أحال مئات آخرين من المعتصمين إلى المحاكمة، دون إحالة أي ضابط من الجيش أو الشرطة للمحاكمة، أو حتى التحقيق مع أي منهم.

وكأنه يريد أن يقول لهم: من نجا من القتل فى مجزرة رابعة سيقتل اليوم بأحكام القضاء، وبالإهمال الطبى فى السجون والمعتقلات!!

وقد شهد شاهد من أهل الظلم والطغيان، كما جاء فى تقريرالمجلس القومى لانتهاك حقوق الإنسان، التابع لنظام الانقلاب" أن قوات الأمن منعت إسعاف الجرحى من المعتصمين أثناء عملية الفض، كما فشلت في توفير ممر آمن للمعتصمين الذين أرادوا المغادرة.

كما أن صمت المجتمع الدولي على المجزرة، شجع النظام على ارتكاب المزيد من المجازر والجرائم، فى مسجد الفتح والقائد إبراهيم وغيرهما، والقتل خارج إطار القانون!!

شهادات الشهود والمشاهد المصورة والتقارير الطبية الرسمية، وأعداد القتلى ونوع الإصابات أفادت بتعمد انتقام الأمن من المعتصمين السلميين، والإفراط فى استخدام القوة المميتة، وهو مااعتبر جرائم ضد الإنسانية.

وقد جاءت مجزرة رابعة، بعد حملات تحريضية ضخمة في وسائل الإعلام الانقلابية المأجورة، الموالية لسلطة الانقلاب، والتي قامت بشيطنة المعتصمين السلميين، ودمغتهم بوصف الإرهاب، وأنهم يمارسون جهاد النكاح وماشابه من تلك الأباطيل.

القضاء "الشامخ"، وهو أحد أضلاع الثورة المضادة، حيث شارك فى المجزرة بشكل مباشر، بدليل أنه إلى الآن لم يفتح أى نوع من التحقيقات فى المجزرة وتداعياتها.

"ولعل مشهد الطفل، الذى يبكى وهو ينادى على أمه بعد أن تم قنصها واستهدافها قائلاً:  اصحى يا ماما.. يا ماما.. اصحي بالله عليكي".. هذه العبارة، كفيلة لتوضح حجم المأسأة، وحجم الإجرام الذى مارسه العسكر فى هذا اليوم !!

وإمعاناً فى الظلم والقهر والتنكيل بالشعب، أقر برلمان العسكر، قانوناً عجيباً، هو قانون معاملة بعض قادة الجيش، في 16 يوليو 2018، وبمقتضى هذا القانون، يُحظر مباشرة التحقيق أو اتخاذ إجراء قضائي عن أي فعل ارتُكب أثناء تأديتهم لمهامهم، أو بسببها بين 3 يوليو 2013 و8 يونيو 2014 إلا بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

لكن هيهات، فهذه الجرائم لن تسقط بالتقادم، وحتماً سيتم القصاص العادل من القتلة والمجرمين، إن لم يكن فى الدنيا ففى محكمة العدل الإلهية.

Facebook Comments