من دواعي الأسف أن الرصد المحايد لوسائل الإعلام السعودية والإماراتية يكشف عن انحياز الدولتين لكل خصم أو عدو للإسلام والمسلمين؛ فالدولتان انحازتا لأرمينيا في عدوانها ضد أذربيجان المسلمة؛ رغم أن أذربيجان لها الحق المشروع في حربها ضد أرمينيا التي تحتل إقليم "قرة باغ" الأذري منذ أكثر من عشرين سنة. ومع اندلاع الاشتباكات الأخيرة بين أذربيجان وأرمينيا نهاية سبتمبر 2020م، حتى سارعت الإمارات والسعودية إلى استغلال النزاع لفتح جبهة جديدة لمهاجمة تركيا التي تدعم أذربيجان المسلمة. بدا ذلك بشكل واضح من خلال التغطية الإعلاميّة للنزاع فضلًا عن الرسائل السياسية التي حملتها هذه التغطية.
من الناحية الرسمية، حثت السعودية الطرفين على وقف إطلاق النار، وحل النزاع بالطرق السلمية وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، لكن عمليًا كانت قناة العربية من أوائل القنوات التي استضافت رئيس الوزراء الأرميني حيث شنّ نيكول باشنيان من خلالها هجومًا حادًا ضد تركيا وأذربيجان وانتقدهما بشدّة. ورغم أن السعودية التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع أرمينيا، إلا أنها في 2018 هرولت نحو مد جسور التواصل معها نكاية في تركيا؛ وهنّأ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أرمينيا باستقلالها. وفي العام التالي، قام سفير السعودية في لبنان بزيارة نصب المذبحة الأرمنية المزعومة. وفي النزاع الأخيرة هاجمت الصحافة السعودية تركيا واتهمتها بالبلطجة والوقوف وراء اندلاع النزاع. علاوةً على ذلك، تحدّثت هذه الصحافة بصفاقة عمّا أسمته مذابح العثمانيين واتهمت أنقرة بممارسة التخريب في المنطقة مفسّرة ذلك بأنّه انعكاس لأطماع توسّعية لتركيا تتجاوز المنطقة إلى القوقاز.
من جهة أخرى، ترتبط الإمارات بعلاقات أكثر عمقًا وصلابة سياسيا واقتصاديًا وأمنيًا. ففي شهر إبريل 2020، أرسلت أبوظبي مساعدات إلى أرمينيا لمساعدتها على مكافحة فيروس كوفيد١٩. خلال السنوات الأخيرة، حاولت أبوظبي أن تجد لها موطئ قدم في القوقاز من خلال علاقات أقوى مع أرمينيا، فعقدت معها العديد من الاتفاقات كما حاولت أن تستثمر في بعض القطاعات الاقتصادية والصناعات الدفاعية.
وفقًا للكاتب الأرميني جورج مينيشيان، فإنّ الحافز الأوّل للتقارب الإماراتي-الأرمني هو إقامة تحالف معادٍ لتركيا، حيث تساعد يريفان أبوظبي في تمدّد محورها المضاد لأنقرة في الإقليم. الغريب أنّ الكاتب الأرمني الذي نشر مقاله على موقع إماراتي اعترف بأنّه وفي إطار تلاقي الطرفين، أرسلت أرمينيا عسكريين إلى سوريا لدعم العمليات الروسية قبل أن يقول إنّهم لم يكونوا مخصّصين للقتال، فيما أرسلت الإمارات دعمًا للمليشيات الكردية.
الإمارات دعمت كذلك موقف كل من أرمينيا واليونان وقبرص لعرقلة تولّي السفير التركي فولكان بوزكير منصب رئيس الدورة ٧٥ للجمعية العامة للأمم المتّحدة في يونيو2020. وفي النزاع الأخير نهاية سبتمبر ، استضافت قناة سكاي نيوز الإماراتية الرئيس الأرمني ليتّهم من خلالها أذربيجان بافتعال حرب ولينتقد الموقف التركي في الوقت الذي تحتل فيه بلده ٢٠٪ من أراضي أذربيجان!
المثير للسخرية في الأمر، أنّ موقف السعودية والإمارات يلتقي مع إيران وفرنسا وروسيا ضد تركيا كما هو الوضع في سوريا والعراق وليبيا ولبنان.
عداء مطلق للمسلمين
موقف النظامين في السعودية والإمارات يبرهن على أن الحكومتين تعملان بكل إصرار ضد كل ما هو مسلم؛ ودعم أعداء المسلمين في معظم الصراعات الإقليمية والدولية؛ فالدولتان تربطهما علاقات وثيقة للغاية مع الكيان الصهيوني، وكان التطبيع الإماراتي البحريني الأخير وسط ترحيب سعودي وتمهيد من جانب ولي العهد محمد بن سلمان لتطبيع سعودي مماثل تعبيرا عن هذه الهرولة نحو إقامة علاقات طبيعية مع الاحتلال، في الوقت الذي يجري فيه شيطنة المقاومة الفلسطينية ومحاكمة بعض المنتمين إليها محاكمات سياسية صورية من جانب النظامين. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فمنذ سنوات لاحقت الدولتان مسارات الدعم المالي التي كانت تصل إلى المقاومة الفلسطينية وعلمت على تجفيف منابع هذا الدعم الذي كان يمنح المقاومة شيئا من القدرة على مواجهة الاحتلال وحروبه التي لا تتوقف من أجل الهيمنة ليس على فلسطين وحدها بل على المنطقة بأسرها.
كما تتقارب الدولتان مع كل من نيقوسيا وأثينا ضد القبارصة الأتراك وتركيا. أمّا في شبه القارة الهنديّة، فقد تأثرت علاقة السعودية والإمارات مع باكستان سلبًا بعد رفض الرياض إثارة موضوع كشمير في منظمة المؤتمر الإسلامي وانحيازها إلى جانب أبوظبي والهند ضد إسلام أباد وملايين المسلمين المضطهدين في إقليم كشمير المحتل.
وفي شرق آسيا، دعمت كل من أبوظبي والرياض موقف الصين ضد أقليّة الإيجور المسلمة في وقت انتقدت فيه معظم دول العالم بما في ذلك الولايات المتّحدة سياسة الصين ضد الأقليّة المسلمة في البلاد. وفي أوروبا، وقفت الإمارات إلى جانب صربيا ضد كوسوفو ووثقت علاقاتها معها بشكل قوي في السنوات القليلة الماضية. ويمكن ملاحظة تصاعد الشراكة الإماراتية-السعودية مع فرنسا كذلك لاسيما في ما يتعلق بمحاربة المسلمين رغم تصريحات ماكرون الأخيرة المسيئة للإسلام والتي تحاول الدولتان إيجاد تبريرات وذرائع لها تخرجها عن سياقها باعتبارها حربا فرنسية على الإسلام والمسلمين.